المبحث الأول: الغاية الإلهية من خلق البشرية
خلق الله تبارك وتعالى الخلق متفضلاً، ولم يخلقهم عبثاً ولم يتركهم هملاً. بل خلقهم وهو غني عنهم، لأجل حصولهم على مصالحهم الكبرى ووصولهم إلى كمالهم المنشود، المتمثل بإخلاص العبادة لله تعالى. قال (عزّ وجل): ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).
إن الآية واضحة في أن الغاية الأساسية والغرض الأصلي من إيجاد البشرية هي العبادة والوصول إلى الكمال وهو الهدف الوحيد المنحصر الذي لا شيء وراءه من خلقة البشرية، المعبر عنهم بالإنس. وهذا الهدف ملحوظ ومخطط بشكل خاص منذ بدء الخليقة، ويبقى -بطبيعة الحال- مواكباً لها ما دامت البشرية في الوجود، ومن هنا نجد أن الله تعالى لم يخلق البشرية لأجل مصلحته، فإنه غني عن العالمين، وإنما خلقهم لأجل مصلحتهم وأي مصلحة يريدها الله لعباده غير كمالهم ورشدهم وصلاحهم الناتج عن عبادتهم المخلصة والتوجه إليه بالخيرات نحوه جل جلاله.
أننا نجد بالوجدان القطعي أن هذا الغرض الإلهي المهم الذي نطقت به الآية بالمعنى الذي فهمناه، لم يحدث في تاريخ البشرية على الإطلاق منذ وجودها إلى العصر الحاضر وذلك لأن تسليم الإنسان وإيمانه بالغرض الإلهي لا يتأتى إلّا بعدة مقدمات هي:
الأولى: إدراك العقل لأهمية طاعة الله تعالى والخضوع له والانصياع إلى أوامره ونواهيه، باعتباره مستحقاً للعبادة مع غض النظر عن أي اعتبار آخر.
الثانية: العامل الأخروي المتمثل بالطمع بالثواب الذي رصده الله تعالى للمطيعين، والخوف من العقاب الذي توعد به العاصين والمذنبين.
الثالثة: الشعور بأهمية طاعة الله تعالى، باعتبارها الضمان الحقيقي للعدل المطلق، على المستويين الفردي والاجتماعي، أو بتعبير آخر: تربية الإخلاص الذاتي لطاعة الله تعالى باعتبار المعرفة الواضحة بضمانها للعدل المطلق.
دور الأنبياء (عليهم السلام) في تحقيق الغرض الإلهي:
إن البشرية في مبدأ أمرها لا تعرف ما هو العدل الكامل، ولا هي مخلصة له أو مستعدة للتضحية في سبيل تطبيقه لو عرفته.
فكان لابد لها -كجزء من التخطيط- أن تمر بتربية طويلة الأمد فكان أن تكفل الأنبياء (عليهم السلام) هذه المهمة، وهي تربية البشرية لتكون صالحة لفهم العدل الكامل. فكان كل نبي يشارك مشاركة جزئية قليلة أو كثيرة في ذلك، سواء علم الناس، بذلك في عصره أو جهلوه. لأن المهم هو تربيتهم الفكرية، وليس المهم الفاتهم بوضوح إلى هذا التخطيط.
وهذه التربية قد انتهت بجعل البشرية قابلة لفهم دولة العدل الإلهي الكاملة، فأرسل الله تعالى إليها دولة العدل الإلهي متمثلة بالإسلام. ولم تستطع البشرية إلى حد الآن أن توفر الشرط الثاني وهو استعدادها للتضحية في سبيل تطبيق العدل، وهي على أي حال في طريق التربية على ذلك.
دور الرسول الأكرم ݕ وأهل بيته (عليهم السلام) في التخطيط الإلهي:
شارك الأنبياء السابقون (عليهم السلام) في التبشير بدولة العدل الإلهي، واستمر عليه نبي الإسلام ݕ وخلفاؤه المعصومون (عليهم السلام).
فكان أن اضطلع النبي ݕ ومن بعده من المعصومين (عليهم السلام) بتهيئة الذهنية العامة للأجيال، عن ذلك بالتركيز على ثلاثة محاور وهي:
الأول: الإخبار بوجود الغرض الإلهي الكبير، والتبشير بتحقق اليوم الموعود الذي يأخذ فيه العدل الكامل طريقه إلى التطبيق.
الثاني: التأكيد على أن القائد الرائد لإنجاز ذلك الغرض الكبير، هو الإمام المهدي (عليه السلام) كما ورد في النصوص المتواترة عن النبي ݕ والأئمة (عليهم السلام) وهي أخبار مروية ومعترف بتواترها من قبل الفريقين.
الثالث: الإخبار بما سيقع في هذا العالم من ظلم وفساد، كما وردت بذلك جملة من الأخبار.
دور الأئمة (عليهم السلام) في التمهيد لدولة المهدي (عليه السلام):
عندما نتأمل في حياة الأئمة (عليهم السلام) ومواقفهم نعرف أن لكل منهم موقفاً ينصب في الغاية القصوى التي من أجلها بعث الرسل (عليهم السلام) وشرع الدين، فنشاهد أن أدوار أئمتنا (عليهم السلام) مختلفة فكل كان يهيئ الأرضية من جانب خاص وهذا لا يعني أن الزمان والوضع لم يكن لهما أي دور في تلك المواقف بل كان للظروف دور ولكنه هامشي لا يغير في الاستراتيجية بل له تأثير في الخطة والتكتيك.
فمثلاً الإمام الحسين (عليه السلام) كان بصدد إيجاد روحية أخذ الثأر الذي هو شعار المهدي (عجّل الله فرجه) وهو جانب روحي له دور رئيسي في قيام المهدي (عجّل الله فرجه) حيث أن شعاره هو يا لثارات الحسين وخروجه يوم عاشوراء وعدوه السفياني الذي هو امتداد يزيد بن معاوية.
كما أن الإمام الرضا (عليه السلام) بهجرته التاريخية تمكن من إيجاد المدرسة الخراسانية التي لها الأثر الكبير في تعزيز جيش الإمام المهدي (عليه السلام)، فغريب خراسان (عليه السلام) بهجرته المؤلمة وتحمله الصعوبات والضغوط الروحية والجسمية كان بصدد خلق أرضية عملية لتلك الدولة المباركة التي يتحدث عنها وهو في نيسابور كما في الحديث عن الهروي قال: سمعت دعبل ابن علي الخزاعي يقول: أنشدت مولاي علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قصيدتي التي أولها:
فلما انتهيت إلى قولي:
بكى الرضا (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثم رفع رأسه إليَّ فقال لي: «يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدرى من هذا الإمام ومتى يقوم»؟ فقلت لا يا مولاي إلّا أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً، فقال: «يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، ولو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً»(١).
وهكذا بالنسبة إلى سائر الأئمة (عليهم السلام)، كل له موقف ينصبُّ في الغاية القصوى التي من أجلها بعث الرسل وشرع الدين وذلك لا يتحقق إلّا بظهور الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه).
المهدي (عليه السلام) يهيئ ذهنية الأمة لليوم الموعود:
لقد كان للإمام المهدي (عليه السلام) نفسه دور في تهيئة الذهنية العامة للأمة لليوم الموعود، تلك التهيئة التي توفر له شروطه الأساسية. وذلك باتخاذه خطوات ثلاث:
الخطوة الأولى: إقامة الحجة على وجوده بتكرار المقابلات مع عدد من الناس كبير نسبياً وبذلك يؤسس للمسلمين أساس الصمود ضد واجهة كبرى للشك في وجوده.
الخطوة الثانية: إعطاء الفكرة التامة لدولة العدل الإلهي من غيبته وظهوره(٢).
الخطوة الثالثة: العمل على إزالة الظلم والطغيان، وحسب ما تقتضيه الحاجة من وجوده على مر التاريخ.
فالإمام المهدي (عليه السلام) في كل هذه الخطوات، يسير في خط التخطيط الإلهي العام لليوم الموعود، كما سار على ذلك الأنبياء والأئمة (عليهم السلام).
التمحيص الضخم:
إن الإنسان المسلم محتاج في استمراره على إخلاصه وإيمانه، إلى قوة الإرادة وشعور بالمسؤولية الإسلامية، أعلى من المستوى المطلوب. وكان الأشخاص الممثلون لهذا الإخلاص، قد نجحوا في عملية التمحيص والاختبار الإلهية، بهذا المقدار.
إلّا أن هذا المقدار غير كافٍ في إيجاد الإخلاص الذي يتطلبه القيام بمسؤولية اليوم الموعود، فكان لابد أن تمر الأمة بتمحيص ضخم وعملية غربلة حقيقية، حتى ينكشف كل فرد على حقيقته، فيفشل في هذا التمحيص كل شخص قابل للانحراف، لأجل أي نقص في إيمانه أو عقيدته أو إخلاصه.
المبحث الثاني: الإعداد الروحي لاستقبال دولة الامام المهدي (عليه السلام)
إن للتربية الروحية علاقة صميمة وارتباطاً وثيقاً بـ(استقامة المسيرة) على خط الإسلام فكرياً وعملياً لأنها تجعل المؤمن في علاقة محكمة مع الله يعبده ولا يعبد سواه، ويرجوه ولا يرجو غيره، ويخافه ولا يخاف غيره ويعمل له لا لغيره، يتأثر بوحيه، ورسالته، ويقطع صلة (التأثر) بالناس، ويقيم معهم بدل ذلك صلة (التأثير) والتوجيه.. لأن الانفصال عن الناس وحضارتهم.. وعن أهواء النفس وشهواتها لا يتم إلّا من خلال عمل تربوي جاد يبني الإنسان فيه نفسه مع الله تعالى ويقطعها به عما سواه.. وبكلمة يقطع قلبه وشعوره وكيانه عن كل شيء عدا الله تعالى وما أمر الله تعالى به (أن يوصل) بهذا وحده يمكن أن تستقيم مسيرة المؤمن وتثبت على خط الإسلام ويكون مستعداً لاستقبال دولة الإمام المهدي (عليه السلام) ويكون عضواً فعالاً فيها.
تكمن أهمية التربية الروحية في عصر الغيبة في عدة أمور هي:
١- الأثر الكبير في الحفاظ على الدين والثبات عليه والدفاع عنه في الأيام الصعبة، وامتصاص المحن والآلام التي يمر بها الإنسان المسلم في زمن الغيبة.
٢- الوعي الإيماني بدولة العدل الإلهي وتعني -هنا- المدركات الذهنية التي تتمتع بالاستحضار المستمر، والمعايشة الدائمة لذكر الإمام (عجّل الله فرجه) من قبل الإنسان المؤمن وإحساسه بوجوده معه ويرى سلوكياته.
٣- الوجدان الإسلامي ويشمل العواطف كحب الإمام (عليه السلام)، والخوف عليه، والرجاء من الله تعالى بتعجيل ظهوره، والغضب له.
٤- تقوية الإرادة، والإخلاص، أو الدافع الديني في شخصية الإنسان المسلم، الذي ينظم حركة هذه الشخصية وتصرفاتها، ويعتبر الجهاز الحاكم فيها في زمن الغيبة.
٥- توحيد المنطلق النفسي للمؤمنين في العمل (الدافع والهدف) في حب الرسالة وتطبيقها، والحرص على المصلحة الدينية وإعلائها وتفضيلها على الرغبات الشخصية والأهداف الذاتية التي تختلف عادة من شخص إلى آخر نتيجة (اختلاف الآراء، والمصالح الشخصية التي تغلب على المصلحة العامة عند بعض الناس، واختلاف المذاقات والمشاعر... إلخ).
الأهداف التربوية لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام):
إن قضية الإمام المهدي (عليه السلام) كقضية الإمام الحسين (عليه السلام) لها أبعاد كثيرة في بناء المجتمع المسلم عقائدياً وتربوياً وأخلاقياً وثقافياً ومعنوياً. والحديث فيها واسع، حيث إنها تمثّل تفسيراً للتاريخ يتطابق مع النظرية القرآنية التي ترى وراثة الأرض للصالحين من عباد الله.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذكْرِ أنّ الأرْضَ يَرِثُها عباديَ الصّالِحُون﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
إن قضية الإمام المهدي (عليه السلام) من وجهة نظر أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم تمثّل تجسيداً حيّاً للدولة العادلة وتكامل المجتمع المسلم فيها، ليس على مستوى المستقبل غير المنظور فحسب، بل على مستوى الحاضر المعاش الذي يجسّد هذا المستقبل من خلال وجوده الشريف وحياته الفعلية.
ويعطي هذا الاعتقاد وضوحاً في الرؤية للتاريخ الإنساني، وفهماً للسنن الإلهية في التاريخ التي تحدّث عنها القرآن الكريم.
والذي يعنينا هنا هو الإشارة إلى بعض الأهداف التربوية لغيبة الإمام (عليه السلام) والتي تساهم في تكامل المجتمع المسلم بالقدر الذي يساهم في فهم منهج الأئمة (عليهم السلام) في بناء هذا المجتمع من خلال قضية الإمام المهدي (عليه السلام) ونشير بصورة إجمالية إلى أهم هذه الأهداف وه
خلق الله تبارك وتعالى الخلق متفضلاً، ولم يخلقهم عبثاً ولم يتركهم هملاً. بل خلقهم وهو غني عنهم، لأجل حصولهم على مصالحهم الكبرى ووصولهم إلى كمالهم المنشود، المتمثل بإخلاص العبادة لله تعالى. قال (عزّ وجل): ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).
إن الآية واضحة في أن الغاية الأساسية والغرض الأصلي من إيجاد البشرية هي العبادة والوصول إلى الكمال وهو الهدف الوحيد المنحصر الذي لا شيء وراءه من خلقة البشرية، المعبر عنهم بالإنس. وهذا الهدف ملحوظ ومخطط بشكل خاص منذ بدء الخليقة، ويبقى -بطبيعة الحال- مواكباً لها ما دامت البشرية في الوجود، ومن هنا نجد أن الله تعالى لم يخلق البشرية لأجل مصلحته، فإنه غني عن العالمين، وإنما خلقهم لأجل مصلحتهم وأي مصلحة يريدها الله لعباده غير كمالهم ورشدهم وصلاحهم الناتج عن عبادتهم المخلصة والتوجه إليه بالخيرات نحوه جل جلاله.
أننا نجد بالوجدان القطعي أن هذا الغرض الإلهي المهم الذي نطقت به الآية بالمعنى الذي فهمناه، لم يحدث في تاريخ البشرية على الإطلاق منذ وجودها إلى العصر الحاضر وذلك لأن تسليم الإنسان وإيمانه بالغرض الإلهي لا يتأتى إلّا بعدة مقدمات هي:
الأولى: إدراك العقل لأهمية طاعة الله تعالى والخضوع له والانصياع إلى أوامره ونواهيه، باعتباره مستحقاً للعبادة مع غض النظر عن أي اعتبار آخر.
الثانية: العامل الأخروي المتمثل بالطمع بالثواب الذي رصده الله تعالى للمطيعين، والخوف من العقاب الذي توعد به العاصين والمذنبين.
الثالثة: الشعور بأهمية طاعة الله تعالى، باعتبارها الضمان الحقيقي للعدل المطلق، على المستويين الفردي والاجتماعي، أو بتعبير آخر: تربية الإخلاص الذاتي لطاعة الله تعالى باعتبار المعرفة الواضحة بضمانها للعدل المطلق.
دور الأنبياء (عليهم السلام) في تحقيق الغرض الإلهي:
إن البشرية في مبدأ أمرها لا تعرف ما هو العدل الكامل، ولا هي مخلصة له أو مستعدة للتضحية في سبيل تطبيقه لو عرفته.
فكان لابد لها -كجزء من التخطيط- أن تمر بتربية طويلة الأمد فكان أن تكفل الأنبياء (عليهم السلام) هذه المهمة، وهي تربية البشرية لتكون صالحة لفهم العدل الكامل. فكان كل نبي يشارك مشاركة جزئية قليلة أو كثيرة في ذلك، سواء علم الناس، بذلك في عصره أو جهلوه. لأن المهم هو تربيتهم الفكرية، وليس المهم الفاتهم بوضوح إلى هذا التخطيط.
وهذه التربية قد انتهت بجعل البشرية قابلة لفهم دولة العدل الإلهي الكاملة، فأرسل الله تعالى إليها دولة العدل الإلهي متمثلة بالإسلام. ولم تستطع البشرية إلى حد الآن أن توفر الشرط الثاني وهو استعدادها للتضحية في سبيل تطبيق العدل، وهي على أي حال في طريق التربية على ذلك.
دور الرسول الأكرم ݕ وأهل بيته (عليهم السلام) في التخطيط الإلهي:
شارك الأنبياء السابقون (عليهم السلام) في التبشير بدولة العدل الإلهي، واستمر عليه نبي الإسلام ݕ وخلفاؤه المعصومون (عليهم السلام).
فكان أن اضطلع النبي ݕ ومن بعده من المعصومين (عليهم السلام) بتهيئة الذهنية العامة للأجيال، عن ذلك بالتركيز على ثلاثة محاور وهي:
الأول: الإخبار بوجود الغرض الإلهي الكبير، والتبشير بتحقق اليوم الموعود الذي يأخذ فيه العدل الكامل طريقه إلى التطبيق.
الثاني: التأكيد على أن القائد الرائد لإنجاز ذلك الغرض الكبير، هو الإمام المهدي (عليه السلام) كما ورد في النصوص المتواترة عن النبي ݕ والأئمة (عليهم السلام) وهي أخبار مروية ومعترف بتواترها من قبل الفريقين.
الثالث: الإخبار بما سيقع في هذا العالم من ظلم وفساد، كما وردت بذلك جملة من الأخبار.
دور الأئمة (عليهم السلام) في التمهيد لدولة المهدي (عليه السلام):
عندما نتأمل في حياة الأئمة (عليهم السلام) ومواقفهم نعرف أن لكل منهم موقفاً ينصب في الغاية القصوى التي من أجلها بعث الرسل (عليهم السلام) وشرع الدين، فنشاهد أن أدوار أئمتنا (عليهم السلام) مختلفة فكل كان يهيئ الأرضية من جانب خاص وهذا لا يعني أن الزمان والوضع لم يكن لهما أي دور في تلك المواقف بل كان للظروف دور ولكنه هامشي لا يغير في الاستراتيجية بل له تأثير في الخطة والتكتيك.
فمثلاً الإمام الحسين (عليه السلام) كان بصدد إيجاد روحية أخذ الثأر الذي هو شعار المهدي (عجّل الله فرجه) وهو جانب روحي له دور رئيسي في قيام المهدي (عجّل الله فرجه) حيث أن شعاره هو يا لثارات الحسين وخروجه يوم عاشوراء وعدوه السفياني الذي هو امتداد يزيد بن معاوية.
كما أن الإمام الرضا (عليه السلام) بهجرته التاريخية تمكن من إيجاد المدرسة الخراسانية التي لها الأثر الكبير في تعزيز جيش الإمام المهدي (عليه السلام)، فغريب خراسان (عليه السلام) بهجرته المؤلمة وتحمله الصعوبات والضغوط الروحية والجسمية كان بصدد خلق أرضية عملية لتلك الدولة المباركة التي يتحدث عنها وهو في نيسابور كما في الحديث عن الهروي قال: سمعت دعبل ابن علي الخزاعي يقول: أنشدت مولاي علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قصيدتي التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة | ومنزل وحي مقفر العرصات |
خروج إمام لا محالة خارج يميز فينا كل حق وباطل |
يقوم على اسم الله والبركات ويجزي على النعماء والنقمات |
وهكذا بالنسبة إلى سائر الأئمة (عليهم السلام)، كل له موقف ينصبُّ في الغاية القصوى التي من أجلها بعث الرسل وشرع الدين وذلك لا يتحقق إلّا بظهور الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه).
المهدي (عليه السلام) يهيئ ذهنية الأمة لليوم الموعود:
لقد كان للإمام المهدي (عليه السلام) نفسه دور في تهيئة الذهنية العامة للأمة لليوم الموعود، تلك التهيئة التي توفر له شروطه الأساسية. وذلك باتخاذه خطوات ثلاث:
الخطوة الأولى: إقامة الحجة على وجوده بتكرار المقابلات مع عدد من الناس كبير نسبياً وبذلك يؤسس للمسلمين أساس الصمود ضد واجهة كبرى للشك في وجوده.
الخطوة الثانية: إعطاء الفكرة التامة لدولة العدل الإلهي من غيبته وظهوره(٢).
الخطوة الثالثة: العمل على إزالة الظلم والطغيان، وحسب ما تقتضيه الحاجة من وجوده على مر التاريخ.
فالإمام المهدي (عليه السلام) في كل هذه الخطوات، يسير في خط التخطيط الإلهي العام لليوم الموعود، كما سار على ذلك الأنبياء والأئمة (عليهم السلام).
التمحيص الضخم:
إن الإنسان المسلم محتاج في استمراره على إخلاصه وإيمانه، إلى قوة الإرادة وشعور بالمسؤولية الإسلامية، أعلى من المستوى المطلوب. وكان الأشخاص الممثلون لهذا الإخلاص، قد نجحوا في عملية التمحيص والاختبار الإلهية، بهذا المقدار.
إلّا أن هذا المقدار غير كافٍ في إيجاد الإخلاص الذي يتطلبه القيام بمسؤولية اليوم الموعود، فكان لابد أن تمر الأمة بتمحيص ضخم وعملية غربلة حقيقية، حتى ينكشف كل فرد على حقيقته، فيفشل في هذا التمحيص كل شخص قابل للانحراف، لأجل أي نقص في إيمانه أو عقيدته أو إخلاصه.
المبحث الثاني: الإعداد الروحي لاستقبال دولة الامام المهدي (عليه السلام)
إن للتربية الروحية علاقة صميمة وارتباطاً وثيقاً بـ(استقامة المسيرة) على خط الإسلام فكرياً وعملياً لأنها تجعل المؤمن في علاقة محكمة مع الله يعبده ولا يعبد سواه، ويرجوه ولا يرجو غيره، ويخافه ولا يخاف غيره ويعمل له لا لغيره، يتأثر بوحيه، ورسالته، ويقطع صلة (التأثر) بالناس، ويقيم معهم بدل ذلك صلة (التأثير) والتوجيه.. لأن الانفصال عن الناس وحضارتهم.. وعن أهواء النفس وشهواتها لا يتم إلّا من خلال عمل تربوي جاد يبني الإنسان فيه نفسه مع الله تعالى ويقطعها به عما سواه.. وبكلمة يقطع قلبه وشعوره وكيانه عن كل شيء عدا الله تعالى وما أمر الله تعالى به (أن يوصل) بهذا وحده يمكن أن تستقيم مسيرة المؤمن وتثبت على خط الإسلام ويكون مستعداً لاستقبال دولة الإمام المهدي (عليه السلام) ويكون عضواً فعالاً فيها.
تكمن أهمية التربية الروحية في عصر الغيبة في عدة أمور هي:
١- الأثر الكبير في الحفاظ على الدين والثبات عليه والدفاع عنه في الأيام الصعبة، وامتصاص المحن والآلام التي يمر بها الإنسان المسلم في زمن الغيبة.
٢- الوعي الإيماني بدولة العدل الإلهي وتعني -هنا- المدركات الذهنية التي تتمتع بالاستحضار المستمر، والمعايشة الدائمة لذكر الإمام (عجّل الله فرجه) من قبل الإنسان المؤمن وإحساسه بوجوده معه ويرى سلوكياته.
٣- الوجدان الإسلامي ويشمل العواطف كحب الإمام (عليه السلام)، والخوف عليه، والرجاء من الله تعالى بتعجيل ظهوره، والغضب له.
٤- تقوية الإرادة، والإخلاص، أو الدافع الديني في شخصية الإنسان المسلم، الذي ينظم حركة هذه الشخصية وتصرفاتها، ويعتبر الجهاز الحاكم فيها في زمن الغيبة.
٥- توحيد المنطلق النفسي للمؤمنين في العمل (الدافع والهدف) في حب الرسالة وتطبيقها، والحرص على المصلحة الدينية وإعلائها وتفضيلها على الرغبات الشخصية والأهداف الذاتية التي تختلف عادة من شخص إلى آخر نتيجة (اختلاف الآراء، والمصالح الشخصية التي تغلب على المصلحة العامة عند بعض الناس، واختلاف المذاقات والمشاعر... إلخ).
الأهداف التربوية لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام):
إن قضية الإمام المهدي (عليه السلام) كقضية الإمام الحسين (عليه السلام) لها أبعاد كثيرة في بناء المجتمع المسلم عقائدياً وتربوياً وأخلاقياً وثقافياً ومعنوياً. والحديث فيها واسع، حيث إنها تمثّل تفسيراً للتاريخ يتطابق مع النظرية القرآنية التي ترى وراثة الأرض للصالحين من عباد الله.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذكْرِ أنّ الأرْضَ يَرِثُها عباديَ الصّالِحُون﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
إن قضية الإمام المهدي (عليه السلام) من وجهة نظر أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم تمثّل تجسيداً حيّاً للدولة العادلة وتكامل المجتمع المسلم فيها، ليس على مستوى المستقبل غير المنظور فحسب، بل على مستوى الحاضر المعاش الذي يجسّد هذا المستقبل من خلال وجوده الشريف وحياته الفعلية.
ويعطي هذا الاعتقاد وضوحاً في الرؤية للتاريخ الإنساني، وفهماً للسنن الإلهية في التاريخ التي تحدّث عنها القرآن الكريم.
والذي يعنينا هنا هو الإشارة إلى بعض الأهداف التربوية لغيبة الإمام (عليه السلام) والتي تساهم في تكامل المجتمع المسلم بالقدر الذي يساهم في فهم منهج الأئمة (عليهم السلام) في بناء هذا المجتمع من خلال قضية الإمام المهدي (عليه السلام) ونشير بصورة إجمالية إلى أهم هذه الأهداف وه
تعليق