هل هناك فرق بين كلمة مولى وكلمة والي وكلمة أولى ولماذا لم يقول النبي ص في الغدير أولى؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الولاية التي نؤمن بها وهي الامامة والامارة والسلطة الدينية والدنيوية وقيادة الامة بعد نبيها (صلى الله عليه وآله) على الصراط المستقيم والمحجة البيضاء والحفاظ على الاسلام والمسلمين.
وقد عبَّر النبي (صلى الله عليه وآله) عن هذه الولاية بعدة ألفاظ منها (ولي ومولى) وهذين اللفظين قد صححهما أهل السنة أيضاً ووردت بالفاظ أخرى عند الفريقين ولكن أهل السنة ضعفوها مثل لفظ (خليفة وأمير وغيرها...). وأما النقاش في اللفظين الصحيحين عند الفريقين فهما بالاتفاق بمعنى واحد وهو الولاية.
قال الفرّاء: الوليّ والمولى واحدٌ في كلام العرب. قال أبو منصور: ومن هذا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) (أيّما امرأة نكحتْ بغير إذن مولاها) ورواه بعضهم: (بغير إذن وليّها) لانها بمعنى واحد.
قال ابو الهيثم: المولى على ستة أوجه: وذكر منها: المولى الولي الذي يلي عليك أمرك.
وقال ابن سلام عن يونس: قول سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فعلي مولاه. أي: مَنْ كنت وليّه فعلي وليه.
قال الزجاج: والولاية التي بمنزلة الامارة مكسورة.
قال: والوليّ: ولي اليتيم الذي يلي أمره ويقوم بكفايته. وولي المرأة: الذي يلي عقد النكاح عليها ولا يدعها تستبد بعقد النكاح دونه.
وقال ابن منظور: وليّ: في أسماء الله تعالى: الوليّ هو الناصر، وقيل: المتولي لامور العالم والخلائق القائم بها. ومن أسمائه عزّوجل: الوالي: وهو مالك الأشياء جميعها المتصرف فيها.
وقال ابن الاثير: وكأن الولاية تفشعر بالتدبير والقدرة والفعل وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه إسم (الوالي). كل هذا النقل اللغوي عن لسان العرب لابن منظور (كلمة ولي).
ومن هذا القول الاخير لابن الاثير تعلم أخي الرد على أهم إشكالاتهم حول الولاية بأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يجب عليه أن يقول (والي) وليس ولي أو مولى. فاشتراط الفعل والقدرة على الولي كي يففسمّى والياً غير متوفر في الامام علي (عليه السلام) في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) وهو (صلى الله عليه وآله) على قيد الحياة فهو (عليه السلام) لم يعمل ولم يباشر بالولاية في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) أبداً وهذا ما أشار إليه النبي (صلى الله عليه وآله) في بعض الروايات بقوله (بعدي) وفي البعض الآخر قوله (صلى الله عليه وآله) ((تركت فيكم)) وفي حديث الغدير قال (صلى الله عليه وآله): إنه يوشك أن يأتي رسول ربي فاجيب واني مخلف فيكم الثقلين... قال ابن الاثير: وكلٌّ مَنْ ولي أمرَ واحد فهو وليّه. وقال البخاري في صحيحه ج4 / 1795 ـ 272 باب النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة... اقرأوا إن شئتم (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) (الأحزاب:6).
فهذا البيان كله قد قرَّره أهل اللغة وهو المرجع الذي سوف نفهم الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على أساسه ونرى ما إذا دلّت على ذلك.


فبعد أن رأينا أن لفظة (ولي أو مولى) تأتي في اللغة بمعان عديدة منها ما ندعيه هنا في هذا المقام وكذلك تدل على معان عدة أخرى فيشترط أهل اللغة والعقل والعلم الشرعي بأن اللفظ المشترك بين معان متعددة يسمى مشتركاً لفظياً ولا يجوز استخدامه في أي معنى من المعاني حتى تنصب له القرينة الدالة والمحددة للمعنى الذي يريده المتكلم. ولدينا على إثبات مدّعانا قرائن عديدة منها حالية ومنها مقالية نذكر أهمها:

الأول: القرائن الحالية: وهي إختيار النبي (صلى الله عليه وآله) غدير خم ذلك المكان الذي يعتبر مفترق الطرق بين مكة والمدينة وبعد الحج بل بعد حجة الوداع التي دعا النبي (صلى الله عليه وآله) المسلمين كافة للتشرف بحضورها حتى حضر معه مائة ألف مسلم أو أكثر من جميع بقاع الارض. وهذا المكان منه يفترق المسلمون للرجوع الى ديارهم وهو أقرب نقطة على كل أحد من الجهات المختلفة للبلاد الاسلامية.

فهو آخر مكان يمكن فيه اجتماع النبي (صلى الله عليه وآله) بأكثر المسلمين في ذلك الوقت قبل الافتراق والرحيل الى الرفيق الاعلى.
كذلك تقديم النبي (صلى الله عليه وآله) المتأخرين بانتظارهم حتى إجتمعوا وإرجاع المتقدمين الذين أسرعوا بالسير وجمعهم في تلك البقعة وفي ذلك الوقت الحار وقت الظهيرة الشديد الحر وخصوصاً أنهم قد قضوا مناسكهم وهم مسافرون وتنتظرهم مسافات شاسعة للوصول الى ديارهم وأهليهم.
فما هو ذلك الامر المهم الذي يستوجب كل هذا من جمع كبير وحشد مؤمن راجع من شعيرة عظيمة تمحي الذنوب وترجع العبد الى ربّه كالثوب الابيض وتهيأه لتحمل أمر صعب القبول على النفس الأمارة بالسوء والمحبة للعلوّ والرئاسة. إلا (ما رحم ربي).
فاوضح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك بخطبته البليغة ما يريد أن يزف من بشرى وعيد للمؤمنين مع خوفه وإشفاقه على الآخرين الذين سيغيرون ويحدثون في الدين من بعد كما صرح بذلك (صلى الله عليه وآله) في مناسبات افخر.


الثاني: القرائن المقالية: وهي ابتداء النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: (إنه يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب).

فهذه قرينة واضحة لكل عاقل بأن النبي (صلى الله عليه وآله) يريد أن يوصي أمته وصية موته وأمر الامة من بعده وقوله (صلى الله عليه وآله) في رواية مسلم (وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله فيه الهدى والنور... وأهل بيتي) ففيها دلالة على ترك البديل له (صلى الله عليه وآله) والممثل الشرعي من بعده. وقوله (صلى الله عليه وآله) (أذكركم الله في أهل بيتي) تأكيد عميق منه (صلى الله عليه وآله) بعد أن أكد ذلك ثلاث مرات بالتكرار للتأكيد على هذا الأمر العظيم الثقيل الذي يتوقع عدم قبوله من أكثرهم. وأما في الرواية الاخرى ففي بدايتها يشهدهم النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله (ألست أولى بالمؤمنين من انفسهم قالوا بلى يا رسول الله).
فأكد ثانياً وقال (ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا بلى يا رسول الله) بعد الاقرار منهم له (صلى الله عليه وآله) بأنه أولى بالتصرف بهم من أنفسهم وله الولاية العظمى عليهم أتبع ذلك بقوله (ألا من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه) فهذا تفريع على ذلك الاقرار وتلك المقدمة. وأما عدم قول النبي (صلى الله عليه وآله) أولى صراحة فلأنه امام البلغاء فلو استخدم هذا اللفظ فسوف يقول (من كنت أولاه فعلي أولاه) وهذا لا يجوز في اللغة العربية وكذلك أن لفظة (أولى) مبنية على أفعل التفضيل الذي فيه مشاركة وزيادة فتعني أن علياً أولى من ولي آخر ولا يوجد هناك ولي آخر في ذلك الوقت لأن الامام والقائد يجب أن يكون واحداً للزمان الواحد وهذا بديهي ومسلّم من الجميع وكذلك لقوله (صلى الله عليه وآله) في أحاديث كثيرة (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) وعليه فأن علياً (عليه السلام) الولي الوحيد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55) وإنما تفيد الحصر والقصر.
مركز الابحاث العقائدية