إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

المثال في القرآن الكريم وآثاره المعرفية \ الجزء الأول

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • المثال في القرآن الكريم وآثاره المعرفية \ الجزء الأول

    المثال في القرآ ن الكريم وأثره المعرفي

    سعد عطية الساعدي


    بسم الله الرحمن الرحيم


    نشر في مجلة النهج الفصلية العلمية / العدد الثالث / مؤسسة الصدرين بغداد / 2007

    المقدمة


    المثال ومدى حاجتنا اليه في الغايات والمقاصد المعرفية والمسائل البيانية والفكرية، حاجة لا غنى لنا عنها. وخصوصاً عند ما ضرب لنا الله عز وجل. في محكم كتابه المجيد الامثال في اكثر من اية مباركة. وقد نهانا سبحانه من ضرب الامثال الواهية المبنية على عقيدة فاسدة او فكرة واهمة. وهذه المصاديق القرآنية تؤكد لنا تلك الحاجة والاهمية المثالية والتي يقرب من خلال المثال المعنى
    والمقصد لما يرسم المثال من صور ذهنية تختزل الكثير من الكلام والجدال. من اجل بيان الحق او ايصال الفكرة واستيعابها في ذهن وإدراك السامع او المتلقي.
    والمثال اسم او دلالة ادخلها المفكرون في مقاصد افكارهم ونحن نقرأ ونسمع عن ذلك كثيراً والقصد في ذلك من اجل اعطاء فكرة القبول لشيء ما او الحسن او المتكامل. كالعمل المثالي والانسان المثالي والمجتمع المثالي حتى ادخلوه كمصطلح على مدارسهم الادبية والفنية إشارة لاعمالهم ونتاجهم وافكارهم . مما يوحي لنا ذلك ان معنى اصل المثال هو ليس في تلك المقاطع الكلامية المحدودة ذات الصور الذهنية التقريبية اوالتشبيهية فقط . بل المثال دلالة واسعة لا يحصرها مقصد محدود او فكر جزئي او مدرسة او مذهب مما يسمّون.
    بل نحن نقرأ ونسمع من كبار العلماء حول ما يذكرونه عن المثال في اصل معناه بانه عالم الحقيقة الواسع . ولهذا نحن نلجأ الى المثال مع عجزنا وتقصيرنا على استيعابه في مقاصدنا الفكرية او المثلية التقريبية والذي نهانا الله تعالى من استخدام المثال من اجل محاججة الحق بدعوى باطلة او عقيدة فاسدة. والمثال عالم متكامل يسد مقاصدنا الدنيوية ويعبر لنا تعبيراً استدلالياً مفيداً فيما يفضي من نتائج واغراض قيمة تساهم في بناء الانسان بناءً معرفياً وسلوكياً عند ما يرسم لنا المثال في احد جوانبه الاسوة الحسنة ويطالبنا بالاقتداء. ولهذا تكمن فيه منافع كثيرة مما دفعتنا للدخول في هذا الموضوع الواسع وايجازه في هذا البحث طلباً لتلك المعرفة والمنافع معاً. ولقد قسمناه حسب ما رأيناه مناسباً وحجم الموضوع من اجل الالمام والتوضيح.
    المبحث الاول
    المصاديق القرآنية
    { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ }(1)
    { قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}(2)
    نأخذ تفسير السيد الطباطبائي لهاتين الايتين من خلال كتابه الميزان.
    {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه} من نطفة لاول مرة {قال من يحيي العظام وهي رميم}، وفي قوله كان رد على نفسه وإجابة عن المثل الذي ضربه خلقه الاول(قل) يا محمد { يحييها الذي انشأها اول مرة} إيجاداً من عدم {وهو بكل خلق عليم} فهو تعالى لا ينسى ولا يجهل شيئاً من خلقه، وهو المنشئ اولاً وهو الذي ما كانت عليه النفوس قبل الموت وبعده)(3) .
    المثال الحق هو اصل من الحقيقة ومكنون من الحكمة ومرتبط بهما ويحمل مضامنها طالما المثال مرتبط بالحقيقة المطلقة والتي هي اوسع مما تتصوره وتدركه العقول. بل واوسع من عالم الاشياء الدنيوي بدليل ما قصرت الحقيقة والمثال على اثبات الصواب والحق او القياس والموازنة والاستدلال على الاشياء وامور الدنيا وسد كل حاجات ومسائل القياس وقواعده الدلالية في العلم والمعرفة والمثال هو التأكيد على ذلك.
    فالقرآن الكريم خاطبنا بالحقيقة من خلال المثل الحق كما تبين لنا في الايتين السابقتين. فساحة المثال واسعة بوسع الحقيقة اللامنتهية طالما انبثقت من اصل الحق وحقيقة وجود الله عز وجل ووحدانيته والوهيته وحكمته. والحقيقة لا تنتهي بانتهاء الدنيا وزوال الناس بدليل النصوص القرآنية عن البرزخ والبعث والقيامة والحساب فالحقيقة متنقلة معنا بكل ما تعني من دلالات الخلق والوجود والموت والبرزخ حقيقة والبعث من الرميم كذلك والجنة والنار حقيقة وما فيها كذلك من دوام واستمرارية وخلود هي كلها حقيقة والدنيا واشيائها الاتية منتهية الا الحقيقة والتي ملأت الدنيا بدلالاتها والاخرة بعالمها المثالي الخالي من الخطأ والوهم والتكذيب.
    {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}(4) .
    ونعود للسيد الطباطبائي ( - {ولا يأتونك بمثل} اي وصف فيك او في غيرك حادوا فيه عن الحق { الا جئناك بالحق} فيه {واحسن تفسيراً} لدفع ما اتوا به من الباطل)(5).
    وهذا يعطينا دليلا ً على ان المثال والحقيقة متداخلان ونستطيع ان نعبرهنا ان المثال الحق هو تفسير لمسائل وحيثية الحقيقة فيما جاء ذلك المثل به من دلالة وتعبير. ومن ذلك التداخل فلا مثال حق بلا حقيقة ولا حقيقة بلا مثال صواب طالما يحمل المثال القياس والمقارنة ليدل للعقل على حقائق المسائل والافكار. والمثال يسد ويزيد من خلال تداخله في الحقيقة ووسيلة الاثبات فيما كل حاجاتنا الاستدلالية ضمن ثوابت المسائل ومدارك واساسيات العقل. ويستمد المثال قاعدته الاستدلالية الواسعة من عمق وشمولية الحقيقة ولهذا اصبح المثال في وسعه الحقيقي عالم واسع لا ندرك مضامينه مازلنا في عالم الدنيا وما فيها من ظلاميات وحجب ولا يتجزأ كما هي مراحل وعصور الدنيا واشيائها مثلما يحدثه الانسان والمجتمع في مسيرته الفكرية الدنيوية. بل الانسان وكل كا ينتج ويفكر في كل مراحله هو جزء واقع في الحقيقة ان جردنا عمله وفكره من الوهم الذي يقع فيه ومعرفتنا للشيء في اصل حيثه انما عرفنا جزئيته وموقعه في الحقيقة.
    والمثل الحق يوصلنا الى هذه الجزئيات من خلال ما يحمل من دلالة ومقابلة كما هو الحال في امثلة القرآن الكريم لانها من لدن خبير سبحانه. وبما ان من وراء اتيان المثل اهداف استدلالية نرجوها فيه. يبقى المثل في اصل حاجته مختزلاً في مقاصده الحقة تلك الحاجة المعرفية. ونحن قد نحسن استخدام تلك الحاجة او نسيء من خلال امثال ركيكة او مكروهة الدلالة او لاغراض باطلة كما هي امثال اولائك الذين ضربوا الامثال ان للمثل ـ او الامثلة ـ انواعاً نستطيع ان نحددها ونسميها لغرض البيان والتعريف وحسب مضامينها وقيمتها ونتكلم عنها توسعة لمعرفة الموضوع واتمامه.
    انواع المثال
    أولاً: مثال الحق والحقيقة المطلقة:
    هذا النوع من المثال هو بمثابة الحجة لاكتمال كل اركان القياس والمقابلة من اجل احداث الموعظة والحجة لما يحمل من حكمة ومضامين بلاغية تدحض الباطل والوهم . بحساب ومقام المحاججة والاثبات وهو غاية المثال الحق فيما يضربه الله عز وجل لنا من الامثال. وهذه الامثال لا يصل الى حكمها فكر وادراك مخلوق عندما يضرب مثلا ً ما.
    { وضَربَ اللهُ مثلا ً رجُلين ِ أحدُهُما ابكَمُ لا يقدِرُ على شيءٍ وهوُ كلٌ على موله اينما يوجههُ ولا يأتِ بخير ٍ هل يستوي هو ومن يَأمرُ بالعدل وهو على صراط مستقيم }(6) {وضرب الله مثلا} مقايسة اخرى {رجلين} متقابلين {احدهما ابكم} وهو الذي يولد اصماً لا يسمع ولا يفهم ولايفِّم {لا يقدر على شيء} من تلقي المعلومات والقائها اذ لم يبق له الا البصر {وهو كل} ثقل{على مولاه} الذي يدبر امره {اينما يوجهه لا يأت بخير} فلا يستطيع ان ينفع غيره كما لا ينفع نفسه {هل يستوي هو ومن يامر بالعدل} وهو الطرف المقابل الذي يلتزم حد الوسط، ويجتنب الافراط والتفريط، فالعدل هو التمكن من صلاح النفس الانسانية ثم صلاح الاعمال{ وهو على صراط مستقيم } وهو السبيل الذي يهدي سالكيه الى غايتهم التي تقتضيها الفطرة الانسانية فأصل الحجة هو الدلالة على النبوة والتشريع )(7)
    الملاحظ في تفسير السيد الطباطبائي لهذه الاية ذكر القياس والمقابلة في عناصر المثال. على اعتباره لا يكون مثال يؤدي حاجته الدلالية الا بهذين العنصرين ولهذا نحن نلمس اثر المثال ذهنياً لأنه يقتصر الشرح والتقريب بهذين العنصرين لما يحدثه في السامع من تحقق ذاتي جاهز من خلال الذهن.
    ثانياً: مثال المعرفة والخبرة:
    هذا النوع من المثال يضرب لتقريب الصورة وايضاح المعنى والهدف المطلوب في المثال. ويكون ذو بيانية ذهنية ومعرفة دالة على ايجاد المثال المطابق والمعنى المركز والذي يحدث الاثر وصولاً للنتيجة القياسية والتقريبية من بين المقابلة والمقارنة ذهنياً. وهذا ينم عن خبرة ومعرفة ونباهة ويكون بمطلبين:
    الاول: توضيحي يبسط الفكرة ويقرِّب المعنى لما يحمل هكذا مثال من خصوصية نقل المعنى وإيجازه من خزين الخبرة ونباهة المعرفة لتخفيف تزاحم الافكار وتداخلها وتوجيه الطرح نحو الاستدلال وتحديد المتفرعات وحل التعقيد ونقل ذلك المعنى الى صور ذهنية بسيطة المعاني وواضحة الملامح في بيان مقتصر وجعله صور قياسية من خلال مقابلة بينية تؤدي الى الهدف المطلوب.
    الثاني: للمحاججة والاثبات من خلال الطرح وبصورتين متلازمنين في احداث المعنى المطلوب. الصورة الاولى: طرح ما مطلوب في الفكرة اصلاً. والصورة الثانية هي صورة المتعارض مع المطلوب في المعنى او المعاكس له. وذلك من اجل احداث الاثبات والحجة او البينة وان بالاستعانة او المجاز. وهذا المثال القيّم على محدوديته لأنه من فكر بشر قاصر الا انه ذو قيمة يتطلب المعرفة والالمام بالفكرتين او الصورتين كركني للمحاججة والاثبات كما هو الحال في علم الكلام.
    ثالثاً: مثال الباطل والوهم :
    هذا النوع من المثال هو ضرب هزيل ومعكوس المعنى كما اكدت ذلك الايات القرآنية. ولا تعبر هذه الامثال عن اي حقيقة او معرفة نافعة طالما نبعت من الوهم والباطل .
    وهذه الامثال لا تزيد صاحبها الا مزيداً من الوهم والظلال والابتعاد عن الحق كما ثبت ذلك قرآنيا . ويضرب البعض من الناس امثالاً لا ترقى الى مستوى الذوق الرفيع واللياقة المطلوبة ونحن نسمع احياناً منها فيما يتداولها بعض الناس مع ما فيها من منكر ومجاجة لا تليق بالحياء الانساني ويذكرون إنها جاءت من حادثة او فعل حدث في زمان ومكان ما.
    هذا النوع من الامثال هي مستخلصة من وطائة عالم الدنيا الخليط بالاشياء والتي يداخلها الانسان في فكره القاصر وتصوره العاجز تداخل لا تقره حقيقة ولم يأت به سلطان فيحدث الوهم والخطأ والظلال مثلما يحدث الظلم والباطل والمنكر. وهذه المسميات والدلالات لم يخلقها الله تبارك وتعالى وهذا لا يعني ان للانسان قدرة على الخلق او ايتاء الاشياء من العدم ولكنها النتائج والدليل على ذلك عندما نتوصل للصواب ينتهي الخطأ والوهم والاشباه من ذهننا لماذا؟ لأنه غير موجود اصلاً كحقيقة مخلوقة من عند الله والعياذ بالله . وعندما نقيم العدل ينتهي الظلم والدليل الاخر هل بإستطاعة المخلوق القاصر ان يغير ما خلقة الله تعالى وجعله في الموجودات. هذا عين المستحيل وما دام كذلك فتلك المسميات هي من واقع توهم واطماع الانسان المشدوه بالدنيا واشيائها والحجوب عن عالم المثال والحقيقة النقي من تلك المسميات الدالة على الخطأ.
    وعليه يجب ان لا نعتبر الامثلة والمثالية كمسميات ومصطلحات ودلالات هي من ابتكار وابداع الانسان بقدر ما هي تصور واستلهام من عالم المثال والحقيقة والذي اوحاه الله تعالى في فطرة الانسان ان كان هذا المخلوق يدرك ذلك ام يجهله فيعتبره ابداعات فكرية لا اكثر . ونحن نسمع ونقرأ احياناً عن اهل الروحانيات والعرفان معالم لا يدركها الانسان العادي او المثقف الا في غير ذلك المجال والسلوك الروحاني اليه. ونحن نعتقد من خلال ذلك ان هذا الايحاء الالهي هو ايقاض للانسان الغافي بين فتن الدنيا واهوائها بأن مكانه الدائم ليس هنا بل في ذلك العالم الاخر عالم الحقيقة واللاوهم. وعندما يستيقظ هذا الانسان ويجد من اجل ذلك يلمس له السبيل اليه عندما يسموا من خلال روحه ووجدانه طالباً للخير في ذلك العالم الدائم . عندها يعي ذلك الايحاء ويفهم معنى عالم المثال وكمال معنى المثالية الحقة. لا الوهم المرتشس لفكرة ما او اطروحة اوعمل يتصوره هذا الانسان الغافي انه ابداع جمالي متكامل. وهو من تلك الامثال الواهمة او الباطلة التي دحضها الله تعالى. بأمثال الحق والحقيقة في محكم الكتاب المجيد.
    ({واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيماً تذره الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربّك ثواباً وخيراً املا ً}. وهناك آيات كثيرة تؤكد هذا المعنى، وهناك عدد هائل من النصوص الواردة في تصوير عرضية الحياة الدنيا وزوالها،وكونها منطقة عبور وممراً للاخرة. ومرحلة تمهيدية لها. والغرض من هذا ليس ( تفهيم ) المسلمين هذه القضية الواضحة لديهم. وانما (تحسيسهم ) بذلك وتوعيتهم عليها حتى تكون لديهم (بصيرة) من بصائرهم. ورؤية فكرية واضحة لديهم تهديهم الطريق ،وتدفعهم الى العمل )(8) وحتى نفهم بحدود المستطاع عالم المثال من ذلك التحسيس الذي عبر عنه الشهيد حسين معله ونزن ونقيّم امثلتنا يجب علينا ان نعرف الاغراض والمحاولات التي جاء من اجلها المثال ونفهم حاجتنا المعرفية الحقيقة له. طالما هو نعمة من نعم الله بما اعطانا الفكر والتدبر والحس والبيان والتي خصنا الله تعالى بها عن باقي المخلوقات . ولهذه الحاجة والفهم وجدنا للمثال ثلاثة ضوابط وكذلك ثلاثة اركان وسنتكلم على كلاً منها ضمن ما نستطيع في المبحث الثاني.
    المبحث الثاني
    الضابط الاول: احقية الهدف:
    هذا الضابط يكون من الضرورة والاهمية في المثال طالما الغاية ايصال فكرة اودلالة نبتغي منها تحقيق هدف ما. والحق شرط انضباطي حتى لا ننزل بما نضرب من الامثال الى مستوى متدني في الباطل او المنكر او الفاحش من القول بحجية المثل وكأن المثل يبيح الممنوعات. فإن كان المثل يهدف الى بيان حق في مسألة ما او تبسيط معرفة او موعظة استحق الاهتمام والتقيم طالما عبر عن هذا الضابط الاساس. والدليل على هذا الضابط الامثلة القرآنية.
    الضابط الثاني: عمق المعنى:
    هذا الضابط يجعل من المثل ذو قيمة ودلالة ومحقق للحاجة التي لمسنا فيها ضرورة اتيان المثل . وكلما عمق المعنى غار في ادراك العقل واحدث الاستجابة والقبول والاعجاب . ونحن نعلم قيمة المعنى وضروريته في المقاصد المعرفية كافة. وكل من لا يحمل معنى لا يكون من المعرفة والحكمة في شيء لان المعاني روح المعرفة وجوهر الاشياء. وهذا ملموس في امثال القرآن الكريم.
    الضابط الثالث: احداث الحجة والموعظة:
    هذا الضابط مقوم للمثل وبدونه يصبح المثل مجرد مقطع يحمل معنى عام ودلالة فاقدة لخصيصة الاثبات والاقناع. ومن نعمة المعرفة والبيان اصبح الانسان تواق للمواعظ و الحجج كأساس لاثبات المعنى والمقصد في نقاش المسائل وفض الاختلاف. وهذا الضابط كان من اهداف المثل القرآني. هذه الضوابط الاساسية تعطي للمثل خصوصية بيانية وتحقق اركانه او اساسياته المطلوبة.
    اسس المثال
    الاساس الاول: القياسية في المثال:
    القياسية في المثال هي مقوم اساس من اجل احداث المقابلة العقلية واستشفاف الصور الذهنية من اجل الوصول للغاية والهدف او ايصال نتائج مقنعة كمحصلة من خلال القياس في تلك المقابلة. ونحن نلمس ذلك في امثال القرآن الكريم كما مر بنا في الاية الاخيرة عندما قابل المثل القرآني بين رجلين اي بين العمى والبصيرة او بين الهداية والظلال وكما بين اثر القياسية والمقابلة هذه السيد الطباطبائي في تفسيره للاية المذكورة.
    وللقياسية هذه ثلاثة مقومات حتى تكون مؤدية لمعناها العقلي وحاجتها في المثال.
    المقوم الاول: الالمام بالفكرتين المقاستين:
    هذا المقوم من ضروريات القياسية في المثال حتى لا يكون المثال خالياً من الدراية وصواب الفكرة. وغير مرتبك او ضعيف او مشوش الطرح والمضمون والصور. طالما الافكار اساس كل طرح معرفي او نقاش موضوع او محاججة تتوقف على اثبات صواب الفكرة بالدليل والبرهان ويكون المثال القيم الحق يحمل هذه الخصال ما دام المثال في القرآن الكريم قام لهذا الغرض. وعند حسن الالمام يكون المثال وقياسه سليماً وصائباً ومؤثراً.
    المقوم الثاني : دقة التحديد :
    الدقة في المثال امر مطلوب كي تنحصر الدلالة والقياس والصورة في إطار معنى واضح. لأنه بدون هذا التحديد ترتبك تلك الشروط والاسس ولا تعطي المثال المقصد او الهدف المطلوب. مما يفقده الوضوح والتأثير والاقناع لانه سيكون مرتبكاً او واهي غير محدد الغاية والمقصد.
    المقوم الثالث : ضبط النتيجة:
    طالما المثل الصائب هو محاكاة للعقل لما يحتوي من عناصر تحفز الذهن والادراك وتوقض الانتباه فلا بد من تحقيق نتيجة كمحصلة لما احدثه عند المتلقي تستحق كل ذلك التجاوب والاهتمام. وكذلك يجب ان تكون النتيجة متوافقة مع موضوع المسألة والنقاش.
    تلك المقومات السابقة رغم اهميتها الا انها تمهد لضبط النتيجة والاما فائدتها اذا كانت لا تفظي الى نتيجة مقنعة وواضحة بل ما فائدة المثل كله.
    اركان القياسية في المثال
    هذه الاركان التي سنذكرها تخص المثال ولا نقصد بها عموم مفهوم القياسية كما يذكرها علم المنطق. بل رأيناها من متطلبات المثال لأنها من مقوماته واركانه اصلاً كما مربنا في ذكر المثال القرآني وتفسير السيد الطباطبائي لاحدى الايات التي ذكرناها في هذا البحث.
    ولا يعني ان هذه القياسية مستقلة عن قاعدتها المنطقية الجامعة لكل مسائل القياس. ولكن الاشارة هنا بأن للمثال قياسيته المطلوبة بديهياً. من اجل احداث الناتج النفعي من خلال القياس فهي مقارنة وليس مسائل علمية دقيقة. لانها من اجل احداث التقريب المطلوب في اصل المثال من الدلالة والتشبيه والايحاء للافضل والاكمل والصواب.
    الركن الاول: قياسية المثال العلمي والمعرفي:
    هذا النوع من المثال والقياس يضرب من اجل ايصال فكرة علمية وبالتالي فانه يعطينا ناتجاً علمياً او معرفياً من خلال قياسية مقارنة توضيحية. خدمة لقاعدة علمية اوموضوع او مسألة كان المثال ضرورياً فيها.
    هذا النوع القيّم من المثال والقياس والذي يعطينا مقارنة مضبوطة وتطابق ذهني دقيق بين فكرة الموضوع وفكرة المثال ومدى مساحة القياس المساوية للحاجة العلمية او المعرفية للايضاح والتبسيط. فيكون القياس منطقي رفيع ودقيق.
    الركن الثاني : قياسية المثال العام:
    هذا النوع من المثال يضرب لغرض او مسألة ما فيحتمل فيه القيّم النافعة وكذلك الواهية والركيكة. كما بعضه يحتفظ بمقومات واسس المثال بما فيها القياس والمطابقة والصورة مما يعطي نتيجة ذات معنى ودلالة. والبعض لا تكتمل فيه كل تلك المقومات بل مجرد مثال او (مثل) عابر ينم عن عدم العلمية والخبرة والنضوج الثقافي والمعرفي. كما هو حال بعض (الامثلة) المتداولة عبر الاجيال فيها الحسن وفيها القبيح مما يفقد تلك الامثال (الامثلة ) القياس والمطابقة المعرفية ولكنها تبقى عفوية جاءت من واقع حادثة فعلقت في اذهان الناس كموروث شعبي لا اكثر مع وجود بعض (الامثلة) المؤثرة في واقعها وبيئتها.
    الركن الثالث: قياسية (الامثال) الوهمية:

    يتبع
عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X