ا معنى (مكر الله) في قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [سورة آل عمران، 54]، وقوله عزّ وجلّ: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [سورة الأعراف، 99]؟

الجواب : عن علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، عن الرضا علي بن موسى (ع)، قال: سألته عن قول الله عز وجل {سخر الله منهم} وعن قول الله عز وجل: {الله يستهزئ بهم} وعن قوله: {ومكروا ومكر الله} وعن قوله: {يخادعون الله وهو خادعهم} فقال: إن الله تبارك وتعالى لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع ولكنه عز وجل يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء ، وجزاء المكر والخديعة ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً . [التوحيد للشيخ الصدوق، ص163] إذن يختصّ المكر الإلهي بمن يمكر ويحتال مع الله سبحانه ويعتبر جزاءً مناسباً لعملهم. وهذا المكر له درجات ويجب أن لا يرى أي شخص نفسه في أمان من مكر الله سبحانه؛ لأن النفس البشريّة محتالة جدّاً، قال تعالى: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُون} [سورة الأعراف، 99] كمثال على ما نقول عندما يقوم الفرد بأعماله الدينية يرى نفسه أفضل من الآخرين ويريد أن يجعل من هذه الأعمال فخّاً لصيد الآخرين وجذبهم وبهذا يتصوّر بأنه يخدع الله سبحانه، فجزاء الله سبحانه يتمّ بإيكاله إلى نفسه وعدم منعه من هذا المكر بشتى الوسائل وعدم إيقاظه من سبات الغفلة، فهذا هو المكر الإلهي الحسن الذي هو في الواقع جزاء المكر، أما مكر الإنسان فله أصول في الشر. ففي الواقع نفس مكر الفرد يعود بتبعاته عليه وهذا هو معنى مكر الله. بعض العلماء شبّه أفعال الله سبحانه في مقابل الإنسان بالشمس التي تشع على الجميع بمستوىً واحد لكن لو منع جسم ما نور الشمس يتكون الظلّ، فلو حرّكنا هذا الجسم يمنةً ويسره يتحرك الظل معه تباعاً فأنانية الإنسان كالجسم المظلم في مقابل نور الله سبحانه، فهي التي تجلب الظلمة (كالعذاب وغيره) فلو لم يكن لهذه الأنانية وجود لا يكون فعل الله سبحانه في قبال هذا الشخص إلّا هداية ومحبة كما يفعل الله سبحانه بعباده المخلصين الذين لا تسلط للشيطان عليهم. وكلما كان الفرد المنافق الذي يجب ذاته مستفحلاً في عمله ومكره كان الجزاء الإلهي مستفحلاً بنفس النسبة. والسبب هو نفس الفرد. كما إن علة إيجاد الظلم هو الجسم المظلم لا الشمس، ناهيك عمّا اذا لو لم تكن الشمس موجودة فلا نور ولا ظلٌّ بل كان ما هنا لك ظلام في ظلام.
[حسن بن محمد باقر، تفسير الصفي، ص 108]