المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لولا فاطمة لما خلقتكما



عطر الولايه
26-03-2011, 08:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد ورد في الحديث الشريف المعروف بحديث المعراج: «يا أحمد، لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما»(1).
فالحديث عن المعاني السامية والمضامين العميقة في هذا الخبر الشريف إنّما يحتاج إلى مقدّمات حتّى يتبيّن من خلالها معنى هذا الكلام الأقدس، ويتبيّن أيضاً مدى تطابقه مع الدليل العقلي فضلا عن الدليل النقلي.
ومثل هذا الحديث قد يثير التساؤلات الكثيرة في نفوس الذين لا يستطيعون هضم هذه المعاني.
فلذلك نصح بعض الأعلام أن لا تطرح مثل هذه العناوين، ولكنّي ذكرت له من الحجج التي تدفعني إلى التعريف بمقامات أهل البيت (عليهم السلام) ولا بدّ من معرفتهم بمعرفة جمالية، وفي هذا يتمّ لنا بيان ما لدينا من عقائد حقّة مبنيّة على الأدلّة العقلية والنقلية، ولا يهمّنا الردود السلبية التي تصدر من البعض فإنّها لا تشكّل
مانعاً شرعيّاً(2)، فهي غاية ما تكون اتّهامات لا معنى لها ولا تستحقّ الردّ.
وعلى كلّ حال لا اُريد أن أشغلكم بهذا، فإنّه من المسلّم أنّ من يزداد معرفةً يزداد كمالا وخضوعاً وأدباً، فلو دخل علينا رجل كبير السنّ فإنّه نحترمه ونوقّره من باب (وقّروا كباركم)، وإذا عرفنا أنّ هذا الرجل الكهل هو أحد مراجع التقليد فإنّه بلا شكّ يزداد احترامنا وتوقيرنا له ومحبّتنا فيه وإطاعتنا إيّاه، ومن هذا المنطلق من عرف النبيّ والأئمة الأطهار (عليهم السلام) بمعرفة جمالية، فإنّه يزداد مودّةً وتعظيماً وإطاعة، فيفوز بسعادة الدارين.
فاليوم نتكلّم عن سيّدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهذا من وحي المناسبة(3) ولأنّ محبّيها يعيشون أحزان ذكرى شهادتها فنقول:
ثبت في محلّه أنّ الله سبحانه حكيم وعليم وقادر وجواد وحيّ، وله الأسماء الحسنى والصفات العليا، وإنّه الكمال المطلق، فلكلّ هذا خلق خلقاً، وخلق أرضاً وسماءً وما فيهما وما بينهما عن حكمة وعلم، فلم يكن خلقه لهذا الكون الكبير عبثاً.
فإذن لا بدّ أن نعرف سرّ هذه الخلقة، ونوجز هذا القول بكلمات قصيرة فنقول:
إنّه تعالى خلق الكون لنا وخلقنا لأجله، فنراه سبحانه قد سخّر لنا ما في السماوات وما في الأرض لكي نصل إلى كمالنا الذي هو عبادة الله تعالى فلذلك قال في آية من آيات الكتاب العزيز:
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ}(4).
ثمّ بيّن سرّ خلقة الإنسان بقوله عزّ من قائل:
{وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِـيَعْبُدُونِ}(5).
أي ليعرفون.
فإذن لا بدّ لنا من عبادة المنعم لنتكامل بهذه العبادة، إلاّ أنّ هذه العبادة على أقسام فمنها عبادة الأحرار ومنها عبادة التجّار ومنها عبادة العبيد(6)، ولكن كلّها تؤدّي إلى كمال الإنسان، فالإنسان يتكامل وكلّ شيء في عالم الوجود ما سوى الله تعالى في سير تكاملي، فالنواة تتكامل حتّى تصير شجرة مثمرة والنطفة تتكامل، فكلّ ما في الطبيعة يتكامل، إلاّ أنّ كماله محدود ببداية ونهاية، إلاّ الإنسان فإنّ له بداية ولا نهاية لكماله، لأنّ منتهاه هو الله ومقام الفناء فيه سبحانه
وهو لا نهاية له:
{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً}(7).
{وَأنَّ إلَى رَبِّكَ المُـنْـتَهَى}(8).
فالإنسان باعتبار جسده وأنّه من الطبيعة ومن التراب فهو محدود، ولكن باعتبار روحه وأنّه من السماء:
{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}(9).
فهو بلا نهاية.
فالروح تتكامل، وهي من الله تعالى وإليه ترجع.
{إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ}(10).
سؤال:
ما هو كمال الإنسان وبأيّ شيء يتكامل؟
يأتي الجواب من الإمامين الصادقين (عليهما السلام): «الكمال كلّ الكمال التفقّه في الدين، والصبر على النائبة، والتقدير في المعيشة»(11)، ولازم هذا الكمال الحركة أي أنّ كلّ شيء يتحرّك في ذاته كما يتحرّك في الخارج بحركة وضعيّة أو انتقالية فهذه الحركة الذاتية تسمّى بالحركة الجوهرية كما حقّق ذلك الفيلسوف الإسلامي صدر المتألّهين.
فإذن كلّ شيء يسبّح بحمده وهذه هي الحركة التكاملية للأشياء، فلازم التكامل الحركة، وثمرة الحركة هو التكامل، وعندما يقول الإمام (عليه السلام): «الكمال كلّ الكمال التفقّه في الدين، والصبر على النائبة، والتقدير في المعيشة»، فهو يشير إلى ثلاث حركات: علمية وأخلاقية واقتصادية، أي حركات دينية ودنيوية لأنّ هناك ترابطاً بين الدنيا والآخرة، ففي هذا الحديث يتّضح لنا أنّ الدنيا هي متجر أولياء الله تعالى ومزرعة الآخرة، بل هناك من يجعل الدنيا هي الجنّة لأنّ نفسه تيقّنت بالفوز فهو قد وصل إلى علم اليقين وحقّ اليقين وعين اليقين(12)، ومعنى هذا أنّ الكمال والسعادة لا ينحصران في الآخرة فقط ولا بالدنيا فقط بل بهما معاً، فإن قال قائل: إنّ أحاديثاً كثيرة وردت في مذمّة الدنيا، نقول: وهناك أحاديث اُخرى وردت في مدح الدنيا، كما ورد ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما سمع رجلا يذمّ الدنيا، أجابه: «ويلك، لمَ تذمّ الدنيا، إنّ الدنيا متجر أولياء الله»(13)، أي يمكن
الوصول إلى الله تعالى من خلال الدنيا، فالغني بغناه وجوده، والفقير بصبره وعفّته، وإذا أردنا الجمع بين روايات الذمّ وروايات المدح نقول: إذا أراد الإنسان الدنيا على نحو الاستقلال فهذه دنيا مذمومة، وهي التي أبغضها الله تعالى على لسان نبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله) في قوله: «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة»(14)، وجُعل بغض الدنيا من علامات محبّي أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ما صرّح به النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) في قوله: «ألا ومن أحبّ أهل بيتي فله الجنّة، ألا إنّ لمحبّيهم عشرين خصلة، عشرة منها في الدنيا وعشرة في الآخرة... إلى أن يقول: وتاسعها بغض الدنيا، وعاشرها السخاء...»(15)، وأمّا إذا أراد الدنيا طريقاً إلى الجنّة ومزرعةً للآخرة فلا بأس بذلك، فالدنيا والآخرة ضرّتان في حالة الاستقلالية(16)، وأمّا إذا كانتا على نحو
المقدّمية والتبعية فلا خوف منها ولا ضرر فيها.
فهناك أيّها الإخوة من يعيش الآخرة وهو في هذه الدنيا وهذا ما حصل لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فلذلك يقول: «جلوسي في المسجد أحبّ إليّ من جلوسي في الجنّة»، ولمّا سئل: لماذا؟ قال: لأنّ الجلوس في المسجد رضا ربّي، والجلوس في الجنّة رضا نفسي، ورضا ربّي أولى من رضا نفسي، فعلى هذا يكون المسجد جنّة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ودخوله فيه يعني دخوله في جنّته. وهناك روضات من الجنّة في الدنيا والداخل إليها داخل إلى الجنّة، كما جاء في الخبر: إنّ قبر الإمام الرضا (عليه السلام) روضة من رياض الجنّة، وكذلك ما بين منبر النبيّ (صلى الله عليه وآله)وداره، فهذه روضات حقيقية لا مجازية، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)(17).
سؤال في محلّه:
ذكر الحديث عن الإمامين (عليهما السلام) يوحي بوجود ترابط بين التفقّه بالدين والصبر على النائبة والتقدير في المعيشة، فما وجه هذا الترابط؟
الجواب:
الكمال يبدأ بالحركة الاقتصادية، لأنّها العون في تحقّق الحركة العلمية
والأخلاقية، أي أنّ من لا معاش له لا معاد له، وهكذا الاُمّة إذا فقدت الحالة الاقتصادية فإنّها ستفشل في حركتها العلمية والأخلاقية، فإذن لا بدّ من هذه الحركات الثلاثة لتحقّق تمام الكمال.
والتفقّه في الدين يعني العلم الإلهي الذي فيه نفع الدنيا والآخرة، ولكن لهذا الفقه ولهذه الحركة العلمية مقدّمات دينية ودنيوية، فإذا أردت التكامل لا بدّ من زيادة علمك حتّى تنال السعادة التي ستُغبط عليها من قبل الآخرين، كما ورد في الحديث الشريف: «فمن كان يومه خيرٌ من أمسه فهو مغبوط، ومن كان أمسه خيرٌ من يومه فهو ملعون»، أي مطرود من رحمة الله تعالى.
فعليك بملازمة العلماء والحضور في مجالسهم، وإلاّ سينالك الخذلان كما ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعاء أبي حمزة الثمالي: «أو لعلّك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني»(18)، وهذا الخذلان يصيب الفرد البعيد عن مجالس العلماء، وكذلك يصيب المجتمع الذي استهان بالعلم والعلماء فيصاب عندها بالتخلّف والأمراض الاجتماعية.

حسون العراقي
26-03-2011, 09:05 PM
اللهم صلي على محمد وال محمد
السلام على فاطمة الزهراء
السلام على رسول الله
السلام على سيد البلغاء
وفقك الله
جزيت خيرا
بارك الله بك
تحياتي

عطر الولايه
29-03-2011, 05:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


ولو أردنا تسليط الضوء على الحركة الثانية التي هي الحركة الأخلاقية فلا بدّ من القول بأنّ الصبر أساس الأخلاق وبه يتمّ طيّ المراحل الأخلاقية الثلاثة التي هي التخلية والتحلية والتجلية ـ كما عند علماء الأخلاق والسير والسلوك ـ، ليصل المرء إلى تهذيب النفس وكمالها، فلا بدّ من تخلية الروح والقلب من
الصفات الذميمة كالرياء مثلا وتحليتهما بالصفات الحميدة كالإخلاص في مقابل الرياء، ثمّ تجلية هذه الصفة حتّى يصل الإنسان إلى درجة المخلَصين ليكون بعيداً عن وسوسة وتزيين الشيطان الذي تعهّد بإغواء جميع البشر، إلاّ العباد المخلَصين حسب تعبير الآية القرآنية الكريمة:
{وَلاَُغْوِيَنَّهُمْ أجْمَعِينَ * إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ}(1).
فإذن أبدى الشيطان استعداده لإغواء الجميع حتّى طبقة المخلِصين، ولكنّه عبّر عن عجزه من أن ينال الطبقة الرفيعة التي هي طبقة المخلَصين(2).
فلا بدّ من الوصول إلى تلك الرتبة الأخلاقية العالية وذلك بطوي مراحل الإخلاص التي لا تتمّ إلاّ باجتياز المراحل الأخلاقية الثلاثة التي أساسها الصبر، الذي يتجلّى في النوائب والمصائب، وإنّه من أكمل مصاديق الصبر.
ثمّ لو أردنا التحرّك في الحركة الثالثة التي هي الحركة الاقتصادية والتي عبّر عنها في الحديث الشريف «والتقدير في المعيشة» لا بدّ لنا من اتخاذ الحدّ الوسط في طريقة العيش لكي نبتعد عن الإفراط والتفريط، وهذا معنى الاقتصاد فإنّه لغة من القصد بمعنى الحدّ الوسط.
فهذه هي الحركات الثلاثة التي يحتاجها الإنسان للوصول إلى كماله الذي هو هدف وجوده وسرّ خلقته.
وأرجأنا الكلام عن الحركة العلمية التي هي الحركة الاُولى في سلّم الكمال لكي يكون البحث عنها بشيء من التفصيل، فنقول:
إنّ كمال الإنسان في الرتبة الاُولى هو تحصيل العلم، ومحور هذا العلم هو التفقّه في الدين الذي يبتني على اُصول خمسة كما هو معتقد الشيعة وفروع عشرة(3)، ومن هذه الاُصول الخمسة التي يجب الاهتمام بمعرفتها أصل الإمامة، وممّا يبحث في هذا الأصل هو الاعتقاد بأنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) سرّ الوجود.
والذي نبغيه من هذا البحث الولائي هو إثبات العقيدة الصحيحة بالبرهان العقلي والدليل النقلي ثمّ العمل على ضوء هذه العقيدة الصحيحة لأنّ الحياة عقيدة وجهاد، ولا يصحّ الجهاد من أجل عقيدة فاسدة، فلا بدّ من إثبات صحّة هذه العقيدة وتثبيتها، فما ذكرناه كان من المقدّمة للحديث عن فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين (عليها السلام).
فالحديث عن الخبر الشريف: «لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما»، يحتاج إلى مقدّمة، فنقول:
إنّ الوجود أمر بديهي لا يحتاج إلى تعريف، وما ذكر له من تعاريف بأنّه
الثابت العين أو الذي يمكن أن يخبر عنه أو ما ينقسم إلى علّة ومعلول أو قديم وحادث وغير ذلك فهو من باب شرح الاسم(4)، فهو بديهي ولشدّة بداهته تجده في غاية الخفاء كما في منظومة السبزواري(5).
فعندنا الموجود هو ذات، أو قل: ماهيّة ثبت لها الوجود، كالإنسان فإنّه ذات ثبت لها الوجود فيسمّى موجوداً.
فإذن هناك فرق بين الوجود وبين الموجود، ثمّ إنّ الله تعالى علّة العلل والعلّة الاُولى للكون، فهو الأوّل وهو الآخر، وهو الظاهر وهو الباطن، أزلي سرمدي. وساُوضح هذا لأنّ فيه شيئاً من الصعوبة لوجود هذه المصطلحات الغريبة على البعض، ولكن لا بدّ من الثقافة لأنّ المجتمع الشيعي هو الأجدر بمثل هذه الثقافة، فأقول: إنّ العلل على أربعة أقسام(6)، وقبل معرفة هذه الأقسام لا بدّ من معرفة العلّة، فالعلّة هي الشيء الذي يؤثّر في شيء آخر وهذا الشيء الآخر المتأثّر يسمّى المعلول، مثلا (النار والحرارة)، ولا ينفكّ المعلول عن علّته إلاّ
بمعجزة فيما إذا كانت العلّة ناقصة(7) وليست تامّة كما ينفك في النار التي أشعلها النمرود لنبيّ الله إبراهيم (عليه السلام)، فإنّها صارت عليه برداً وسلاماً بالمعجزة، والآن نقول: إنّ العلل أربعة: علّة فاعليّة، وعلّة مادّية، وعلّة صورية، وعلّة غائية(8)، واُقرّب لكم هذا بالمثال: (إنّ هذا الكرسي الذي نجلس عليه يحتاج إلى أربع علل: الاُولى تسمّى العلّة الفاعلية أي التي فعلت الكرسي وصنعته وذلك هو النجّار، والعلّة الثانية هي العلّة المادّية أي المادّة التي صنع منها الكرسي، والعلّة الثالثة هي العلّة الصورية أي الصورة التي يكون عليها الكرسي لكي يمتاز عن غيره، والعلّة الرابعة هي الغائية أي التي من أجلها صار الكرسي). وهكذا الكون الرحب الوسيع الذي يقع الإنسان ضمن مجموعته، فإنّ العلّة الفاعلية له هو الله تعالى، وإنّه تعالى الخالق لهذا الخلق، وإنّ أوّل ما خلق نور النبيّ (صلى الله عليه وآله) ثمّ اشتقّ منه نور عليّ (عليه السلام) واشتقّ منهما نور فاطمة ثمّ الأئمة (عليهم السلام) فشيعتهم من الأنبياء والأوصياء والأولياء والمؤمنين، وهذا الحديث ثابت عندنا كما في كتاب (بحار الأنوار)، وهو مذكور في كتابنا (هذه هي الولاية)(9).
والعلّة هي عبارة عن وجود المقتضي وعدم المانع واُضيف إليهما تحقّق الشرائط ووجود المعدّ.
فالصادر الأوّل لله تعالى هو نور النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وببركته خلق هذا الكون، وهذا المعنى موجود في الفلسفة المشائية والإشراقية معاً، فإنّ المشّائين يقولون بالعقول العشرة أي أنّ العقل الأوّل باعتبار وجوده وماهيّته خلق العقل الثاني والفلك الأوّل، وهكذا حتّى يصلوا إلى العقل العاشر، وهو العقل الفعّال المدبّر لهذا الكون الطبيعي، كما أنّ الإشراقيين يقولون إنّ الله تعالى صدر منه العقل الأوّل ثمّ أرباب العقول لهذا الكون(10)، إذن هم يعتقدون بالعلّة والمعلول، ولا بدّ منهما في هذا الخلق لقاعدة الأشرف(11)، فإنّ الله تعالى خلق الكائنات ببركة النبيّ وأهل بيته (عليهم السلام) لأنّهم نور واحد كما ورد في الحديث: «أوّلنا محمّد وأوسطنا محمّد وآخرنا محمّد بل كلّنا محمّد»(12)، فهم نور واحد في الحقيقة المحمّدية والولاية الإلهية العظمى، وأمّا اختلافهم فهو في الشؤون، فكلّهم جواد، وكلّهم
كاظم للغيظ، وهكذا باقي الصفات إلاّ أنّ الصفة تبرز في زمن أحدهم فيمتاز بها كما برز الجود في زمن الإمام الجواد (عليه السلام)، فعرف به، وكذلك كظم الغيض في زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) فعرف به، وإلاّ لا فرق بينهم في مقام دون آخر، فإذن هم صنايع لله تعالى، والناس صنايع لهم، كما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الحجّة عجّل الله فرجه الشريف: «نحن صنايع الله والخلق صنايعنا»، ومعنى الصنعة هنا إمّا يراد منها الأدب، فأدّبهم ربّهم، وهم بدورهم أدّبوا الناس بآداب الله تعالى، أو يراد منها الصانعية وهذا يتمّ بحسب سلسلة العلل والمعاليل، فالعلّة الفاعلية الاُولى لله تعالى، ثمّ الصادر الأوّل، ثمّ سلسلة العلل والمعاليل، وأمّا العلّة الصورية فقد ورد في الحديث الشريف: «إنّ من دخل الجنّة سيكون على صورة النبيّ محمّد»، وأمّا النساء فعلى صورة الزهراء، والزهراء تشبه أباها، وأمّا العلّة المادّية في عالم الأنوار، فالمؤمنين خلقوا من أنوارهم، وفي عالم الطينة من فاضل طينتهم(1)، وأمّا العلّة الغائية فنقول ما هي الغاية من خلق هذا الكون؟ الغاية هي أن يكون الإنسان الجامع لجميع صفات الله الجمالية والكمالية الذي هو النبي الأكرم أشرف خلق الله تعالى، فلذلك قال له الله تعالى في المعراج: «يا أحمد، لولاك لما خلقت الأفلاك»، فأنت يا أحمد (صلى الله عليه وآله) الغاية، وأنت سرّ الوجود، وأنت سرّ المعبود لهذا الكون، فلأجلك خُلق الكون، وأنت الجامع لصفات الله تعالى والعاكس لها، فإذا كان الله تعالى كريماً فإنّ كرمه يظهر فيك، وإذا كان ستّاراً فإنّ ستّاريته تظهر فيك، وهكذا باقي الصفات، وهذا الكلام ثابت بالعقل والعلم الحديث، وذلك عندما نرى أنّ الحركة الدائرية البسيطة لا بدّ لها من مركز (قطب)
كالرحى، فذلك المركز وذلك القطب الذي هو أشرف المخلوقات ليس إلاّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فلذلك صار حجّة على الخلق، وهذه الحجّية ثابتة لمن يليه في المسؤولية(1)، ولكن من هو الذي يليه؟ فنقول: إنّ الذي يليه لا بدّ أن يكون بينه وبين النبيّ (صلى الله عليه وآله) من سنخية لأنّ السنخية هي الترابط والتشابه بين العلّة والمعلول، فإذا كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو العلّة الغائية لا بدّ ان يكون له معلولا يشترك معه في الغاية، ولا بدّ أن تكون سنخية بينهما بموجب قاعدة السنخية(2)، ولكن لا بدّ من توضيح هذا بالمثال لنقرّبه إلى الأذهان، فنقول: (النار علّة للحرارة لوجود تشابه وترابط بينهما، ولولا هذا التشابه والترابط لاستحال أن تصدر الحرارة من النار كما يستحيل صدور البرودة من النار، ولكن صدرت الحرارة من النار، إذن لا بدّ من التشابه والترابط لأنّ «الطيور على أشكالها تقع» و «كلّ جنس إلى جنسه يميل»، فنرجع إلى أوّل حديثنا فنقول: إذا كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو العلّة الغائية لهذا الكون، لأنّه هو الإنسان الكامل وهو جامع الجمع لأسماء الله وصفاته، فالمعلول الذي يكون
من سنخه ومن جنسه ومن نفسه ليس هو إلاّ أسد الله الغالب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لآية المباهلة في قوله تعالى: {وَأنْفُسَنَا وَأنْفُسَكُمْ...}(1)، فلذلك صار الحديث «لولا عليّ لما خلقتك» لأنّك يا رسول الله يلزمك معلولا يشابهك لكي تكون أنت العلّة وليس هذا المعلول إلاّ عليّ (عليه السلام)، فأنت يا رسول الله نور النبوّة وعليّ نور الإمامة وكلاكما من نور التوحيد، فلا بدّ لكما من معلول يجمع بين نوريكما وبين حجّتيكما، وهذا المعلول الذي يشبهكما وبمستواكما، ما هو إلاّ فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فلذلك قال: «ولولا فاطمة لما خلقتكما»، لأنّها بطن الإمامة وصلب النبوّة، وهي روح النبوّة والإمامة، والإسلام والعقيدة، فإذن هي سرّ الوجود أو سرّ السرّ، وهي مجمع النورين النبوي والعلوي، وهي بنت النبيّ وزوجة الوصيّ.
ومن هذا المنطلق يقال: السنخية علّة الانضمام.