قال تعالى: {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ... ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} (المائدة:54)، ففي حدود فهمي لما تأملت في الكلمات التي أتت بعد مخاطبتنا ب{يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا} التي هي - كما يعبر أحد علمائنا - "إن كل ما يأتي بعد هذا الخطاب شرط من شروط تحقق الايمان"، استوقفتني كلمة {فَسَوْفَ} التي أوحت إليَّ بمفهوم [وجوب الانتظار].

بلى! ذلك المفهوم الذي ظهر منذ أن خلق الله تعالى خليفته الأول وأخبر ملائكته بشأنه لما أبدوا استفهامهم عن أمر هذا الجعل وهؤلاء الخلق؟! بقوله تعالى: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }، وجاءهم الجواب: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة:٣٠).
فتعالى يخبرهم إن [انتظروا] فإن لي أولياء سيأتون لينشروا العدل والسلام، حيث لا دمار ولا سفك للدماء في دولتهم، وهم بدورهم أسلموا وأذعنوا وانتظروا حتى أراهم الله تعالى خليفته آدم {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ} (البقرة:٣٤).
ومنذ تلك اللحظة التي نطق بها لسان نبي الله يعقوب (عليه السلام) لما عاب عليه أبنائه شدة فرط بكائه على فقده لابنه يوسف (عليه السلام) {قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} (يوسف:85)، حيث قال {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، فهو كان يعلم إن ابنه له الحجية عليه، وصاحب الولاية على أبيه فهو كان يبكي فراق خليفة الله تعالى عنه؛ كان بكاءه نابع عن عقيدة وأيمان لا بكاء عاطفة أبوة ووجدان! فبكائه هو علامة شوقه وانتظاره وترقبه للقائه، لكن أنى لهم أن يفهمون؟! فهو أنتظر ثم لما ظفر بالوصال {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(يوسف: 96)، لأنه أمن بمفهوم الانتظار.

ومِنذ لحظة إيمان أم موسى (عليها السلام) لما أسلمت وليدها لعدوه لما أوحى إليها الله تعالى إن عليها أن تلقيه في اليم للحفاظ على خليفته، وأنه سيعود إليها رسولاً كما في قوله تعالى: {فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}(القصص:٧)، هي بدورها كامرأة إلهية آمنت بوحي ربها وانتظرت، وبوصل رسول ربها ووليدها بعد زمن قد ضفرت.

فهذه شواهد قرآنية تربينا على ثقافة الانتظار والتسليم بأن الأرض لا تخلو من الحجج الإلهيين فالحق تعالى يوصينا بالانتظار بقوله: {انتَظِرُواْ}، وبقوله: {فَارْتَقِبْ} التي هي لسان حال كل مؤمن منتظر في هذا الزمان.
إنه [انتظار] من اصطفاهم الله واجتباهم ليكونوا ورثة أرضه وعباده الصالحون المصلحون الذي يتحقق على أيديهم الوعد الإلهي، فكل مؤمن من شرائط تحقق إيمانه أن تكون له هذه العقيدة أي أن يعيش حالة [الانتظار] و[الترقب]، اي أن تكون له حالة الشوق لرؤية إمام زمانه، والأمل الذي به يترقب لحظة وصله ولقائه.
هو بين هذه المشاعر يعيش حالة المجاهدة الباطنية ليكون أهلا للقائه فيتجلى ذلك الشعور على سلوكه فيعمل جاهداً ليكون [مستعد] ملتحقاً بإمامه، وإن كان غائباً، وليكون [ظاهراً] بظهور دولته عند تحقق فرجه.
هو يصبر على العيش في دنيا لا يحكمها(ظاهراً) خليفة الله المنصب من قبله، ويعيش بدولة ظاهرها الإسلام ولا إسلام ولا سلام لكنه ب(انتظاره) يحافظ على نفسه وإسلامه الذي هو كنزه الدفين الذي يخاف عليه لأجل أن يقدمه قرباناً لأمام زمانه فيكون بذلك أهلا ليصبح جندياً لدولة العدل الإلهية الموعودة وواحد من أنصارها وأتباعها.
هو قلبه مملوء بالأمل الذي يشع من قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَـفِرِينَ يُجَـهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم...}.

ولأنه تلميذ القرآن الكريم عينه على قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ }(الأنعام : 158).
فهو تارة يصارع [الباطل] ليحافظ على قيمه ومبادئه، وتارة أخرى يصارع [الباطن] ليكون من أهل الصلاح، وليتمكن من الالتحاق بقافلة المصلح، ولكي يفوز في نهاية المطاف فلا يكن ممن جهل إمامه، ولم يجعله شاخصاً حاضر بحياته، وإن كان غائباً عنه بشخصه.

فالمنتظر الحقيقي يعيش عصر الظهور النسبي في نفسه بإظهار إنسانيته وشدة علاقته وارتباطه ومعرفته بإمامه؛ بالتالي ذكره لأمامه وطاعته وامتثاله لتطبيق منهجه كل هذا تجلي لحقيقة انتظاره، وهذا كله يرتب اثر انه يعمل على إيصال ما عنده وما يحمله من صلاح للأخرين ليتحقق الظهور المطلق.
فمفهوم الظهور إذا لم يكن متحقق في ذات المُنتظر لإمامه في غيبته لن يكون متحقق في عند ظهوره، فيكون مصداق لقول امامنا الصادق (عليه السلام): “طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية”(١).
-------
(١) كمال الدين، ص358.