من وادي العقيق اتجه الامام الحسين بن علي (عليه السلام) إلى ذات عرق، وهي في طريق الكوفة إلى المدينة، وتقع بين الغمرة وبين بستان ابن معمر[1] القريب من مكة، بينهما وبين الغمرة برك وأبار على مسافة ثمانية عشر ميلا [2]، وإذا جزت ذات عرق إلى البحر فأنت في تهامة، ويذكر بعض المؤرخين ان ذات عرق هي منهل أهل العراق، بتعبير ادق الحد بين نجد وتهامة، وقيل عرق جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق[3].وكما تؤكد بعض الروايات ان بين ذات عرق ومكة مرحلتان، وكانت الاولى لبني سعد بن بكر الذين ارضعوا النبي الاكرم محمد (صلى الله عليه واله)[4] ، ويحدد احد الشعراء مكانها ويرسم مسافاتها بما يجاورها بقوله:

قرن يلملم ذات عرقٍ كلها في البعد مرحلتان من أم القرى
ولذي الحليفة بالمراحل عشرة وبها لجحفة ستة فاخبر ترى([5]).
بالاضافة الى ذلك تبين الروايات ان في ذات عرق التقى الامام الحسين بأحد رجال بني أسد الا وهو بشر بن غالب الذي يعد من ابرز أصحاب امير المؤمنين علي (عليه السلام)، وقد روى عن الحسين(عليه السلام)، وهو رجل عالم فاضل جليل القدر[6]، وجرى حديث بينهما حين سأله الامام الحسين من أين اقبل، فقال من العراق، فقال له (عليه السلام): "كيف خلفت أهل العراق"؟ قال "خلفت القلوب معك والسيوف مع بني أمية"([7])، ثم سأله بشر عن قوله تعالى﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [8] فقال الامام الحسين(عليه السلام): "نعم هم إمامان: إمام هدى دعا إلى هدى وإمام ضلالة دعا إلى الضلالة. فهدى من أجابه إلى الجنة ومن أجابه إلى الضلالة دخل النار" [9].
يبدو من ذلك، ان حديث "بشر بن غالب" الذي سمعه الامام(عليه السلام) لم يختلف عن حديث الفرزدق ان القلوب معه والسيوف مع بني أمية، وكان هذا قبل مجيء خبر مقتل مسلم بن عقيل، وقد صدقهما الامام (عليه السلام)، وهو دليل على علم الامام الحسين بما تعج به الكوفة من مشاكل .
في الوقت نفسه ان الروايات لا تذكر شيئا عما حدث للإمام الحسين (عليه السلام)، وصحبه في هذه المنطقة، او الجماعات التي التقى بهم وتحدث إليهم.
جعفر رمضان
العتبة الحسينية المقدسة




[1]شهاب الدين بن يعقوب بن عبد الله الرومي الحموي ، معجم البلدان، (بيروت: دار أحياء التراث العربي، 1979م) ، ج1، ص414.


[2] عبيد الله ابن خرداذبة، المسالك والممالك، ص132.

[3]أبي عبيد الله عبد الله عبد العزيز البكري، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، تحقيق، مصطفى السقا،(بيروت عالم الكتب، 1403هـ)،ج1 ،ص9؛ شهاب الدين بن يعقوب بن عبد الله الرومي الحموي ، المصدر السابق،ج4،ص107-108




[4]مصدر نفسه ، جـ5، ص278.

[5] أبي بكر بن محمد، أعانة الطالبين (بيروت، دار الفكر، 1418هـ)، ج2، ص342.


[6]أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، اختيار معرفة الرجال، تحقيق، مير داماد وآخرون(قم، مؤسسة آل البيت،1404هـ )، ج1، ص171

[7]رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر ابن طاووس، اللهوف على قتلى الطفوف(النجف، المطبعة الحيدرية، بلا، ت)، ص30.

[8]سورة الأسراء آية 71

[9]أبي المؤيد الموفق بن احمد بن محمد الخوارزمي، مقتل الحسين، تحقيق: عبد المنعم عامر( بغداد: مكتبة المثنى، 1959م)، ج1، ص221.