الحسن بن ابي عقيل العماني

الحديث عن فقه الاقدمين من فقهائنا يتطلب دراسة مستوعبة وشاملة، تسلط الضوء على اهم المرتكزات التي قام عليها فقههم وتميز بها عن فقه المرحلة السابقة لظهوره، مرحلة الفقه الماثور.
وما نقصد اليه في هذا البحث هو الوقوف بتامل مع البدايات المبكرة لتلك الحقبة، وذلك من خلال التعرض لشخصية فقيه لامع من فقهاء الطبقة المذكورة وروادها الاوائل الذين حاولوا عبر اسهاماتهم وكتاباتهم في الفقه ترشيد حركته وارساء منهجية تاسيسية لطريقة بحثه، وتحقيق نقلة نوعية في مساره.
واذا اردنا ان نخرج من التلميح الى التصريح قلنا مع من قال: ان الفقيه العماني الحسن بن ابي عقيل هو اول من ابدع اساس النظر، وهذب الفقه، وفتق البحث عن الاصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى.
وهذا ما سنعود اليه ان شاء اللّه تعالى عند تحديد ابعاد الدور العلمي الذي نهض به هذا الفقيه البارع بعد قراءة لفصول سيرته الشخصية، واقوال العلماء فيه.
اسمه وكنيته:
ابو محمد الحسن بن علي بن ابي عقيل العماني الحذاء. وياتي ايضا ابو علي الحسن بن عيسى بن ابي عقيل العماني، وهما عبارة عن شخص واحد، ورجح بعض محققي الفن الضبط الاول; لانه للنجاشي، وهو ابصر في علم الرجال من غيره; ولان النجاشي نقل عن جعفر بن قولويه‏رحمه‏اللّه معاصر العماني، انه قال: «كتب الي الحسن بن علي بن ابي عقيل‏».
وقد حاول البعض الجمع بين النقلين، فاحتمل ان عيسى جده باعتبار شيوع النسبة الى الجد، لكن قد يستبعد ذلك من وجهين:
الاول: ان المتبادر من سياق العبارة الثانية ونظائرها هو النسبة الى الاب دون الجد.
الثاني: قد تكرر الضبط الثاني من الشيخ الطوسي رحمه اللّه في موضعين من الفهرست، وفي موضع من رجاله، فلو كان يريد بعيسى النسبة الى الجد فلم لاينسبه ولو في موضع واحد الى ابيه؟! على ان ضبط الرجاليين مبني على الدقة والتحديد، وهو يقتضي ذكر اسم ابيه لا جده، ولا اقل من التنبيه على ان المذكور هو اسم جده لا ابيه.
واحتمل صاحب الرياض على بعد تصحيف علي بعيسى، الا انه ممنوع من اصله، لما ذكرنا في الوجه الثاني من المناقشة السابقة. وعليه فلا يبعد ان يكون ضبطه بعيسى من سهو القلم.
واما الكنية، فالانسب باسمه ان يكون ابا محمد لا ابا علي، كما ان احتمال تعدد الكنية فيه وارد ايضا.
لقبه:
المعروف في ضبط لقبه وشهرته انه العماني بضم العين وتخفيف الميم، نسبة الى عمان، البلد المعروف. الا ان صاحب الرياض ذكره بتشديد الميم (العماني) ونسبه الى المشهور، واستغربه السيد الامين; اذ لم يضبطه كذلك احد من العلماء.
واما اشتهاره بالحذاء، فلم يتضح الوجه فيه، فهل كان هذا لما اشتهرت به اسرته، ام كانت الحذاءة صنعته في اول امره، او نسبة الى محل سكناه كما اطلق ذلك على البعض لمناسبة كهذه؟
طبقته وعصره:
يعتبر الفقيه العماني من فقهاء الغيبة الصغرى، فقد عاصر شطراً منها، وعليه فهو من طبقة الفقهاء المحدثين الثلاثة:
الكليني المتوفى (329هـ) وابن بابويه القمي والد الصدوق المتوفى (329هـ) وابن قولويه المتوفى (368هـ)، وهذا ما ندركه بوضوح من اجازة كتبه ومصنفاته للاخير منهم، كما سياتي التعرض لذلك. ونحن وان كنا نفقد تصوراً واضحاً ومحدداً عن عصره ومدى ارتباطه بمن عاصره من الفقهاء المذكورين من جهة، وسفراء الامام (عجل اللّه فرجه الشريف) من جهة اخرى الا ان مكاتبته لابن قولويه واجازته الرواية والقراءة لمصنفاته تدل على ومض من الارتباط والصلة بينه وبين علماء الامصار وحواضر العلم الاخرى، بالرغم من بعد موطنه عمان عن مراكز التشيع وحوزاته العريقة.
ومن جهة اخرى فان الابهام ايضا يحيط بدوره في الاوضاع السياسية والاجتماعية لعصره وبيئته. وعلى كل حال فقد كان فقيهنا العماني رحمه اللّه معاصرا للفترة ما بين النصف الثاني من القرن الثالث والنصف الاول من القرن الرابع الهجري.
قال المحقق الطباطبائي: وشيخنا من اهل المئة الرابعة وعبر عنه وعن ابن الجنيد المعاصر له بالقديمين، وكانا من كبار الطبقة السابعة، وابن ابي عقيل اعلى منه طبقة، وهو من مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه المتوفى (368هـ).
وكان اول من اطلق عليه وعلى ابن الجنيد وصف «القديمين‏» الفقيه الاجل ابوالعباس بن فهد الحلي في مقدمة «المهذب البارع‏».
اسرته ومحتده:
قد لا تتوفر لدينا تفاصيل وافية عن اسرة العماني آباء واجدادا، كما لا نعرف شيئا عن عقبه وذريته، الا انه ورد في كتاب «الانساب‏» للسمعاني ان المشهور بابي عقيل جماعة منهم: ابوعقيل يحيى بن المتوكل الحذاء المدني، نشا بالمدينة ثم انتقل الى الكوفة، وروى عنه العراقيون، منكر الحديث، مات سنة سبع وستين بعد المئة.
وقد جزم المحقق الطهراني رحمه ‏اللّه بان المراد بابي عقيل هذا هو جد العماني، قال ما نصه: «واما جده ابو عقيل، واسمه يحيى بن المتوكل، فقد ترجم له الخزرجي فى خلاصة تهذيب الكمال، فقال: يحيى بن المتوكل مولى آل عمر ابو عقيل المدني صاحب بهية، وروى عنها ويروي عنه وكيع.
واستظهر هذا المفاد ايضاً السيد بحر العلوم مستدلاً بشهادة الطبقة وموافقة الكنية والصفة، مضيفا انه: لا ينافيه كونه مدنياً بالاصل لتصريحهم بانتقاله من المدينة الى الكوفة، واحتمال انتقاله او انتقال اولاده من الكوفة الى عمان.
وبناء على صحة هذا الاستظهار نعرف ان اسرة العماني مدنية الاصل قد انحدرت الى الكوفة ثم الى عمان، كما نعرف ايضا: انها كانت من حملة العلم والحديث.
واما قدح السمعاني في جده (ابو عقيل) فانه غير قادح; اذ كان ابو عقيل (يحيى ابن المتوكل) مشهورا بين الجمهور، وقد ذكره ابن حجر وغيره وضعفوه، والظاهر انه لتشيعه.
وقد نوقش هذا الاستظهار بوجوه عمدتها: انطباق الاسم المذكور على جماعة ذكرهم صاحب المناقشة غير يحيى بن المتوكل.
ويمكن الاجابة عن ذلك بعدم الانطباق الكامل لخصوصيات جد العماني ابو عقيل من حيث الطبقة والنسبة واللقب على من ذكر، على ان منهم من لم نجده بحسب تتبع المظان بالحاسوب في بعض المصادر التي اعتمدها في المناقشة، كرجال الكشي، فانه لم يرد فيه ذكر لابي عقيل يحيى بن القاسم الازدي، بل الوارد فيه ابو بصير الذي ادعي في المناقشة رواية الاول عنه.
وكذا ابو عقيل احمد بن عيسى الذي ذكره المستشكل نقلا عن (الاكمال لابن ماكولا) ولكن لم نعثر عليه في هذا الكتاب ولا في البخاري المدعى نقل الاكمال عنه، بل ان بعض المذكورين بهذه الكنية (ابو عقيل) يقطع بعدم انتساب العماني اليه; لاختلاف الطبقة كثيرا، كابي عقيل هاشم بن بلال الذي يروي عن ابي سلام خادم النبي صلى الله عليه واله وسلم!! او ابو عقيل المضري الذي يروي عن اسامة بن زيد او غيرهم ممن ذكر.
بيئته:
تحدثت بعض المصادر عن وجود شيعي في عمان الى جانب الخوارج والاباضية الذين كانوا يمثلون الاكثرية في هذه البلاد، ولا ريب ان العماني عاش في تلك البلاد ضمن الاقلية الشيعية، بيد انا لا نعرف شيئا عن امر ولادته ونشأته فيها، ولعل الذي يلوح من نسبته الى عمان وعدم نسبته الى بلاد اخرى يوحي بانها مولده ومحل نشاته وترعرعه. قال الحموي في وصف عمان بعد ان نعتها بانها واسعة ذات زرع و نخل ان: «اكثر اهلها في ايامنا خوارج اباضية ليس فيها من غير هذا المذهب الا طارئ غريب، وهم لا يخفون ذلك‏».
وحينئذ سوف نواجه جوانب غامضة في حياة العماني خصوصاً في نشاته وتحصيله، ومع بعد عمان عن مراكز العلم الشيعية والاسلامية، فهل رحل الى حواظر العلم الاخرى وحاز على شرف العلم فيها؟ واذا كان الامر كذلك فلم لم ينعكس هذا الامر في مصادر حياته؟ ولماذا لم يذكر مشايخه وتلامذته المستفيدين من علمه؟ ام انه حاز ذلك المقام العلمي الشامخ في موطنه عمان؟ ولكن كيف تم ذلك مع ان اكثر اهلها من الخوارج ولا يرى فيها الاطارئ غريب من غير هذا المذهب حسب الحموي فضلا عن وجود كيان علمي للشيعة فيها قادر على تخريج فقيه بارع ومتكلم ضليع كابن ابي عقيل.
واذا لم يكن لا هذا ولا ذاك فهل يعني هذا اعتداده بنفسه في طي مراحل العلم وتحصيله؟! وعلى كل حال فان‏تحديد مراحل التكوين العلمي لشخصية العماني من خلال الكشف عن معالم الحالة البيئية والاجتماعية التي عايشها في غربة عمان وعزلتها عن الكيان العلمي للشيعة امر يعتريه كثير من الغموض والابهام.
ولو تجاوزنا ذلك، فان ثمة حقيقة هامة ينبغي الالتفات اليها في هذا المضمار، وهي: ان عظمة العماني وموقعه العلمي المرموق لم يسمحا لبيئته عمان ان تقيده بطوق العزلة والانقطاع عما حوله من بلاد الاسلام الاخرى وعلمائها، وهذا ما نفهمه من اجازته التي كتبها لجعفر بن محمد بن قولويه، والتي نحدس صدورها على اثر طلب ابن قولويه منه كما اقتضته العادة الجارية في صدور الاجازات بين العلماء، سيما لو لاحظنا بعد الشقة بين عمان وبغداد بعد انتقال ابن بابويه اليها من قم، مما يدل على شهرة العماني وذيوع صيته في الوسط العلمي ببغداد، خصوصا عند مثل ابن قولويه استاذ المفيد الذي كان هو الآخر اي المفيد يثني عليه كثيراً.
كما ان بالامكان ان نلمس شهرة العماني بين الطائفة و بلاد المشرق الاسلامي; حيث ذكر النجاشي انه ما ورد الحاج من خراسان الا وطلب نسخاً من كتابه المتمسك بحبل آل الرسول.
مكانته العلمية :
تطابقت كلمات الفقهاء والرجاليين على توثيقه والاطراء على مكانته وفضله، واليك شطراً من اقوالهم وكلماتهم التي اعربت عن جلالة قدره وعظيم شانه:
قال النجاشي في حقه: «فقيه، متكلم، ثقة ... وسمعت شيخنا ابا عبداللّه (رحمه‏ اللّه) يكثر الثناء على هذا الرجل (رحمه ‏اللّه)».
وقال الشيخ الطوسي: «انه من جلة المتكلمين، امامي المذهب‏».
وذكره المحقق الحلي في من اختار النقل عنه من اصحاب كتب الفتاوى الذين بان اجتهادهم واشتهر فضلهم.
وقال ابن ادريس: «وجه من وجوه اصحابنا، ثقة، فقيه، متكلم، وكثيرا ما كان يثني عليه شيخنا المفيد».
وذكره في موضع آخر ايضاً، فقال: «كان من جلة اصحابنا المصنفين المتكلمين والفقهاء المحصلين‏».
واثنى عليه العلامة الحلي قائلا: «انه من جملة المتكلمين وفضلاء الامامية‏ رحمه ‏اللّه».
وفي رجال ابن داود انه: «من اعيان الفقهاء وجلة متكلمي الامامية‏».
واطراه الفاضل الافندي في رياضه بقوله: «الفقيه، الجليل، والمتكلم النبيل، شيخنا الاقدم المعروف بابن ابي عقيل والمنقول اقواله في كتب علمائنا هو من اجلة اصحابنا الامامية‏».
وقال السيد بحر العلوم: «حال هذا الشيخ الجليل في الثقة والعلم والفضل والكلام والفقه اظهر من ان يحتاج الى البيان، وللاصحاب مزيد اعتناء بنقل اقواله وضبط فتاواه، خصوصا الفاضلين ومن تاخر عنهما، وهو اول من هذب الفقه واستعمل النظر، وفتق البحث عن الاصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى، وبعده الشيخ الفاضل ابن الجنيد، وهما من كبار الطبقة السابعة، وابن ابي عقيل اعلى منه طبقة، فان ابن الجنيد من مشايخ المفيد، وهذا من مشايخ شيخه جعفر ابن محمد بن قولويه كما علم من كلام النجاشي (رحمه‏ اللّه)».
وقال في حقه المحقق الشيخ اسد اللّه التستري الكاظمي (رحمه ‏اللّه): «الفاضل، الكامل، العالم، العامل، العلم، المعظم، الفقيه، المتكلم، المتبحر، المقدم، الشيخ، النبيل، الجليل، ابي محمد او ابي علي الحسن بن ابي عقيل جعل اللّه له في الجنة خير مستقر واحسن مقيل‏».
وذكره الحجة السيد حسن الصدر، فقال: «شيخ الشيعة ووجهها وفقيهها، المتكلم، المناظر، البارع، احد اركان الدنيا، المؤسس في الفقه، والمحقق في العلوم الشرعية، والمدقق في العلوم العقلية، له كتب كثيرة في كل‏الفنون الاسلامية، اشتهر بالفقه والتفريع‏».
وقال الشيخ سليمان الماحوزي: «ثقة من اعاظم علمائنا».
وذكره المحد ث الجليل الشيخ عباس القمي بقوله: «عالم، فاضل، متكلم، فقيه، ثقة، جليل القدر».
وقال المحقق السيد الخوئي: «ان شهرة جلالة الرجل وعظمته العلمية والعملية بين الفقهاء الاعلام اغنتنا عن الاطالة والتعرض لكلماتهم‏».
وقال الشيخ الحر العاملي: «عالم، فاضل، متكلم، فقيه، عظيم الشان، ثقة‏».
وقال المحقق التستري: «يكفيه ثناء مثل المفيد عليه، مع غمزه في ابن الجنيد، بل وفي مثل الصدوق‏».
ومدحه نظما صاحب زبدة المقال فقال: سبط ابي عقيل العماني عنه المفيد افقه الاعيان
عطاؤه العلمي:
اتضح لنا من خلال الكلمات السابقة للفقهاء الاعلام المكانة المرموقة لابن ابي عقيل العماني، فقد اجمعت كلماتهم على وصفه بالفقاهة والتضلع في الكلام، وهذا يعكس بشكل واضح عمق العطاء العلمي لهذا الفقيه، و لا ريب ان عطاء بهذه المثابة من الاصالة لا بد وان يستوفي حظه الطبيعي من مصنفاته فيتجسد فيها وان يتجلى ويظهر في من نهل من علمه واخذ عنه.
وهذا الامر وان كان قد يبدو متناسباً مع مصنفات العماني وآثاره التي سنتعرض لها بعد قليل، الا انا لا نرى مثل هذا التناسب بين عطاءه العلمي وبين من اخذ عنه وتخرج عليه، فقد خلت مصادر ترجمته من تحديد تلامذته والرواة عنه، سوى ما ذكر من اجازته بالمكاتبة الفقيه الاجل ابن قولويه لسائر كتبه، التي ياتي على راسها كتابه العظيم (المتمسك بحبل آل الرسول).
واما ثناء الشيخ المفيد عليه كثيراً كما تقدم عن النجاشي فانه بعد فرض ادراكه له لا يدل على تتلمذه عليه; اذ قد يكون ثناؤه لاخبار استاذه ابن قولويه بحاله. ولعل السر في ندرة تلامذته هو ابتعاده عن مراكز العلم المهمة، كقم والري وبغداد وخراسان، مضافاً الى صعوبة الظروف البيئية للعماني بسبب تغلب الخوارج على بلاده، فكان من الطبيعي ان يوجه الفقيه العماني بعد ان عاقته الاسباب المشار اليها جهده العلمي نحو الكتابة وينصرف الى التصنيف.
وقد نصت مصادر ترجمته على وجود عدة آثار وكتب له في الفقه والكلام، وعمدة مصنفاته في هذين المجالين:
1- كتاب الكر والفر: وهو في الامامة، وصفه النجاشي بانه مليح الوضع، وطريقة البحث فيه تناول المسالة وقلبها وعكسها، وهذه الطريقة في البحث على ندرتها في كتب علمائنا تدل على تضلعه ومهارته في صناعة الكلام والجدل.
وقد بلغت اهمية هذا الكتاب حدا رشحه لان يكون في موقع التدريس والبحث لدى علماء الكلام، فهذا الشيخ المفيد على ما هو عليه من التفوق والحذاقة في صناعة الكلام كان يشتغل بتدريسه وايضاح مقاصده وكان النجاشي احد الذين قراوا عليه الكتاب.
واما عن حال الكتاب، فانه لم يتحدد مبدا فقده وضياعه; اذ لا يعرف عنه اكثر من وصوله الى الشيخ المفيد وتلميذه النجاشي كما تقدم.
2- كتاب المتمسك بحبل آل الرسول: وضعه في الفقه الاستدلالي والتفريعي بشكل موسع، وقد كان هذا الكتاب مشهورا بين الطائفة كما تصفه عبارة النجاشي، ووصف ايضاً بانه حسن كبير كما في عبارة الشيخ الطوسي، وبلغ في اشتهاره وذيوع صيته بعد فراغه من تاليفه بفترة وجيزة، وما ورد الحاج من خراسان الاوطلب واشترى منه نسخاً، وما هذا الا لمكانة الكتاب ومنزلة مؤلفه عند الطائفة.
واما في الفترة المتاخرة عن ذلك فقد كان الكتاب محط نظر الفقهاء واهتمامهم، فاعتنوا بنقل اقواله واستدلالاته وتفريعاته، وهذا ما نشاهده في فقه الحليين الثلاثة(قدس اللّه اسرارهم) (ابن ادريس والفاضلين) اكثر ممن سبقهم نظراً لكثرة التفريع والتشقيق لمسائل الفقه آنذاك، وانفتاح الفقه الامامي وقتئذ على فقه المذاهب الاخرى سيما في عصر الفاضلين، اي العلامة والمحقق، ففي هذه الفترة بالذات تبوء كتاب المتمسك مقاماً سامقاً، وشهرة عظيمة في كتب الفقهاء، فقد ذكر العلامة الحلي المتوفى (726هـ) في وصفه انه: «كتاب مشهور عندنا، ونحن نقلنا اقواله في كتبنا الفقهية‏».
وهو صريح في وصوله اليه واشتهاره في زمانه، كما ان المنقول عن ابن ادريس المتوفى (598هـ) وصول هذا السفر القيم اليه.
واما طبيعة موضوع الكتاب، فانه يتحدد بالفقه الاستدلالي وغيره ايضاً، كما نصت عليه عبارة الشيخ الطوسي; حيث ذكر انه في الفقه وغيره، ولا يستبعد ان يكون مؤلفه قد ذكر فيه بعض المباحث الاصولية او الكلامية على طريقة القدماء كما سياتي ذلك. وهكذا فقد بقي هذا الاثر الفقهي العظيم يتلألأ بآرائه الثاقبة في كتب فقهائنا المتاخرين ومتاخريهم، كصاحب الرياض والمسالك والذكرى والحدائق والجواهر وغيرها من مصنفات الاعلام، لما وجدوا فيه من نظرات حصيفة وتشقيقات لطيفة واستدلالات رصينة وصائبة.
وقد آل امر هذا الكتاب ككثير من تراثنا الى الضياع من بعد زمن العلامة المتوفى (726 هـ) او الشهيد الاول المتوفى (786 هـ) على ما يظهر منه في الذكرى وصول الكتاب اليه. وقد استقصيت جميع آرائه اخيراً بحمد اللّه بالجهاز الحاسوب (الكمبيوتر)، واستخرجت من معظم مصادر الفقه، وافرغت في مجموع يحمل عنوان (حياة ابن ابي عقيل وفقهه).
هذا ما وقفنا عليه من آثاره العلمية، بالرغم من ان المصادر قد نصت على وجود مصنفات اخرى له في الفقه والكلام لم ترد اسماؤها ولم يضبط عددها، فكان مصيرها ايضاً التلف والضياع مع ما تلف من تراث علمائنا الاقدمين، الا ان الذي يمكن الجزم به هو انتقال هذه الكتب ووصولها لعاصمة العلم آنذاك ببغداد، حيث اجاز مصنفها الفقيه الاجل ابن قولويه روايتها، وهذا يعني بالضرورة وجودها عند ابن قولويه.
دوره العلمي:
ربما يتعذر على الباحث ان يرسم الابعاد الكاملة للدور العلمي والفقهي منه بشكل خاص الذي اضطلع به الفقيه العماني نظراً لغياب مجمل آثاره ومصنفاته التي لو كان يقدر لها البقاء لامكن الكشف عن جوانب متعددة في حياته العلمية. وسنسلط الضوء على البعد المذكور من خلال المعلومات المتوفرة في هذا المجال اداء لبعض حقوق هذا الفقيه العظيم، فنقول:
ان الملاحظ للاوضاع العلمية في القرن الرابع والخامس يجد تمازجا وتداخلا بين جملة من العلوم التي ربما يصعب وضع الفواصل بينها، واهم تلك العلوم هي العلوم الشرعية (الفقه والحديث) والعقائدية (الكلام)، وهذه العلوم كانت تمثل ثقافة العصر ومعيار العلم فيه، وقد اختص علم الحديث منها بشان خاص ورسالة مهمة، حيث هيمنت مدرسة الحديث والمحدثين في المئة الرابعة على الفضاء العلمي بمختلف مرافقه الفقهية والكلامية والتفسيرية، فكان منهجها الرائد المساحة العلمية والموجه لها، والذي يحول دون بروز منهج منافس له يحجمه ويعيق حركته.
وكان من اقطاب هذه المدرسة ثقة الاسلام الكليني والشيخ الاجل ابن بابويه القمي وولده رئيس المحدثين الصدوق وابن قولويه (قدست اسرارهم).
ومن هنا فقد صبغت هذه المنهجية مجمل العطاء العلمي لتلك الفترة، ولم تخرج مصنفات اصحابنا عن اطار المنهج الروائي، فدونك ما دون آنذاك في الفقه والكلام والتفسير، بل وحتى الرجال (كما هو واضح لمن لاحظ رجال الكشي) . وفي زحام هذه الحقبة وتراكماتها يطل الفقيه العماني على الساحة العلمية بكامل ثقله ليبذر البذور الاولى لمرحلة جديدة في نمط التفكير الفقهي والكلامي.
ومن ابرز معالم هذه المرحلة اعتماد العقل ونتاجاته اداة اخرى في البحث العلمي يضاف الى كفة النقل وادواته (الكتاب والسنة).
وهذا ما يفتح امام الفقيه بل والمتكلم ايضاً آفاقا عريضة وواسعة في فهم الادلة والافادة منها، ويحدد نمطاً جديداً في طريقة التعامل معها والرجوع اليها، الامر الذي يعزز قدرة الفقيه في ممارسته الاجتهادية، ويكرس لديه قابلية الاستنباط والتفريع والتشقيق واكتشاف المقاصد العامة للشريعة، والاقتراب شيئا ما من درك الملاكات والمباني الواقعية للحكم الشرعي، و من ثم تضاعف قدراته على اكتشاف النظائر والاشباه، وضم القرائن بعضها الى بعض، والاقتراب من مذاق الشريعة، فكان نتيجة ذلك كله ومآله هو اغناء المحتوى الفقهي ورفده بصورة عامة، و هذه هي الركيزة الاساس والمحور الشاخص في دور الفقيه العماني وابداعه، فقد اراد للفقه والكلام (باعتبارهما اسس العلوم وقواعده في ذلك العصر) ان يجريا على مثل هذه الطريقة فيكتشفا نتائجا وآفاقا لم ترق اليها جهود المحدثين وجوامعهم الروائية، وهذا ما قام بتجسيده في كلا البعدين الفقهي والكلامي.
اما البعد الكلامي فان طريقة المتقدمين على العماني او معاصريه قد اعتمدت بشكل غالب على المنهج الروائي الماثور في عرضها للآراء والمعتقدات، ولم تتخطاه الا في مجالات محدودة وبسيطة، وقد تجسدت هذه الطريقة في التراث الكلامي لمتكلمي تلك الطبقة، كالكليني (في اصول الكافي) وابن بابويه (في الامامة والتبصرة من الحيرة) والشيخ الصدوق (في التوحيد واكمال الدين). لكن العماني ارسى منهجا كلاميا يتخذ العقل والنظر اساساً له، ولنقرا عبارة النجاشي، وهي تصف لنا كتابه وتصور لنا منهجه، قال: «وقرات كتابه المسمى كتاب (الكر والفر) على شيخنا ابي عبد اللّه رحمه ‏اللّه: المفيد وهو كتاب في الامامة مليح الوضع، مسالة، وقلبها، وعكسها».
وهذا الوصف مما انفرد به كتاب العماني على نطاق طبقته ومن تاخر عنه من كتب الكلام، و لم نجد عبارة لمؤرخ رجالي يصف كتابا بمثل هذا الوصف.
ولنا ان نستوحي هذا الوصف من ‏عنوان الكتاب ايضاً فقد عنونه به مؤلفه ليكون معبراً عن منهجه العقلي الجديد، فكان دقيقاً ومصيباً في اختياره، فالجميع يدرك المعنى الذي تتضمنه طريقة الكر والفر في البحث; اذ تفترض الاحاطة الكاملة بجميع فروض المسالة وكيفية اثباتها ومن ثم ما يرد على كل واحد منها ودفعه او التسليم به، وعلى ضوء ذلك ندرك عظمة الكتاب وقيمته العلمية، حتى تميز بموقع مرموق من بين مصنفات الطائفة في الكلام، فلا غرو ان كان الشيخ المفيد يثني على مصنفه ويبدي اعجابه بطريقته، حتى بلغ اهتمامه به الى تدريسه بحوزة بغداد.
هذا فيما يتعلق ببعض الابعاد الكلامية عند الفقيه العماني والتي نؤمن بعدم الايفاء باستجلائها بشكل كامل; اذ ثمة مؤلفات اخرى له في الكلام لا نعرف عنها شيئا. فلا يسعنا سوى الاذعان بالقصور في مقام التكشيف عن الحجم الحقيقي لابن ابي عقيل متكلماً.
واما في البعد الفقهي، فقد حاول العماني تثبيت منهجية تاسيسية، وذلك عندما اعتبر العقل مصدرا ثالثا من مصادر الاجتهاد بعد ان كانت مدرسة الفقه الماثور (المحدثين) تعتمد مصدرين فحسب (الكتاب والسنة); ولذا فانها لا تتخطى النص في ممارساتها الاجتهادية، وهذا امر واضح لمن قارن بين فقه هاتين المرحلتين. وبهذا يكون العماني قد فتح امام الفقه والفقهاء افقاً رحيباً وخصباً لم يعهد من قبل من غالب الاستنباطات الفقهية، ويعتبر هذا التجديد في فقه تلك المرحلة من اهم المنعطفات التي تعرض لها فقه الامامية، وبقى محافظاً ومتمسكاً بها الى عصرنا الحاضر.
وفي هذا الصدد يقول فقيه الطائفة السيد بحر العلوم، واصفاً دور الفقيه العماني: «هو اول من هذب الفقه، واستعمل النظر، وفتق البحث عن الاصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى، وبعده الشيخ الفاضل ابن الجنيد، وهما من كبار الطبقة السابقة‏».
وايضا ذكر العلامة الحجة السيد حسن الصدر مشيدا بمنهج العماني وطريقته قائلا في نعته: «احد اركان الدين، المؤسس في الفقه، والمحقق في العلوم الشرعية، والمدقق في العلوم العقلية، له كتب في كل الفنون الاسلامية، اشتهر بالفقه والتفريع‏».