المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الموت والحياة في منظور القران وائمة اهل البيت



شجون الزهراء
02-07-2019, 04:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد واله الطاهرين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قال تعالى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ... ﴾ 2 .
فالآية الكريمة قد ذكرت الموت ، قبل أن تذكر الحياة . ثم صرحت بأن الموت مخلوق له تعالى ، تماماً كما هي الحياة .
ثم ذكرت : أن السر في خلق الموت والحياة هو وضع الإنسان على المحك ، بهدف دفعه لمواصلة تحركه نحو الأفضل والأحسن في مسيرته التكاملية ، في نطاق جوٍ مثير يهيمن عليه تنافس إيجابي ، باتجاه تكوين وصنع الحياة ، والتأثير فيها وإثارتها لتتجسد عملاً ذا ميزات جمالية تنمو وتتكامل في جماليتها من حسن إلى أحسن بصورة مطردة .
فالموت والحياة معاً لهما دورهما الإيجابي في بناء الحياة ، وفي تكامل الإنسان في إنسانيته ، من حيث إنهما ينتجان عملاً حسناً ، بل ومتميزاً في حسنه وجماليته ، يكون هو الرصيد الذي يؤهل الإنسان للمشاركة في الحياة الحقيقية التي لا تصلح إلا للإنسان الذي استوفى باختياره ، وبجهده وعمله الدؤوب خصائصه ، وميزاته الإنسانية ، ﴿ ... لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ... ﴾ 3 .
وفي حياته الحقيقية تلك ـ أعني في الآخرة ـ يصبح أكثر وأعمق إحساساً بالأمور ، حيث تتساقط الحجب التي تؤثر على مستوى إحساسه وإدراكه ، ولأجل ذلك كانت هذه الحياة « حياة دنيا » ، لتدني مستوى الشعور ، والإدراك والإحساس فيها ، لأنه محجوب بالوسائط ، ومستند في الأكثر 4 إلى التخيل استناداً إلى صور ذهنية عن الحقائق الراهنة ، ساهمت الحواس بإيصالها إليه . بالإضافة إلى حاجز الشهوات والهوى ، وإلى الآثام والمعاصي التي تزيد من طغيان الجسد ، وتضعف القدرات الروحية لديه ، فيتضاءل إحساسه بالحقائق ، ويتقاصر فهمه عنها .
أما الآخرة فقد قال الله عنها : ﴿ ... وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ 5 .
وقال تعالى : ﴿ ... فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ 6 .
وخلاصة الأمر : أن الإنسان يجتاز مرحلة الموت ، ليصل إلى عالم البرزخ ومعه رصيده العتيد ، من عمل حسن وأحسن ، ويتخلص من كل ما يحجزه عن مواصلة مسيرته التكاملية نحو الله سبحانه ليفوز بقربه كما قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ 7 ، فيصل إلى البرزخ الذي هو بمثابة بوتقة يتم فيها تأهيل من يحتاج إلى التأهيل لاستقبال الحياة الحقيقية ، التي هي حياة الآخرة ، بكل حيوية ونقاء وصفاء ، ويكون هو بداية الفوز والنجاح ، وهو باب الخير والفلج والفلاح ، وأول طريق الأمن والسلامة والنجاة من المخاطر ، التي تنشأ من طغيان الشهوات ، ودواعي الغرائز والأهواء .
فبالموت يملك الإنسان المؤمن نفسه ، ويتحرر من شهواته ، ويستفيد من كل جهات وجوده ، ومن طاقاته بصورة كاملة ، وبه يخرج من سجن قاس ومرهق أيضاً . . وما أحلى أن يحصل الإنسان على حريته وأن يكون هو سيد نفسه ، ويواصل انطلاقته نحو الله في رحاب ملكوته . ليحيا هناك الحياة التامة بكل وجوده وطاقاته وأحاسيسه ، قال تعالى : ﴿ ... وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ 5 .
ولا غرو أن يكون هذا الموت حبيباً ولذيذاً ، كما قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه » 8 .
وقد وصف الإمام الحسين ( عليه السلام ) أصحابه فقال : « يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل إلى محالب أمه » 9 .
وسأل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، القاسم بن الحسن ( عليهما السلام ) : يا بني كيف الموت عندك؟!
قال : يا عم أحلى من العسل 10 .
وحين قال ابن زياد لعنه الله للعقيلة زينب سلام الله عليها : كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك ؟ قالت : ما رأيت إلا جميلاً 11 .
وحين ضرب ابن ملجم لعنه الله ، أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، قال صلوات الله وسلامه عليه : فزت ورب الكعبة 12 .
إلى غير ذلك من نصوص كثيرة تدخل في هذا المجال .
هذا بالإضافة إلى ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴾ 13 .و بكلمة
إن الموت هو سر الحياة ، وهو يعطيها معناها ومغزاها ، وقيمتها . وهو غاية زينتها وبهجتها ، وهو سر الطموح ، وسر الحركة الدائبة باتجاه الأفضل فيها ، وسر سعي الإنسان إلى كماله ، وكدحه إلى ربّه ، وسرّ ملاحقته لأسرار الكون وخفاياه ، ليستفيد منها في ترسيخ حالة الأمن والسلامة القصوى في حاضره وفي مستقبله على حدٍّ سواء .
هذا . . بالنسبة للمؤمن . .
أما غير المؤمن فيرى في الموت خسراناً لنفسه ، وبواراً لأهدافه وطموحاته ، ولن يكون قادراً في الآخرة على نيل درجات القرب ، ولا على الانطلاق في رحاب ملكوت الله سبحانه ، أو الإحساس بجلاله وجماله ، إحساساً حقيقياً وعميقاً ، لا يقتصر على مجرد المعرفة الذهنية ، بل هو سيكون منشغلاً بنفسه ، وبآلامه في ظلمات الجحيم ، حيث ﴿ ... وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ... ﴾ 14 ; وهو في الآخرة . كما في الدنيا أعمى ، بل هو أضلُّ وأشقى قال تعالى : ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ 15

المصادر

2. القران الكريم : سورة الملك ( 67 ) ، الآية : 2 ، الصفحة : 562 .

3. القران الكريم : سورة هود ( 11 ) ، الآية : 7 ، الصفحة : 222 .

4. إذ إن بعض المدركات تكون عبر الإحساس الحقيقي بها ، من قبيل الإحساس بالجوع والعطش ، وكذا بعض الحقائق النفسية أيضاً .

5. القران الكريم : سورة العنكبوت ( 29 ) ، الآية : 64 ، الصفحة : 404 .

6. القران الكريم : سورة ق ( 50 ) ، الآية : 22 ، الصفحة : 519 .

7. القران الكريم : سورة الانشقاق ( 84 ) ، الآية : 6 ، الصفحة : 589 .

8. نهج البلاغة [ بشرح عبده ] : 1 / 41 ط دار المعرفة ـ بيروت ـ لبنان .

9. مقتل الحسين للمقرم : 262 .

10. اللهوف : 82 و83 و نفس المهموم : 208 .

11. اللهوف : 67 ونفس المهموم : 371 .

12. ترجمة الإمام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق : 3 / 303 و ينابيع المودة : 65 و مقتل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، لابن أبي الدنيا [ مطبوع في مجلة تراثنا ] سنة 3 عدد 3 ص 96 .

13. القران الكريم : سورة الفجر ( 89 ) ، الآية : 27 و 28 ، الصفحة : 594 .

14. القران الكريم : سورة إبراهيم ( 14 ) ، الآية : 17 ، الصفحة : 257 .

15. القران الكريم : سورة الإسراء ( 17 ) ، الآية : 72 ، الصفحة : 289 .

الرضا
03-07-2019, 10:58 AM
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن من ظلمهم من الأولين والأخرين

الأخت الكريمة
شجون الزهراء
بارك الله تعالى فيكم ورحم
والديكم
طرح رائع وموفق
جعله الله تعالى في مييزان
حسناتكم