النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: التقدير ازلي ام في ليلة القدر ؟

  1. #1
    عضو فضي
    الصورة الرمزية شجون الزهراء
    الحالة : شجون الزهراء متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5088
    تاريخ التسجيل : 12-09-2010
    الجنسية : أمريكا
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 1,369
    التقييم : 10


    افتراضي التقدير ازلي ام في ليلة القدر ؟


    نص الشبهة:

    قد يَزعم البعض أنّ في ذلك تناقضاً في القرآن ، فتارةً يُرى من تقدير الأُمور مُثبتاً في اللوح المحفوظ { ... فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ... } ، وأُخرى تقديرها في ليلة القَدر لكلّ عام { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } (راجع : هاشم العربي في ملحق ترجمة كتاب الإسلام ، ص384 ـ 385 .) .

    الجواب:

    قلت : ليس التقدير ممّا يختلف وإنّما يختلف العلم به ، فالّذي يعلم تقدير الأمور ومجاريها أَزلاً وفي اللوح المحفوظ هو اللّه وحده لا شريك له ، وأمّا الذي يتنزّل به ويُطلع أولياءه عليه فهو في ليلةٍ مباركةٍ هي ليلة القدر من شهر رمضان من كلّ عام . يتنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ أمر ، يتنزّلون بتقادير الأمور على الحجّة القائم مِن أوليائه ؛ ليُطلعه على مجاري الأُمور عامّة ذلك ، وبذلك تواترت روايات أئمةأهل البيت الصادقين ( عليهم السلام ) ومِن ثمَّ فإنّ عِلمَهم الحتم بمجاري الأُمور محدود بعامِهم ، دون علم اللّه المحيط الشامل 1 .

    والدليل على ذلك أنّ الوارد في سورَتي الدخان والقَدْر هو النزول والتفريق ، وليس أصل التقدير ، فتدبّر جيّداً .
    فاللّه تبارك وتعالى يعلم تقدير الأُمور حسب مجاريها عِلماً في الأَزل ، لكنّه تعالى يُنزل بهذا التقدير في كلّ ليلة قدر بشأن تفريقه طول ذلك العام ، الأمر الذي لا يبدو عليه أيّ شبهة تناقض .

    متى وقع التقدير ؟ وهل لا يتنافى التقدير مع الاختيار ؟
    جاء في سورة الدخان أنّ التقدير إنّما يقع في كلّ ليلة قَدْرٍ مِن شهر رمضان في كلّ سنة ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ 2 . وقد وردت روايات أيضاً بأنّ ما يقع في تلك السنّة إنّما يُقدَّر في ليلة القدر .
    هذا ، في حين كَثرة الآيات والروايات بأنّ التقدير إنّما وقع في الأَزل ، وتجري الأمور حسبما قُدّرت في اللّوح المحفوظ من غير تخلّف ولا تبديل ، ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ... ﴾ 3 ، ﴿ ... وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ... ﴾ 4 .

    على أنّ هذه الآيات تَرمي إلى سلب مسؤوليّة الإنسان عمّا يفعله ؛ حيث إنّه كان مُقدّراً من قبل ، وهذا يتنافى وقوله تعالى : ﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ﴾ 5 .

    أمّا المسألة الأُولى : فقد سَبَق البحث عنها في مسألة البداء وأنّ هناك تقديرَين ، تقديرٌ ظاهري حسب مجاري الأمور الطبيعيّة من عللٍ وأسبابٍ تتفاعل حسب طبيعتها الأُولى ، وهي السُنَن الساطية على الكون ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ 6 .

    وهذه السُنَن ليست حتميّة ، في حين كونها هي الغالبة ، حيث احتمال مفاجئة أُمور طارِئة من خارج مَدارات السُنَن فتُغيّر من اتجاهاتها أحياناً ، الأمر الذي لا يَعلمه إلاّ اللّه وكان مُقدّراً أي معلوماً لديه تعالى في الأَزل ، خافياً عن أعين الخلائق إلاّ مَن علّمه اللّه ، وهذا هو التقدير المكنون في اللوح المحفوظ ، ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ... ﴾ 7 .
    فالأَجل الأَوّل هو الذي تقتضيه مجاري الأمور الطبيعيّة حسب السُنَن الجارية في الخَلق ، وهذا ليس بحتم ، أمّا الأَجل الآخر الحتمي فهو الذي عَلِمَه اللّه في الأَزل حسب الأسباب الطارئة الخافية عن غيره تعالى ، ﴿ ... لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ 8 ﴿ يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ 9 .

    روى الصدوق بإسناده إلى الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( وهل يَمحو اللّه إلاّ ما كان ؟ وهل يُثبت إلاّ ما لم يكن ؟ ) 10 .
    فهناك تغيير وتبديل على خلاف مجاري الأُمور ، لا يَعلمه إلاّ اللّه عِلماً كائناً في الأَزل .
    قال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( من الأُمور أُمور موقوفة عند اللّه ، يُقدّم منها ما يشاء ويُؤخّر منها ما يشاء ويُثبت منها ما يشاء ) 11 ، أي : من الأمور ما هي موقوفة ـ في جريانها حسب العادة الطبيعيّة ـ على شرائط ، إنْ وُجدت جرت ، وإلاّ تخلّفت ، فحصول هذه الشرائط في وقتها أو عدم حصولها شيء لا يعلمه إلاّ اللّه .
    فالعلم بالتقادير الحتميّة الأَزليّة خاصّ اللّه تعالى ، أمّا غيره تعالى من الملائكة المقرّبين والمدبِّرات أمراً وكذا المُصطَفون من عباد اللّه المُكرمينَ فلا عِلم لهم بسِوى مُقتضيات السُنَن الطبيعيّة في مجاري الأمور ، والتي هي بمَعرض البَداء والتبديل ، أمّا حتميّتها فهذا شيءٌ إنّما يعرفونه في كلّ ليلة قدرٍ من كلّ سنةٍ وفي محدودة عامِها فحسب .
    قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إنّ للّه عِلمَينِ ، عِلمٌ مكنونٌ مخزونٌ لا يَعلمه إلاّ هو ، من ذلك يكون البداء ، وعِلم علّمه ملائكتَه ورسلَه وأنبياءَه ، فنحن نعلمه ) 12 ، وقد عنى بهذا العلم الذي تَعلمه الملائكة والأنبياء والأئمّة هو العِلم وِفق مجاري الأمور الطبيعيّة ، والتي يُمكن التخلّف فيها ؛ ومِن ثَمَّ قال الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( واللّه لولا آية في كتاب اللّه لحدّثتُكم بما يكون إلى يوم القيامة ، وهي قوله تعالى : ﴿ يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ 9 ) 13 .
    * * *
    وأمّا المسألة الثانية : هل لا يتنافى التقدير مع الاختيار ؟ فقد استوفينا الكلام عنها عند البحث عن مسألة الاستطاعة والاختيار ، وتَبيّن أنّ التقدير السابق لا يَعدو سوى العِلم بما سيقع وتقديره حسبما يقع ، من غير أن يكون العِلم السابق ذا أثرٍ في تحقّق المعلوم ، فإنّ للظواهر الكونيّة عِللاً وأسباباً تكوينيّةً هي التي تُؤثّر في الفعل والانفعال التكوينيّينِ ، كما أنّ للأفعال الاختياريّة الصادرة من الفاعل المختار ( الحيوان والإنسان ) سبباً مباشراً هي إرادته بالذات وليس مقهوراً فيها .
    فإذا كان اللّه يعلم ـ أَزلاً ـ ماذا سيقع وسيتحقّق عِبر الأبد ثُمّ قدّر مجاريها ودبّر من شؤونها بما يتوائم ونظام الكون فهذا لا يعني الإجبار ، ولا سيّما فيما يَعود إلى أعمالٍ يقوم بها الإنسان حسب إرادته واختياره ، وليس مِن المنطق أن يُفرض العلم بأمرٍ علّةً لوجوده .
    والتقدير السابق ، إنّما هو العِلم بالأسباب والمسبّبات ـ كما هي ـ ثمّ تدبير مجاريها حسب نظام الكون ، فلا هناك جَبر ولا سلب للمسؤوليّة فيما يَمسّ أفعال العباد الاختياريّة 14 .


    المصادر


    1. راجع : الكافي ، ج1 ، ص242 ـ 253 .

    2. القران الكريم : سورة الدخان ( 44 ) ، الآية : 4 ، الصفحة : 496 .

    3. القران الكريم : سورة الحديد ( 57 ) ، الآية : 22 ، الصفحة : 540 .

    4. القران الكريم : سورة فاطر ( 35 ) ، الآية : 11 ، الصفحة : 435 .

    5. القران الكريم : سورة الإسراء ( 17 ) ، الآية : 13 ، الصفحة : 283 .

    6. القران الكريم : سورة القمر ( 54 ) ، الآية : 49 ، الصفحة : 530 .

    7. القران الكريم : سورة الأنعام ( 6 ) ، الآية : 2 ، الصفحة : 128 .

    8. القران الكريم : سورة الرعد ( 13 ) ، الآية : 38 ، الصفحة : 254 .

    9. a. b. القران الكريم : سورة الرعد ( 13 ) ، الآية : 39 ، الصفحة : 254 .

    10. كتاب التوحيد للصدوق ، ص333 ، رقم 4 .

    11. بحار الأنوار ، ج4 ، ص116 ـ 117 ، رقم 44 .

    12. الكافي للكليني ، ج1 ، ص147 ، رقم 8 .

    13. بحار الأنوار ، ج4 ، ص97 ، رقم 4 و5 .

    14. شُبُهَات و ردود حول القرآن الكريم ، تأليف : الأُستاذ محمّد هادي معرفة ، تحقيق : مؤسّسة التمهيد ـ قم المقدّسة ، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة ص 276 ـ 279 .









  2. #2

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •