إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حقيقة الصبر

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حقيقة الصبر



    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
    وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
    وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
    السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته



    التي يعبّر عنها القرآن الكريم بالصبر، ما هي حقيقة الصبر؟ القرآن الكريم يقول: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، ويقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، فما هو الصبر؟ نحن نفهم الصبر بمعنى سلبي، الصبر يعني أن تسكت، ليس عندك خيار آخر، ليس عندك حيلة، الصبر يعني ألا تجزع، ألا تولول، ألا تصرخ، هذا هو الصبر، الصبر أن تسكت، هذا هو الذي يأمرك القرآن به! هذا فهم سلبي للصبر، ليس هذا هو الصبر، الصبر الذي ينادي به القرآن ويجعله علاجًا وغذاءً لحاجتك إلى الأمن ما هو؟ الصبر يعتمد على أركان لا بد أن تلتفت إليها.


    الركن الأول: الثقة بالله.
    واحد يقول: والله تسألني: هل أنا راضٍ بما أصابني؟ لا والله لست راضيًا ولكن ماذا أفعل؟! هذا ليس صبرًا، الصبر الثقة بالله، أن تثق بأن ما أصابك خيرٌ لك، الثقة بالله، الاطمئنان بأن ما أصابني معوَّض، بأن ما أصابني مدّخرٌ لي، هذا هو الصبر، لا بد أن يكون معه عنصر إيماني، عنصر ملكوتي، عنصر غيبي، وهو الثقة بالله، وهذا هو الذي تترجمه الآية المباركة: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، فليس الصبر مجرد ألا يجزع الإنسان، ما الفائدة من ألا يجزع وهو في داخله حاقد وناقم؟! لا بد أن يكون واثقًا بأن ما أصابه معوَّض.
    لذلك، ورد عن الإمام الحسين في يوم عاشوراء أنه قال: ”هوّن ما نزل بي أنه بعين الله“، الذي يمنحني الصبر ويمنحني طاقة من الإيمان أنني واثقٌ بربي، وأن ما ذهب من دم لن يذهب هدرًا، وما ذهب من طاقة لن يذهب هدرًا، وما ذهب من نعمة لن يذهب نعمة، كله معوَّض، أنا واثقٌ بربي، ”هوّن ما نزل بي أنه بعين الله“، وقال: ”اللهم رضًا بقضائك، وتسليمًا لأمرك، يا غياث المستغيثين“.
    الركن الثاني: تأجيل اللذة.
    نحن دائمًا متمحورون ومتقوقعون في اللذة الحسية، نأكل أحسن كبسة، وننام أحسن نومة، ونركب أجمل سيارة، و.. مرفهين ومرتاحين، دائمًا تركيزنا على اللذة الحسية، أما اللذة الروحية فليست في قاموسنا، اللذة الروحية ليست في مصطلحاتنا، لذة الصلاة، لذة العبادة، لذة الدعاء، لذة النافلة، هذه اللذة هي التي يتقاتل عليها الأولياء، الأولياء لا يتقاتلون على طعام أو شراب، بل يتنافسون على هذه اللذة، لذة الصلاة، لذة العبادة، هذه اللذة التي تأسر أكبر الأبطال علي بن أبي طالب.
    مع الأسف، الإنسان الحقير، نحن ندخل في هذا الإنسان الحقير، هذا الإنسان تراه ما شاء الله مفتول العضلات رياضيًا وبطلًا في جسمه، ولكنه بمجرد أن تعرض له شهوة طعام كل هذه البطولة تذهب في شهوة الطعام، بمجرد أن يتعرض لإثارة - إشارة جنسية، إثارة مادية - هذا البطل الكبير يتهاوى أمام تلك الإثارة الصغيرة! يتهاوى أمام لذة حقيرة، أما علي بن أبي طالب، أما أمير المؤمنين الذي اقتلع باب خيبر بكف واحدة.

    يا قالع الباب الذي عن هزّه
    أأقول فيك سميدعٌ كلا ولا
    بل أنت في يوم القيامة حاكمٌ



    عجزت أكفٌّ أربعون وأربعُ
    حاشا لمثلك أن يقال سميدعُ
    في العالمين وشافعٌ ومشفّعٌ


    علي بن أبي طالب لا تتهاوى بطولته أمام رغيف خبز، ولا تتهاوى بطولته أمام شهوة جنسية أو مادية، علي بن أبي طالب تتهاوى بطولته كلها إذا وقف في محرابه، علي بن أبي طالب تتهاوى تلك البطولة البدنية كلها إذا وقف بين يدي الله وقال: ”ركعة لي في دنياكم أحب إليَّ من الجنة وما فيها“، لذة العبادة هي التي يتنافس عليها الأولياء، هي التي تأسر قلوب الأولياء.

    إذن، نحن متقوقعون في اللذة المادية، نتقاتل عليها، ونبكي عليها، وإذا فاتتنا نتحسر عليها، «ماذا نفعل في أولادنا في المستقبل إذا صارت الأوضاع فوضى؟! ماذا نفعل؟! نحن خائفون ومرتبكون وقلقون على أولادنا وأطفالنا، وما هو مصير وظائفنا ورواتبنا؟!»، كل خوفنا على فوت اللذة المادية، أما هل تكلمنا عن اللذة الروحيةظ هل تكلمنا عن لذة الصبر، لذة قوة الإرادة، لذة قوة التحدي، لذة الصمود، لذة العزيمة، هل تحدثنا عن ذلك؟!
    من هنا يأتي دور الصبر، الصبر يعني تأجيل اللذة، الصبر يعني استبدال اللذة، استبدال اللذة المادية باللذة الروحية، هذا هو معنى الصبر، الصبر أن تنتقل من لذة إلى لذة، وكما يقول العرفاء: «اللذة في ترك اللذة»، اللذة في أن تعوِّض هذه اللذة الحسية المادية بنشوة الصلاة، بنشوة المناجاة، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، ولم يقل: استيعنوا بالأموال والأملاك والأسهم والعقارات، بل استعينوا بالصبر والصلاة، وكان علي إذا فزع لجأ إلى الصلاة، فالركن الثاني من الصبر تأجيل اللذة واستبدالها بلذة أخرى.
    الركن الثالث: الإعداد.
    ليس الصبر ألا تفعل شيئًا، وأن تنتظر الضربة الأخرى، بل الصبر إعدادٌ، الصبر أن تكون مستعدًا، أن تكون حذرًا، أن تكون ممهدًا، الصبر لا ينفصل عن الإعداد، «والله أنا صابر على المصائب لكنني جالس في مكاني»! هكذا لن يتغير شيء ولن يحدث أي شيء. عندما تقول لابنك: اصبر على الدراسة، فما معنى الصبر على الدراسة؟ بمعنى أن يذاكر، وإلا لو لم يذاكر لما كان صابرًا، فالصبر ليس حالة سلبية، بل الصبر عملٌ، الصبر إعدادٌ، الصبر حذرٌ، يصبر على الدراسة بمعنى أن يعدّ نفسه للنجاح في الامتحان، يصبر على البلاء بمعنى أن يعدّ نفسه لتجنّب المصائب الأخرى، فالصبر يحتاج إلى إعداد.
    المجتمع الصابر هو المجتمع الذي أعدّ نفسه، حمى نفسه، المجتمع الذي مهّد الأرضية أن يتعاطى مع المستقبل تعاطيًا حذرًا، تعاطيًا مدروسًا، تعاطيًا مخطَّطًا له، ولذلك الآية المباركة ما اكتفت بالصبر، بل قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، الصبر ليس مجرد حالة سلبية، الصبر يحتاج إلى عناصر.
    إذن، الصبر - هو ركيزة أخرى في العلاج الديني، المنهج الديني لا يقول: بما أن الانتحار حالة مرضية، بما أن العدوان حالة مرضية، بما أن الخنوع حالة مرضية، إذن ضحِّ بحياتك من أجل زمكان لإنسان آخر أو لمجتمع آخر! لا، المنهج الإسلامي يقول: لا بد أن تحدّد مفهومك عن الحياة أولًا، ما هي الحياة؟ الحياة هي حياة الكمال الروحي، حياة الحضارة العادلة الأخويّة، هذه هي الحياة، هذا أولًا، والركيزة الثانية: الصبر،
    الصبر بعناصره الثلاثة: الثقة بالله، وتأجيل اللذة، والإعداد، هذا هو المهمّ، وهذا هو المطلوب.


  • #2
    أحسنتم النشر بارك الله بكم
    ووفقكم لكل خير

    تعليق


    • #3
      أحسنت
      بارك الله بك

      تعليق

      عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
      يعمل...
      X