النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: النسخ في القران

  1. #1
    عضو فضي
    الحالة : الشيخ عباس محمد غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 187399
    تاريخ التسجيل : 02-04-2015
    الجنسية : العراق
    الجنـس : ذكر
    المشاركات : 1,288
    التقييم : 10


    افتراضي النسخ في القران


    النسخ في القران
    v تعريف النسخ
    استعمل النسخ في اللّغة بمعنى الإزالة، فقالوا: نسخت الشمس الظل، أي أزالته. وفي الشريعة يطلق النسخ على رفع الحكم الشرعي الذي كان ثابتاً في الشريعة بحيث أنه لولا النسخ لاستمر بمقتضى دليله. فهو إذن رفع تشريع سابق بتشريع لاحق.

    ولتوضيح الأمر نقول:

    إن الأحكام الشرعية بعضها قد يشرّع بصورة مؤقتة أي له أمد ينتهي الحكم بانتهائه، وبعضها الاخر قد يشرّع دون أن يكون له أمد وإنما هو حكم مستمر وباقٍ.

    والقسم الأول تارة يبيّن أنه مؤقت في لسان دليله بحيث يُعلم أن هذا الحكم مؤقت منذ البداية. وأخرى لا يبيّن لنا في لسان دليله أنه مؤقت بحيث يكون ظاهر الدليل ولو من خلال إطلاقه أنه حكم ثابت ومستمر.

    هذا النوع الأخير من الأحكام هو موضوع بحثنا، فإنه عند انتهاء أمد الحكم يرد من قبل الشريعة بيان جديد لحكم جديد يلغي الأول وينسخه، فيسمى الأول حكماً منسوخاً والجديد ناسخاً.

    كما أن دليل الحكم الجديد ناسخ لدليل القديم لأنه مزيل له أو لتأثيره ومضمونه.

    يقول اللّه تعالى في محكم كتابه: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا...﴾ 1.

    ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ2، ومن المعلوم أن هاتين الايتين تثبتان إمكانية النسخ.

    59
    وعليه: فإن ارتفاع الحكم أو التشريع المؤقت صراحة في لسان الدليل عند انتهاء أمده لا يطلق عليه اسم النسخ. كما أن ارتفاع الحكم الأولي عند مصادفة الحرج والاضطرار الذي هو موضوع لحكم ثانوي لا يطلق عليه اسم النسخ أيضاً، كما في ارتفاع حرمة أكل الميتة عند اضطرار الإنسان له أو الصلاة من جلوس أو بالإيماء عند عدم القدرة على الصلاة الاختيارية، وأمثال ذلك.


    v حكمة النسخ

    في القوانين البشرية الوضعية كثيراً ما تصدر المراسيم والمقررات فتغيّر الدستور السابق الثابت أو القانون، وعادة يكون الداعي إلى ذلك أحد أمور:

    1- إما اكتشاف عدم صلاحية القانون أو الدستور السابق ووجود ثغرات فيه تحتاج إلى علاج جديد.

    2- أو تتغيّر وجوه المصلحة والمفسدة نتيجة تجدد بعض الظروف أو الأوضاع التي تجعل القانون السابق لا يلائم المستجدات، مما يلزم تغيير القانون بما يتناسب مع الوضع الحالي، ومع ذلك فإن واضعي القانون السابق لم يكن في علمهم أن المستجدات ستحصل لتعالج منذ البداية في القانون السابق.

    والأمر الأول لا يتصور مطلقاً في النسخ الشرعي لأنه تعالى منزه عن الجهل وعن العبث، بل هو لا يضع شرعة ولا حكماً إلا حسب مقتضى المصالح التي هو أعلم بها، ولا تخفى عليه خافية.

    وأما الأمر الثاني فإن اللّه تعالى عالم بالأشياء قبل حدوثها فهو حسب الفرض عالم بالمتغيرات والمستجدات، فكان المفروض أن تؤخذ بنظر الاعتبار عند التشريع منذ البدء.

    هذان الأمران دفعا بعض المشككين إلى انكار إمكانية النسخ.

    ولكنّ الاشكال يرتفع إذا أدركنا أن المصلحة المقصودة في مِلاك الحكم أحياناً لا تكون قائمة في نفس الفعل، بمعنى أن الغاية والحكمة من الأمر والنهي قد تكون لمجرد الامتحان والاختبار وهذا النوع من الأحكام لا مانع من وضعه ورفعه في أي وقت يترتب على الأمر مصلحة الامتحان والاختبار، بل أحياناً تكون مصلحة الامتحان أقوى من


    60
    المفسدة المترتبة على الفعل أو أقوى من مصلحة فعل اخر يزاحمه فيترك لصالح هذا الحكم.

    وأحياناً تكون المصلحة في نفس الفعل والمفسدة كذلك، إلاّ أنه يمكن أن تتغير بحسب اختلاف الأزمان، فيكون هناك زمان ذا مصلحة تنتفي في زمان اخر، وإذا كان التغير مجهولاً عند البشر فهو معلوم عند اللّه تعالى بلا شك، ومع ذلك لا يلزم أن يكون التشريع منذ البداية مراعياً للتغيرات، إذا كان في قصد المشرّع أن ينسخ الحكم عند تبدل المصلحة وتغيّر الأحوال.

    وهناك أمور أخرى قد تكون أحياناً لها مدخلية بتحقق المصلحة والمفسدة، كالتدرج في التشريع الذي له مصلحة خاصة تكون أحياناً أهم من المفسدة الحاصلة بترك الواقع.

    ومثال الأول: القبلة.

    يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ 3

    ومنه يظهر أن القبلة الأولى لم تكن إلا للامتحان.

    ومثلها أيضاً اية النجوى. يقول تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ 4.

    فقد ورد أنه صلى الله عليه وآله بعد نزول الاية فرض على كل مسلم صدقة درهماً واحداً عند كل مسألة فرضاً على الأغنياء دون الفقراء، وقال المفسرون لم يعمل بهذه الاية إلا علي عليه السلام رغم أنه كان من الفقراء.

    ثم نسخت الاية بعد تحقق الاختبار المطلوب بالاية اللاحقة.

    ومثال الثاني: عدد المقاتلين.

    قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ...﴾ 5.


    61
    ثم قال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ ﴾ 6.

    قال الإمام الصادق عليه السلام : " فنسخ الرجلان العشرة " 7.

    ومثال الأحكام المؤقتة منذ البداية قوله تعالى: ﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ 8.

    فقد جعل اللّه لهن السبيل في اية الجلد وفي حكم الرجم وهذا مبني على أن المراد من الفاحشة الزنا، وإلا فلو كان المراد الأعم منه ومما يقبح ويفحش فالحكم الأول باقٍ والثاني مجرد تخصيص له.

    وأمثلة الأحكام التي فرضت لأغراض تأديبية وفي سياق المعاقبة كثيرة منها:

    قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ 9.

    ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا ﴾
    10.

    إلى هنا تبيّن معنا إمكانية النسخ وعدم منافاته لحكمة المشرّع وعلمه المطلق. وتبيّن معنا أيضاً أنه قد تقتضي الحكمة إخفاء التوقيت وإطلاق لسان الدليل، لينسخ الحكم عندما يتحقق المقتضي لذلك.


    v الفرق بين النسخ والتخصيص

    الأحكام الشرعية يمكن أن تُبيَّن في بداية الأمر بلفظ عام في دليل، ثم يرد في دليل اخر تخصيص لتلك الأحكام. كما إذا ورد دليل يقول: أطعم الفقراء أو أطعم كل فقير، ثم جاء دليل اخر يقول لا تطعم الفساق من الفقراء، وحكمة التدريج في التشريع أو في بيان الأحكام هي التي قد تقتضي تأجيل البيان إلى وقت الحاجة.


    62
    وربما كان الدليل الأول في مقام بيان أصل التشريع دون تفصيلاته، بينما يترك أمر التفاصيل إلى أدلة لاحقة في السنّة النبوية الشريفة.


    والنتيجة:

    إن التخصيص هو إخراج جزء من الموضوع أو بعض أفراد موضوع الحكم العام، وأما النسخ فهو إلغاء الحكم الذي كان ثابتاً في زمانٍ سابق إلغاؤه في الزمان اللاحق.


    v وقوع النسخ في القرآن

    هناك ايات كثيرة جداً ادعي أنها منسوخة بايات أخرى، لكن التدقيق فيها يكشف عن عدم دخولها تحت النسخ الاصطلاحي، إما باعتبار اختلاف الموضوع أو باعتبار الانسجام التام بينها وعدم التنافي، أو لكونها تدخل في باب التخصيص، أو لأن الحكم الأول مقيد بالزمان والأمد المحدود من البداية، أو لغير ذلك من الاعتبارات التي تخرجها من باب النسخ.

    وقد أورد السيد أبو القاسم الخوئي 6 3 اية من الايات التي ادعي أنها منسوخة وبعد البحث والتدقيق فيها خرج أغلبها من باب النسخ لأحد الاعتبارات المتقدمة 11.

    ومهما يكن فإن نسخ الاية لغيرها ينبغي أن يتوفر فيه أمور:

    1- وحدة الموضوع في الايتين.

    2- التنافي في الحكم ليكون أحدهما رافعاً للاخر.

    3- عدم كون الاية المنسوخة مقيدة بأمد خاص، أو مشروطة بظرف عين.

    أما نسخ القران بالسنّة النبوية الشريفة فهو ممكن شرط أن يرد الناسخ متواتراً قطعياً فالقران لا ينسخ بخبر الواحد، بل اللازم عند تعارض الخبر مع الكتاب أن يطرح ويسقط عن الاعتبار لأننا أُمرنا بعرض الأحاديث عليه، والأخذ بما وافقه واسقاط ما خالفه، فكيف يمكن نسخ الكتاب بخبر واحد، ولو تم ذلك لما بقي لنا من أحكام القران الكريم بشي‏ء.


    63
    والسنّة القطعية الناسخة للقران إن لم تكن نادرة فهي غير موجودة، لكن ذكرنا ذلك التزاماً بالإمكان العقلي وعدم المانع لو وجدت.


    v نسخ التلاوة

    ما تحدثنا عنه من النسخ كان يتناول نسخ الحكم الوارد في اية قرانية مع بقاء الاية واتصافها بالقرانية، وهو المقصود عادة من كلامهم.

    لكن ادُّعيَ أن ايات من القران نسخت تلاوتها أي أزيلت من القران فهي لا تتلى وربما بقي حكمها وربما لم يبق. وهذه الدعوى التزم بها أهل السنّة نتيجة روايات عديدة رويت من طرقهم تتحدث عن ايات من القران كانت تتلى ولكنهم لا يجدونها في القران وكان لا بد لهم أمام هذه الروايات من التزام أحد أمرين:

    الأول: سقوط تلك الروايات عن الاعتبار وإهمالها والحكم عليها بالكذب.

    الثاني: الالتزام بطرو النقص على القران وذهاب جزء منه انسجاماً مع مدلول تلك النصوص.

    وكلا الأمرين كان محرجاً لهم:

    فالأول: يقتضي التنازل عن اعتبار روايات وردت في كتب حكموا عليها بالصحة ونالت درجة كبيرة من القدسية عندهم حتى عدّوا لقراءتها من الفضل والاستحباب والبركة ما يأتي بعد القران مباشرة.

    والثاني: لا يمكن الالتزام به لأنه يخالف الضرورة التاريخية وتواتر القران الكريم وإجماع المسلمين على سلامته من التحريف.

    ولأجل التخلص من هذا المأزق ابتكروا مقولة " نسخ التلاوة" ، ومفادها أن هذه الايات كانت قراناً ولكن اللّه سبحانه وتعالى نسخها فخرجت بذلك عن صفة القرانية مع بقاء حكمها.

    والحقيقة أنّ هذه الدعوى لا دليل عليها أصلاً، ولم يوردوا ما يدل على ذلك إلاّ تلك الروايات التي مؤدّاها التحريف المرفوض.

    ولأجل ذلك رفض أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام نسخ التلاوة رفضاً باتاً ورفضوا


    64
    الروايات الدالة على سقوط شي‏ء من ايات القران وعدوها من روايات التحريف المرفوضة كما تقدم الإشارة إليه، هذا بقطع النظر عن رواتها وناقليها.

    والعجيب عدم الالتفات إلى أن ما يدعى أنه كان من القران ونسخت تلاوته يحمل معه دليل سقوطه وكذبه نظراً لعدم توفر النظم القراني والبلاغة القرانية في شي‏ء منه.


    65
    أسئلة حول الدرس
    1- ما هو المعنى المقصود من النسخ في القران؟
    2- ألا يلزم من النسخ نسبة الجهل إلى اللَّه تعالى؟ أوضح ذلك من خلال المثال؟
    3- كيف تفرق بين النسخ والتخصيص؟
    4- هل يوجد في القران ناسخاً ومنسوخاً، وهل يُنسخ القران بالسنّة النبوية الشريفة؟
    5- كيف ترد على دعوى أن في القران ايات نسخت تلاوتها؟





  2. #2

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •