إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قصّة موسى(ع) والعبد الصالح : فوائد وعبر

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قصّة موسى(ع) والعبد الصالح : فوائد وعبر

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
    وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
    وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
    السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته



    قال الله تعالى: «لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»
    نتوقف اليوم امام احدى القصص الغريبة في أحداثها ومجرياتها، ذكرها لنا القرآن الكريم في سورة الكهف . هي قصة النبي موسى(ع) مع من أشار اليه الله تعالى: " عبدا من عبادنا " :{فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} (وعدم التسمية هو اسلوب القرآن في العديد من القصص وتفيد التركيز على الصفات والمضمون اكثر من كونها تأريخاً .. فالقرآن ليس كتاب تاريخ ، بل كتاب تربية لا يعير اهتماما للاسماء بقدر ما تهمه العبر ).
    وقد أشارت الروايات المتعددة الى أن العبد الصالح المقصود هو الخضر (الذي تنتشر مقاماته في لبنان كثيرا والناس تؤدي نذوراتها اليه :الخضر الاخضر) وسمي بالخضر لانه كان حيث يحل خلال تنقلاته الكثيرة، تخضرّ الارض، وتنتشر البركة والخير وقد يكون هذا فعليا او رمزيا .
    المهم ان هذا العبد الصالح أتاه الله امتيازا خاصا إذ يقول القرآن الكريم: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا } كما وخصه الله بالعلم الوفير {..وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} وجعله مقصداً لطالبي العلم ( و هذه الخلطة من الرحمة و العلم هي التي أجرت على يدي الخضر كل الخير الذي اتصف به وتفسر الموقع الذي وصل اليه).
    بدأت احداث هذه القصة عندما توجه موسى(ع) الى هذا العبد الصالح حيث أخبره الله ان عنده علما خاصاً ، وعليه ان يقصده ليتعلم منه. {وانطلقا} ( النبي موسى يرافقه مساعده ووصيه يوشع) ومعه بعض الاشارات والعلامات
    وحثا السير وجرت معهما أحداث (يمكنكم العودة لتفاصيلها والتمعن فيها) ، الى ان التقيا؛ النبي موسى والعبد الصالح. فسأله النبي موسى مستئذنا بكل تواضع:
    ، { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا...} تصوروا، نبي من انبياء اولي العزم، كليم الله، وقاهر فرعون وجنده وسحرته، يجلس في موقع التلميذ التابع المنضبط الذي يسأل ويستأذن... ( وفي هذه وحدها عبرة )
    المهم، رحب العبد الصالح بالنبي موسى(ع) (عرفه او لم عرفه وهذه تفاصيل ايضا يقفز فوقها القرآن الكريم) وكان العبد الصالح واضحاً وصريحاً عندما قال لموسى ومنذ البداية بشكل واثق : { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} فوعده النبي موسى بالصبر ولكن العبد الصالح اشترط عليه:{.. فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا }
    وهذا الاسلوب من العبد الصالح فيه رحمة للنبي موسى، لان أبعاد المعرفة التي لديه تختلف عما هي عند النبي موسى، بالرغم من كونهما نبيين. فمعرفة الخضر تستند الى بعد علمي الهي محض، فيما علم النبي موسى ينطلق من بعد آخر من موقعه التشريعي، اذا، قال له العبد الصالح ان رافقتني عليك ان تصبر لأن بعض الامور لن تفهمها وأضاف مبررا: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} وكان رد النبي موسى { ... سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}
    ورغم وعد النبي موسى، فإنه لم يستطع الصبر على ما قام به العبد الصالح من أمور لا يقبل بها عاقل فكيف اذا كان نبياً، ودوره ان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فها هو يرى العبد الصالح الذي يفترض ان يتعلم منه ، يُحدث حفرة في قعر السفينة التي ركبا فيها معا، ويحدث فيها عيبا او خرقا من دون ان يراه أحد. يسأله النبي موسى _كردة فعل طبيعية_ سؤالا استنكاريا: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } هنا يذكره العبد الصالح : {....أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} فيعتذر النبي موسى ويتذكر وعده: {..لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} .
    ويمضي النبي موسى في تجربة التعلم، وبعد فترة وأمام ناظريه يقوم الخضر بعمل اكثر فظاعة: يقتل غلاما لقياه وسط الطريق.. هنا ينطلق لسان النبي موسى بالاستنكار وهو في قمة غضبه: { ...أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا }،( الاحظتم منطق التشريع الذي ينطلق منه النبي موسى) ويكرر العبد الصالح {....أَلَمْ أَقُلْ لك إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} فيعتذر النبي موسى ويتذكر وعده ويتعهد بوعد جديد :{ .. إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا } .

    ونأتي للحادثة الثالثة وهي نقطة الفراق بين المعلم والتلميذ: فعندما وصلا الى قرية كانا جائعين، فطلبا الطعام من اهلها ولكنهم أبوا ان يطعموهما وردوهما خائبين . وبينما هما فيها، وإذا بالخضر يلمح جدارا يكاد ينهار فيبادر الى إصلاحه وتدعيمه من دون ان يطلب منه أحد ذلك ، وعلى الاقل وفق المنطق الطبيعي للامور كان بامكانه ان يطلب أجرا . فيسجل النبي موسى اعتراضه الاستنكاري :{.... لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} عند هذا الحد يعلن له العبد الصالح انتهاء العقد : { .. هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا } .
    ....................
    و بدأ الخضر يكشف من علمه ورحمته المستمدة من علم ورحمة الله عز وجل فتتوالى الدروس والعبر :
    _ أما السفينة ،فأنا لم اخرقها لأغرق اهلها ( كما بان ظاهريا ) ولكن هذه السفينة كانت لمساكين يعيشون منها ،وثمة ملك ظالم كان يلاحق كل سفينة صالحة ليستولي عليها ويضمها الى اسطوله البحري ،فرفقاً بأولئك المساكين اردتُ ان اعيبها حتى اذا رآها الملك بهذه الصورة تركها لكونها غير صالحة.. الله تدخل وسخرني لاقوم بعمل غير عادي، رحمة بأولئك المساكين . هذا أول أمر.
    _وأمّا الغلام الذي قتلته، فلم اقتله حباً بالقتل او ظلما وطغياناً ولكن، رأفة بأبويه المؤمنين فقد كان ولداً مشاكساً سيء الأخلاق، كافراً، لا يتوانى عن ايذائهما
    والإساءة اليهما والضغط عليهما واجبارهما على ترك دينهما، فاشفق ربك عليهما فأمرني ان اقتله كي لا يرهقهما طغياناً وكفراً.
    _ واما قصة الجدار الذي اصلحته بدون اجر، ورغم حاجتنا الى المال لشراء الطعام فقد كان هذا الجدار لغلامين يتيمين وتحته كنز، وكان ابوهما رجلاً صالحاً وهو قبل ان يموت اوصى لهما به، وكي لا يُكتشف هذا الكنز إذا تداعى الجدار، أمرني ربي ان أبنيه وأدعمه حتى يكبر اليتيمان و يبلغا اشدّهما ويستخرجا كنزهما...
    هذا تأويل ما فعلته، فكل ما قمت به لم يكن مزاجا او رغبة، ولا بحساب عقلي المحدود ولا بقدراتي المحدودة ، انما هو من أمر ربي المنطلق من رحمته وهو أرحم الراحمين.
    ..............
    أرأيتم كيف تبدلت نحن نظرتنا الى الأمور بين البداية والنهاية !
    فبعد توضيح العبد الصالح وتأويله : لم يعد خرق السفينة ظلماً لأصحابها بل خيرا. ولا قتل الغلام صار جريمة بل مصلحة لأبويه. ولا تدعيم الجدار تفريطاً بحق بل حماية ايتام .
    لقد كنا نرى جزءا من صورةٍ غير مكتملة، ووجهة واحدة من المشهد، وظاهر الامور لا خلفياتها .
    ايها الاحبة :
    إن قصة الخضر ذاك العبد الصالح تعلمنا ان ليس كل ما تراه العين يمكننا ان نطبق عليه منطقنا البشري المحدود . هي تقول لنا: ان اتركوا مجالا لمنطق الله، المنطق الرحموي الرحماني الشامل الذي يتجاوز حدودي أنا و حدودك انت،.. الله يرحم كل الكون حتى الطيور والبهائم. قد يرى الله ان رحمة طير ضرورية فيسخر له من يطعمه، وحتى الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين مرات نراها نقمة علينا، فيما هي رحمة بالأرض، فان في حدوثها رأفة وتخفيفا للارض من الضغوطات.. (حتى ان الله اعتبر أن من يموتون جراء هذه الكوارث لهم أجر الشهداء .. المهدوم عليهم والغرقى).
    في قصة العبد الصالح نرى ما لا يُرى عادة، نرى نموذجا وعينة في كيف يحقق الله ما وعدنا به.. كيف يسخر الله بعض عباده لحساب البعض الآخر نيجة دعاء او صدقة او حسنة او أي عبادة. إن تفاصيل هذه القصة تكشف لنا ما هو مستور خلف مسرح الحياة الواقعية، مسرح شغل الله .. نحن نشتغل ونسعى ونكد ،ولكن الله ايضا له شغله وتدبيره وسعيه ومكره وتخطيطه ونصره ويفعل كل هذا من دون ان نشعر، وقصة الخضر هي نمودج صغير ..وهذا وعد الله { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ..}‏
    وقصة الخضر عيّنة، ﻠ كيف {يدافع الله عن الذين آمنوا} .. وقصة الخضر نموذج ﻠ كيف تتحقق استجابة الدعاء ، ولكيف يُدفع البلاء قصة الخضر تأكيد للتوكيل : كفى بالله وكيلا وتأكيد للتفويض وللتسليم والتسديد وهذه كلها هي من أسس ايماننا ، لا يصح من دونها ، هي خير معبّر عن ثقتنا بالله .. وان لا ثقة فوق الثقة به .
    هذه الثقة التي تولد لدينا اطمئنانا وأماناً وسلاما داخليا، نتغلّب به على صعوبات الحياة وعلى مشاقها، ونحن نسير في دروبها السهلة والوعرة على السواء حيث نحتاج دائما الى يد حنونة تمتد الينا ..
    ان اصعب ما يواجهه الانسان في هذه الحياة ان يشعر بالوحدة ، يشعر بالغربة، يشعر بالظلم ويشعر بان لا سند له .. يشعر بالخوف من المستقبل القادم، ومن تبدلات الحياة والظروف والتغيرات ...ان من رحمة الله بنا انه فتح لنا الباب واسعا لطلب العون والمدد و يكفي ان نثق به، نصفي النوايا، نحسن العمل, ونتوجه اليه للتوفيق والتسديد بدعاء من اللسان والقلب, فيسخر لنا ما لا نراه او ندركه بحواسنا الضيقة .. نترك الامور لتدبيره ورحمته يسدد، يلهم يقدم، يؤخر، يفيض علينا من رحمته رحمة ومن علمه علما فتفيض قلوبنا بالاطمئنان : {الا بذكر الله تطمئن القلوب} تطمئن القلوب وتصفو وتمتلئ حكمة ومعرفة وأملا ... وما توفيقنا الا بالله عليه توكلنا واليه ننيب.والحمدلله رب العالمين.

عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X