إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ظمأ القلب وَمعين العرفان

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ظمأ القلب وَمعين العرفان

    بسم الله الرحمن الرحيم

    اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
    وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
    وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
    السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته

    ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
    صدق اللهُ العلِي العظِيم
    انطلاقا من الآية المُباركة حول علم العرفان عبر محاور ثلاثة:
    المحور الأول: فِي أقسامِ العرفان، العرفان هُو عبارة عن الانصراف إلى النفس بالسيطرة عليها وَ التحكم فِي انفعالها وأفكارها وانفعالاتها.
    وهذه السيطرة تنقسم إِلى ثلاثة أقسام: عرفان نظري، وعرفان خلقي، وعرفان عبادي.
    العرفان النظري: هُو عبارة عن التأمل فِي ذات الله تبارك وتعالى، فالعارف هو الشخص المتأمل فِي ذات الله، الذي يشغل وقتهُ بشهود نُّور الله تبارك وتعالى فِي قلبهِ ووجدانه. وهذا ما أشار إليه الله تبارك وتعالى فِي القرآن ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ويقول ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
    العرفان الخلقي: هو اذابة غطرسة النفس وكبريائها، بحيث يصل الإنسان إلى مرحلةِ لا يرى مِيزة إلى نفسهِ على غيره. بل يرى نفسه أقل النّاس وأحقر النّاس. ولا ترفعنِي درجة عن النّاس إِلّا وحططتنِي فِي نفسي مثلها، يصل الإنسان إِلى مرحلة لا يرى لنفسه ميزة، يكون خلقه التواضع والبسمة ومعاملة الرحمة، كما كانت الصورة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآلِه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾، وقد تحدث القرآن عن هذا النوع من العرفان بقوله ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
    العرفان العبادي: بمعنى انصهار المعلول بعلته الغائية، حيثٌ أن العلة الغائية والهدف من وجود الإنسان هُو العبادة. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ والمقصود بالعبادة تعلق القلب بالله تبارك وتعالى، وليس المقصود بالعبادة خصوص الصلوات التِي يمارسها الإنسان.
    وبالتالي فالمؤمن الذي يستطيع السيطرة على كُل أفكاره خيالاتهِ وميوله، بحيث يكون كل ميوله وأفكاره وخيالاته كُلها فِي ايطار التقرب إلى الله تبارك وتعالى. فلا يُفكر إِلّا فِي الله وَ لا يُحب ولَا يكره ِإلّا فِي الله، ولا يتحرك حركة إِلّا وهِي مؤطره ب اطار التقرب إلى الله تبارك وتعالى. وهذا ما يسمى بالعرفان العبادي. والقرآن تحدث عن هذا النوع ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون.﴾، ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ﴾.
    هذه أقسام العرفان تنطلق من منطلق واحد وهِي السيطرة على النفس والتحكم في تصرفات النفس، كما ورد عن الإمام علي عليه السّلام ﴿وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أُرُوضُهَا بِالتَّقْوَى﴾، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
    المحور الثانِي: فِي المقارنة بين علم العرفان والعلوم الأخرى.
    عندنا هُنا ثلاثة أسئلة، ما هُو الفرق بين علم العرفان وَ علم الفلسفة؟، مَا هُو الفرق بين الفقه والعرفان؟، مَا هُو الفرق بين التصوف والعرفان؟.
    نُجيب عليها، مَا هُو الفرق بين العرفان والفلسفة؟، الفلسفة والعرفان لهم هدف واحد وهو الوصول إلى التوحيد، أي أدراك فلسفة الوجود.
    لكن الفلسفة والعرفان تفترقان، فِي معنى وحدة الوجود وفي الطريق للوصول إلى وحدة الوجود. الفيلسوف يُفسر معنى وحدة الوجود بمفهوم وحدة الوجود، إي ان مفهوم الوجود واحد إِنما للوجود مرتبتان: مرتبة واجبيه وهِي ما كان وجوبه عين ذاته، لذلك يكون وجوده مطلق غير محدود لا يشوبه النقص ولا العدم وهُو وجود الواجب تبارك وتعالى.
    وَالمرتبة الثانية مرتبة وجودية: وَهِي ما يكون وجودة عارض على ذاته، لذلك وجوده ناقصُ ومحدود ويشوبهُ العدم ويسمى الوجود الإمكانِي. والوجود الإمكانِي مستند ِإلى الوجود الواجبِي فهُناك موجودان وجود واجبِي وهو الله، ووجود إِمكانِي وهو ما سوى الله والثانِي يستند ِإلى الاول ولكن هُناك خيط يجمع هذان الوجودين وهو مفهوم الوجود، والطريق لتحليل وأدراك مفهوم الوجود ووحدته هُو العقل عبر تحليله.
    اما العرفاء يقلون نحنُ هدفنا من علم العرفان هُو الوصول إِلى وحدة الوجود، ولكن ما معنى وحدة الوجود لدى العرفاء وما هُو الطريق لديهم إلى وحدة الوجود؟، وحدة الوجود عند العرفاء بمعنى وحدة الموجود، إي انهُ لا يوجد في الوجود ِإلا وجود واحد وهُو الله وَ الباقي كلها إِشارات وَ ظِلال، وليست موجودات حقيقية، فما نراه من إِنسان او حيوان او شمسٍ او قمر ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ما هِي ِإلّا إِشارات لذلك الموجود الحقيقي المُسمى بالله تبارك وتعالى. والطريق ِإلى هذه المعنى ليس عبر العقل والتحليل كما في الطريق الفلسفي، إِنما عبر القلبِ وشهوده بمعنى ان العرفاء يسلكون طرق ومنازل وكرامات توصلهم إلى أن يكون لهم إدراك وجدانِي شهودي منه لا يرون موجودًا حقيقية غير الله تبارك وتعالى وما سواه مَا هُو ِإلا ظل له وَ إِشارة عليه.
    والعرفاء يستندون إِلى ظواهر بعض النصوص مثلًا مَا ورد فِي القرآن الكريم ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿للّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ يقلون العارف يصل ِإلى مرحلة يشهد نُّور الله في قلبهِ شهُودًا وجدانين. فهو كما يشعر بوجدانهِ الجوع ويشعر العطش والفرح ويشعر بالحزن، كما إِنه يذرك هذه المشاعر أدراك وجدانِي، كذلك يدرك نور الله في قلبه أدراك وجدانِيًا. وهذا ما يُستدل من الادعية الشريفة ”يا من ذل على ذاتهِ بذاتهِ“ يعني أنا لم أستذل عليك بمخلوقاتك بل بنورك الذي قذفتهُ فِي قلبي، ”يامن ذل على ذاتهِ بذاته، بك عرفتك وأنت دللتني عليك“، لأنك وضعت نورك وتجليت في قلبي، لذلك أدركت نورك إدراكًا قلبيًا وجدانِيًا.
    ويستدلون على هذا بالدعَاء الوارد عن الِإمام الحُسين فِي يوم عرفة، ”كيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ في وُجودِهِ مُفْتَقِرٌ إلَيْكَ؟! أيَكونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهورِ ما لَيْسَ لَكَ حَتَّي يَكونَ هُوَ المُظْهِرَ لَكَ؟، متى غبت حتى تحتاج ِإلى دليل يدل عليك ومتى كانت الاثار هِي التِي تدل عليك، عميت عين لا تراك عليها رقيب وخسرت صفقة عبد لم تجعل من ودك نصيب“.
    - الفرق بين الفقه والعرفان؟، الفقه يُقسم المنظومة المعرفية الاسلامية ِإلى ثلاثة أقسام: عقيدة واداب وتشريعات.
    العقيدة: هِي عبارة عن المعلومات المُتعلقة بأصول الدين وما يتفرع عليها.
    الاداب: هِي مجموعة الاخلاق التي حث عليها الاسلام كَ حُرمت الغيبة والكذب والنميمة والتواضع والامانة وحسن الظن.
    والتشريعات: هِي مجموعة الاحكام الشريعية من أوامر ونواهي التِي اذا التزم بها العبد كان مصداق للاستقامة كما فِي قوله تعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
    اما العرفاني يقول لا، أنا اشترك وأتفق مع الفقيه في منظومتان، هُناك في مجموعة المعارف الاسلامية عقيدة ونوع آخر نسميها اداب، ولكن الجزء الثالث التشريعات، يقول العرفاء ينقسم إِلى مراتب اربع: شريعة وطريقة وحقيقة ورقيقة الحقيقة.
    الشريعة: هِي الطقوس العبادية التِي نُمارسها، التزام الإنسان بالأحكام الشرعية بِإتقان هذا معناه تجاوز المرتبة الأولى من مراتب السلوك ِإلى الله وَ هُو ما يسمى بمرتبة الشريعة.
    ثم يصل الإنسان إلى المرتبة الثانية وهِي الطريقة: نبوت الاستعداد لدى النفس لتلقي الفِيوضات الالهية. فِإن النفس البشرية ِإذا طبقت التكاليف الشرعية أصبحت مُؤهله لأن يُفاض عليها النُّور الإلهِي وتتلقى الفيوضات الالهية. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ويكون وصل إلى مرتبة ثانية وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
    المرتبة الثالثة وهِي مرتبة الحقيقة: بمعنى ان العارف إذا سلك هذه المنازل والمقامات سيصل ِإلى درجة الوجود الوجدانِي الذي من خلالهِ لا يشهد ِإلّا الله وَ لا يرى ِإِلّا الله ولا يرى شيء أخر.
    وهذه هِي الحقيقة وهذه هُو الهدف من علم العرفان وهذا هُو المُبتغى المُعبر عنهُ بوحدة الوجود. لذلك يُركزون في هذا المعنى بالنصوص المتعلقة كما ورد عن أمير المؤمنين «ما رأيت شيئًا ِإلا ورأيت الله قبلهُ وبعده وفوقهُ وتحتهُ وفِيه».
    ورقيقة الحقيقة: هِي عبارة عن الظهور، لان الحقيقة هي منبع لهُ ظهور وظهور الحقيقة يسمى برقيقة الحقيقة. أضرب لك مثال: ليس كثل ظهور هُو رقيقة، مثلًا اذا رأينّا دخان فهُناك نار فالدخان ظهور للنار، لكنهُ ليس رقيقة لها، إذا رأينّا صورتنّا فِي المرآة هذا ظهور لنّا لكنه ليس رقيقة الحقيقة.
    رقيقة الحقيقة هِي الظهور الذي يتضمن خصائص المنبع وخصائص المدد، كيف؟
    المثل القرآنِي الآيات القرآنية كُلها رموز لهذه القضايا العرفانية ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَأوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ لاحظ هذا المصبح هُناك زيت وهذا الزيت يولد نُور وهذا النُور ينعكس على زجاجة المصباح. النور المستند ِإلى الزيت هُو الحقيقة وِانعكاس هذا النور على زجاجة المصباح رقيقة الحقيقة. وِإنما نسميه رقيقة الحقيقة لأنهُ ظهور بنفس النبع ظهور صافِي، لو لم يكن هذا الانعكاس صافي وشفافًا بحيث يظهر منهُ نقاء الزيت وسلامته لما سميناهُ رقيقة الحقيقة. رقيقة الحقيقة هي الخلاصة التي تتضمن خلاصة المنبع والمدد بحيث تكون تجلي صافيًا وشفافًا لذلك المنبع والمدد. وهذا الإنسانُ العارف الذي وصل من المقامات ِإلى حد إنهُ لم يدرك ِإلّا الله تبارك وتعالى تنعكس هذه الرؤية الإلهِية وهذا الشهود الوجدانِي لله تنعكس على سلوكه وحركاته فتكون حياته رقيقة الحقيقة ويكون قطعه من النُور تتحرك على الأرض. ولذلك ورد عن الإمام علي «ما يزال العبد يتقرب اليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا احببته كُنت سمعهُ الذي يسمع به وبصرهُ الذي يُبصر به ولسانهُ الذي ينطق به ويدهُ التِي يبطش بها».
    السؤال الثالث: مَا الفرق بين العرفان والتصوف؟، كثير يكون خلط بين التصوف والعرفان، الفارق الأساس بين التصوف والعرفان، هُو أن التصوف رياضات تستند إلى طرق مُنتهِية بسلسلة من الاسناد ِإلى ما يدعى إنه يستند إلى الإمام علي او الإمام زين العابدين . فالمتصوفة يُمارسون رياضات يدعون ان هذه الرياضات ورثوها بسند متسلسل بالإمام علي او الإمام زين العابدين عليهما السلام، ونحن لم يقم عندنا دليل على صحت هذه الطرق وانتمائها لأهل البيت لذلك لا نأخذ بهذه الطرق، ونعتبر هذا تصوف مُنعزل عن تراث اهل البيت .
    العرفان عبارة عن المُعطيات الروحِية من الأدعية الوارده عن علي وزين العابدين في الصحيفة السجادِية والأحاديث الوارده في مقام تربية النفس وإصلاحها. ولذلك عندنا بعض الروايات تدم التصوف مثلًا هذه الرواية ما رواه المحدث النوري في المستدرك الجزء الثاني عشر عن البزنطي عن الرضا علي السّلام قال: ”قال رجلُ من أصحابنا للصادق ، قد ظهر فِي هذا الزمان يعني في زمانِ الِإمام الصادق قومُ يُقال لهم الصوفِية، فما تقول فِيهم؟، قال إِنهُم من أعدائنّا فمن مال إِليهم فهُو منهُم وسيحشر معهم، وسيكون أقوامًا يدعون حُبًا ويميلون إليهم وَ يتشبهون بهم وَ يُلقبون انفسهم بألقابهم ويُئولون أقوالهم إِلّا فمن مَال ِإليهم ليس منّا وإِنّ منهُم بُراء“ هذه الرواية لا نعتمد عليها أولاً لضعفِ سندها المحدث النُّوري نقلها عن حديقة الشيعة للأردبيلي ولم تثبت حقيقة نسبة الكتاب للاردبيلي، ولم يذكر لها سندًا مُتصلًا، ولكن لو سلمنّا صحت سندها فهِي تدم التصوف وليس العرفان، أي تدم الطرق العِبادِية التي لم تستند إلى أهل البيت بسند صحيح وبطريق صحيح.


    المحور الثالث:
    العرفان ليس معلومات تقرأ في الكتاب، كثير من شبابنا يأخذ له كتاب فِي العرفان ويقرأ وبعد سنة يعتقد انهُ صار من أهل العرفان، لا أنت ما صرت انت بعدك في القطيف ما رحت مكان، العرفان ليس معلومات تقرأ وليس معلومات تُحفظ العرفان هُو علم تربوي. كما ان الطبيب لا يصبح طبيب إلّا اذا تدرب سنين على الطب كذلك علم العرفان تدريبي علم تربوي، يحتاج ِإلى أستاذ عارف. أي ان هُناك أستاذ خاض تجربة روحية عرفانية وتربى على يّد اساتذة عرفاء يكون هُو أستاذ في تربية الاخرين على طريق العرفان. والعرفان لهُ منازل ومقامات، اتعرض سريعًا لبعض المنازل والمقامات: المنزلُ الأول تهذيب النفس وتهذيب النفس يمر بالمحاسبة ثم المعاتبة ثم المُراقبة ثم المواظبة ثم المحاربة. وهذه الخطوات لخصها النبي المصطفى في قوله: «حَاسِبوا أنفسكُم قبل أن تحَاسبوا».
    المنزل الثاني من منزل تهذيب النفس تربية النفس، أي بعد اصلاحها وتهذيبها تنتقل ِإلى تربيتها، والتربية لها مراتب ثلاثة التحلي والتخلي والتجلي. فإِذا وصل الإِنسان ِإلى المرتبة الثالثة وهشي التجلِي بدأ يُبصر نُّور اللهِ فِي قلبهِ وبدأ يشعر بالتجلي الوجداني داخل وجدانه حينئذ مصداق للآية الشريفة ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
    ومقام الثالث ويعتبره علماء العرفان هُو الخطوة الأولى في السلوك الحقيقي إِلى الله وهُو الإرادة، الإرادة يعني الشعور بالغربة، الإنسان إذا مر بالمراحل التِي ذكرنها يصل إلى مرحلة يشعر انهُ غريب في الدنيا، الشعور بالغربة والوحدة والوحشى والظلمة، وإِنهُ مُفتقر ِإلى الله فِي كُل آن وفِي كُل لحظة، كما وصف ضرار الإمام علي «يسْتَوْحِشُ مِنَ الدُّنْيَا، وَزَهْرَتِهَا، وَيَسْتَأْنِسُ مِنَ اللَّيْلِ وَوَحْشَتِهِ» اذا وصل إِلى هذا المُستوى إنهُ في حال غربة ووحشة وفقر إلى الله تبارك وتعالى، حينئذ تعطر بعطر الإرادة، وهِي أول الخطوات المهمة فِي العروج ِإلى الله تبارك وتعالى.
    المقام الرابع يسمى الأسفار الأربعة، السفر من الخلق إلى الحق، القرآن يشير إلى هذا النوع من الأسفار عن النبي إِبراهيم يقول ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أين ذهب إِبراهيم؟، لم يذهب مكان بل هُو في حالة سفر سفر روحي قلبي، إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ. والسفر في الحق بالحق، بمعنى أنهُ يعيش مرحلة شهودية قلبية تعني التأمل في أسماء الله وصفاته، والسفر في الحق بالحق. هذان السفران يسمونهم قوس الصعود، ثم بعد ذلك يرجع. السفر من الحق ِإلى الخلق وَ السفر من الخلق بالحق وتسمى هذه الكره قوس النزول، وهذا الإنسان العرف في عين سفره إلى الحق وعين سفره إلى الحق بالحق هُو مسافر من الحق إلى الخلق وفي الحق بالحق، فهُو يعيش الكثرة بالوحدة يعيش وجدانية في الأسفار الأربعة في آن واحد بين قوس الصعود وقوس النزول.
    وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين عدة أحاديث تتحدث عن هذه الأسفار الأربعة عندما يقول ﴿هَجَمَ بِهِمُ العِلْمُ علي حَقِيقَةِ البَصِيرَةِ؛ وَ بَاشَرُوا رُوحَ اليَقِينِ؛ وَاسْتَلاَنُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ المُتْرَفُونَ، وَ أَنسُِوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الجَاهِلُونَ، وَ صَحِبُوا الدُّنيَا بِأَبْدانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَلإ الاَعْلَي‌﴾ ويقول الإمام علي وهُو يصفُ هؤلاء العرفاء يقول: «ان الله تبارك وتعالى جعل الذكر - نحنُ نستخف نفكر إنه فقط بعد الصلاة الواحد يقول سبحان الله واستغفر الله وتسبيحة الزهراء هذا الذكر، لا - الذكر خصوصًا بعد صلاة الصبح هذا وقت مهم جدًا للذكر، تجلس ربع ساعة بعد الصلاة في وقت قلبك صافي ومتوجه إلى الله تستغفر الله تُسبح الله، هذا الذكر له أثر كبير في صيغة شخصيتك صياغة روحية مُطمئنة إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاَءً لِلْقُلُوبِ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ، وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ، وَمَا بَرِحَ لِلَّه عَزَّتْ آلاَؤهُ فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ، وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ، عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِى فِكْرِهِمْ، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ» هؤلاء هم العرفاء الذين تقرأ عنهم في الأدعية المٌشرفة ”وَاَنِرْ اَبْصارَ قُلُوبِنا بِضِياءِ نَظَرِها اِلَيْكَ، حَتّى تَخْرِقَ اَبْصارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ اِلى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ، وَتَصيرَ اَرْواحُنا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ“، هذا العرفان هُو الذي ملئ قلب علي بن أبي طالب الذي يجعله إذا صلى ولا يشعر بالسهام تنفذ إلى جسده. هذا العرفان هُو الذي ملئ قلب الحُسين بن علي وكان يتذوق طعم الصلاة، ويُوصي أختهُ العقيلة بالصلاة، أُخية زينب ولا تنسيني من نَافلة الليل.



عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X