النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الأئمة عند الشيعة متى شاءوا أوحي إليهم

  1. #1
    عضو جديد
    الصورة الرمزية الشيخ ابو اسد الله
    الحالة : الشيخ ابو اسد الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 193430
    تاريخ التسجيل : 21-07-2017
    الجنسية : العراق
    الجنـس : ذكر
    المشاركات : 37
    التقييم : 10

    افتراضي الأئمة عند الشيعة متى شاءوا أوحي إليهم


    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رفيع الدرجات ذي العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ، رب العباد والبلاد ، وإليه المعاد ، سريع الحساب ، شديد العقاب ذو الطول لا إله إلا هو إليه المصير، إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ، باسط اليدين بالرحمة ، واهب الخير لا يخيب سائله ، ولا يندم آمله ، ولا يحصى نعمه صادق الوعد وعده حق ، وهو أحكم الحاكمين ، وأسرع الحاسبين ، حكمه عدل وهو للمجد أهل .
    والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله وحبيبه وصفيه وحافظ سره ومبلغ رسالاته سيدنا و نبينا ومولانا ابى القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين .
    بيان الشبهة : أكدت روايات صاحب الكافي التي جاءت في الباب الذي عقده بعنوان : (أنّ الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا) ، وذكر فيه روايات ثلاثاً كلها تنطق بـ (أنّ الإمام إذا شاء أن يعلم أعلم) وفي لفظ آخر: (إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك) فالوحي للأئمة ليس بمشيئة الله وحده ، كما هو الحال مع الرسل عليهم السلام ، بل هو تابع لمشيئة الإمام» .
    جواب الشبهة : أنّ الروح نفحة من نفحات الله سبحانه ، قال تعالى: { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] فلذا يتناسب صفاؤها وسموها وإشراقاتها تناسباً طردياً مع قربها من الله سبحانه وتعالى والإيمان به والفناء في ذاته ، قال ابن تيمية (1) : «وكلما قوي الإيمان في القلب ، قوي انكشاف الامور له ، وعرف حقائقها من بواطلها ، وكلما ضعف الإيمان ، ضعف الكشف ، وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم , ولهذا قال بعض السلف في قوله : {نُوْرٌ عَلَى نُوْرٍ} قال: هو المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق وإن لم يسمع فيها بالأثر، فإذا سمع فيها بالأثر كان نوراً على نور، فالإيمان الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن» إلى أن يقول : «وأيضاً إذا كانت الامور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقيناً وظناً ، فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى» (2).
    وبهذا المعنى وردت روايات كثيرة تؤكد على أنّ المؤمن ينظر بنور الله وينطق بتوفيقه ، وقد بلغت طرق هذه الروايات من الكثرة والتشعب ما جعلها تبلغ حد الاستفاضة ، فقد رواها عدد كبير من الصحابة عن رسول الله .
    فقد أخرج البخاري في التاريخ ، والترمذي في السنن ، والطبراني في الأوسط ، وأبو نعيم ، والخطيب وغيرهم ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : «قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»(3).
    وعن اُمامة أخرجه الطبراني في الكبير(4) والأوسط (5) ، وأبو نعيم في الحلية (6)، والقضاعي (7) وغيرهم ، وعن ثوبان أخرجه أبو نعيم (8) وابن جرير (9)، وقال الهيثمي عن بعض أسانيده : «رواه الطبراني وإسناده حسن»(10).
    وقال المباركفوري في معرض شرحه لقوله : «ينظر بنور الله» : «أي : يبصر بعين قلبه المشرق بنور الله تعالى ، فإذا تفرغ العقل من أشغال النفس ، أبصر الروح ، وأدرك العقل ما أبصر الروح»(11).
    هذا، وقد ورد أنّ لطاعة الله وتقواه أثرها البالغ في صفحة قلب المؤمن الذي يرتفع بسببها إلى أعلى درجات الكمال والاتصال بمحل فيضه وعطائه ، فتتحرك حواسه وإدراكاته في دائرة الفيض الإلهي ، فلا ينطق إلا حقاً، ولا يقول إلا صدقاً ، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال : «قال رسول الله... وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه» (12).
    قال الآلوسي : «قيل: المؤمن ينظر بنور الفراسة ، والعارف بنور التحقيق ، والنبي عليه الصلاة والسلام ينظر بالله عز وجل ، وقيل: كل من رزق قرب النوافل ينظر به تعالى , لحديث : لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به...»(13).
    فعلى هذا يتبين لنا أنّ أرواح المؤمنين وقلوبهم كلما كانت مفعمة بالإيمان وطافحة بالتقوى والطاعة ، تنعكس على صفحاتها أنوار المعرفة والهداية ، وتتفجر من جوانبها الحكمة والكلمة الصادقة ، نتيجة ما يرزقهم الله من أنوار علومه ومعارفه ، قال العلامة الآلوسي في تفسيره معنى : الرزق الكريم ، في قوله تعالى : {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} قال: «وهو العلم اللدني الذي به غذاء الأرواح»(14).
    فيتبين لنا بعد هذا إمكان حصول كثير من العلوم والمعارف للكمل من المؤمنين العارفين بالله سبحانه.
    ومن الثابت لكل مسلم أنّ فيض الله سبحانه وعطاءه دائم لا انقطاع له ولا اضمحلال , إذ لا بخل في ساحة رحمته ولطفه , فإنّ فيوضاته وعطاءاته من علوم ومعارف كالغيث المنهمر، يصيب به كل جبل ووادٍ ، وصحراء جرداء ، وأرض غناء ، قال تعالى : {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20], لأنّ الله شأنه شأن الإفاضة كما يقول الآلوسي (15)، ولكن التفاوت في استعداد هذه القوابل والظروف التي تكون محلاً لتقبل هذا العطاء والفيض الإلهي ، فيأخذ كل على حسب سعته وقابلياته ، قال تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] , قال ابن عباس: «الأودية قلوب العباد»(16) وقال الأنباري : «وشبه الأودية بالقلوب , إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن القرآن والإيمان في قلوب المؤمنين»(17).
    وقال الآلوسي : «{أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء} سماء روح القدس ، {ماء} أي : ماء العلم ، {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ} أي: أودية القلوب ، {بقدرها} بقدر استعدادها»(18).
    فتحصل لنا من مجمل ذلك أنّ المؤمن قد يبلغ به إيمانه إلى المستوى الذي يفيض الله عليه بوافر رحمته وجزيل عطائه وجليل علومه وحكمته ، ولكن هذا يتفاوت ـ كما قلنا ـ من مؤمن إلى آخر حسب إيمانه وقربه من الله سبحانه وعظيم منزلته عنده.

    ولا يخفى على أحد من المسلمين ما يتمتع به أهل بيت رسول الله من مكانة مرموقة ، ومنزلة رفيعة بين المسلمين تدعم هذه الحقيقة ، وتدل عليها بيانات قرآنية ، كآية التطهير والمباهلة وغيرها ، وبلاغات نبوية صريحة كحديث الثقلين والكساء والسفينة وغيرها كثير، مما أهلهم لأن يكونوا أئمة المسلمين وقادتهم وحملة الرسالة وهداة الامة ، فكيف والحال هذه أن لا يكونوا في الدرجات العالية من الإيمان والتقوى والطاعة لله سبحانه والفناء في ذاته ؟! وهو ما شهد به القاصي والداني والعدو قبل الصديق .
    لذا كان من الطبيعي جداً أن تكون قلوبهم النقية أوعية لفيوضات الله وعلومه ومواهبه التي تترى على عباده بلا انقطاع ولا توقف ، حتى صارت أرواحهم متصلة بعالم الفيض الإلهي ، فيحصلون على ما يريدون من علم ومعرفة متى ما توجهت أنفسهم إلى إرادة ذلك العلم ، وهو معنى أنهم متى ما شاءوا أن يعلموا علموا ، وهم لمكان تقواهم العالية وطاعتهم التامة ، لا يشاؤون إلا ما يشاء الله سبحانه ، فمشيئتهم هي مشيئة الله تعالى.
    ولكن على الرغم من ذلك قد تقتضي حكمته سبحانه في بعض الأحيان أن لا يطلعهم على بعض علومه ، فله أن يعطي وله أن يمنع , ولذا ورد في الحديث الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال : «يبسط لنا العلم فنعلم، ويقبض عنا فلا نعلم»(19).
    وبهذا يتضح جلياً عدم وجود المانع من تحقق مثل هكذا علوم بهذا المستوى ، وليس ذلك غريباً ومستهجناً.
    وبناءً على ما تقدم : من أنّ الأئمة في الدرجات العلى والمراتب القصوى من الإيمان والتقوى ، الأمر الذي جعل أرواحهم محلاً لرحمته وفيضه وعطائه الذي لا ينقطع أبداً كما قلنا ، فيفيض عليهم من علومه ومعارفه ، وهذا لا يعد وحياً رسالياً بأي شكل من الأشكال , لأنّ طرق إيصال وإفاضة الله لعلومه على عباده غير منحصرة في الوحي أبداً ، فهناك طرق وأساليب متعددة كالتحديث والإلهام والإلقاء في الروع وغيرها .
    ولذا قال الشيخ المفيد: «وعندنا أنّ الله تعالى يُسمع الحجج بعد نبيه كلاماً يُلقيه إليهم في علم ما يكون ، لكنه لا يُطلق عليه اسم الوحي , لما قدمنا : من إجماع المسلمين على أنه لا وحي إلى أحد بعد نبينا، وأنه لا يقال في شيء مما ذكرناه : إنه وحي إلى أحد»(20).
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) إنّ استشهادنا بكلام ابن تيمية من باب إلزام الخصم بكلام من هم مقبولون عنده، وإلاّ فهناك الكثير من العلماء من له أقوال وآراء قيمة في هذه الأبحاث وغيرها.
    (2) ابن تيمية ، مجموع الفتاوى: ج20 ص45ـ 46، الناشر: مكتبة ابن تيمية.
    (3) البخاري ، التاريخ الكبير: ج7 ص354، الناشر : المكتبة الإسلامية ـ ديار بكر ـ تركيا. الترمذي ، سنن الترمذي: ج4 ص360، الناشر: دار الفكر ـ بيروت. الطبراني، المعجم الأوسط: ج8 ص23، الناشر: دار الحرمين ـ القاهرة. أبو نعيم الإصفهاني، حلية الأولياء: ج10 ص281، الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج3 ص191، الناشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت.
    (4) الطبراني ، المعجم الكبير: ج8 ص102، الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
    (5) الطبراني ، المعجم الأوسط: ج3 ص312.
    (6) أبو نعيم الإصفهاني ، حلية الأولياء: ج6 ص118.
    (7) محمّد بن سلامة القضاعي ، مسند الشهاب: ج1 ص387، الناشر: مؤسسة الرسالة ـ بيروت.
    (8) أبو نعيم الإصفهاني ، حلية الأولياء: ج4 ص81.
    (9) الطبري ، تفسير الطبري: ج14 ص46، الناشر: دار الفكر ـ بيروت.
    (10) الهيثمي ، مجمع الزوائد: ج10 ص268، الناشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت.
    (11) المباركفوري ، تحفة الأحوذي: ج8 ص441، الناشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت.
    (12) البخاري ، صحيح البخاري: ج7 ص190 ح6502، الناشر: دار الفكر ـ بيروت.
    (13) الآلوسي ، روح المعاني: ج26 ص83، الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
    (14) المصدر نفسه : ج17 ص212.
    (15) الآلوسي، روح المعاني: ج5 ص52.
    (16) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن: ج9 ص305، الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
    (17) الشوكاني ، فتح القدير: ج3 ص75، الناشر: عالم الكتب ـ بيروت.
    (18) الآلوسي ، روح المعاني : ج13 ص183، الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
    (19) الكليني ، اُصول الكافي : ج1 ص256، الناشر: دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
    (20) المفيد ، تصحيح اعتقادات الإمامية: ص121، الناشر: دار المفيد ـ بيروت.





  2. #2

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •