إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

نوافذُ على أطلال مؤتة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • نوافذُ على أطلال مؤتة


    أصبحت كلّ غزوة من الغزوات الإسلامية مدرسة بحدّ ذاتها لتُخرّج شخصيات إسلامية، سُطّرت أمجادها بسطور من ذهب تُبهر الناظرين،

    فأطلق الرسول الأكرم صلى الله عليه واله عنان تلك النفوس الطاهرة لتُسابق الرياح بما وعدها الباري عز وجل من الفوز العظيم،

    فرَسم منهجاً مَن سلكه لا يسلك سقر، فكان شهر جمادي الآخرة زمناً موافقاً لغزوة مؤتة؛ لنرنوا من خلال نوافذها الخُلقية والأخلاقية

    على مجرياتها؛ للرقي بالإسلام والمسلمين، ومن هذه النوافذ:

    النافذة الأولى/ (عُدة وعتاد):

    في شهر جمادي الآخرة من السنة الثامنة للهجرة تهيّأ جيش المسلمين إلى أرض الشام مستعدياً لقطع الصحراء القاحلة حتى بلغوا وادي القُرى،

    حينما تحرك المسلمون تحرك الروم بجيش يتألف من مائة ألف مقاتل، وانضم إليه مائة ألف من منتصرة العرب، فازدادوا رعباً،

    وهموا بالتراجع فهبّت عليهم نفحات أريج دعوات النبي الأكرم صلى الله عليه واله؛ فثبتت أقدامهم، وزادت من رباطة جأشهم، وشكيمة قلوبهم،

    فكانت ترسم مخيلتهم درباً مضيئاً لخوض معركة ضارية وعُدّ عتادهم الذي سلّحهم به النبي الأكرم صلى الله عليه واله.

    النافذة الثانية/ (النهج النبوي الوحدوي والحضاري):

    نهجٌ اعتمده النبي الأكرم صلى الله عليه واله في بناء الأمة بتركيز الهوية المشتركة وهي الإسلام، لتكون حقوق سائر الهويات والتي لم يتنكر

    الإسلام لها كالقبيلة والوطن والقوم، وإنما حارب التوجهات السلبية فيها، وضخ في المجتمع الجديد ثقافة وحدوية تعالج آثار المفاضلة

    القبلية السائدة والحرص على تحقيق الشركة الاجتماعية بين مختلف الأطراف لبناء واتخاذ القرار وإدارة الأمور حينما اختار زيد بن حارثة

    إلى جانب جعفر الطيار مع اعتراض البعض على تعيين زيد بن حارثة لأسباب قبلية نبضت في أعراقهم.

    النافذة الثالثة/ (رحيق النبوة وشذى الإمامة):

    استطاعت غزوة مؤتة بأحداثها ونتائجها أن تتوج ملكاً لها باختيار حبيب الخلق محمد صلى الله عليه واله لجعفر بن أبي طالب،

    فكان لأركان جسمه المتين وخُلقه المنسّق أحسن الأثر في محاكاة نفسه لنفس النبي بالخُلق؛ إذ لا يختص بزمان طفولة جعفر عليه السلام،

    بل إن بعضه يختص بزمان فتوّته وشبابه، وتنامى التشابه بين جعفر بن أبي طالب عليه السلام وبين الرسول صلى الله عليه واله

    كلّما خَطَتْ به السنون، حتى إذا بلغ مبلغ الرجال برزت معالم الشبه جلية واضحة، وبلغت من الوضوح في بطولته وشجاعته

    وهما ميراثه كما أنهما ميراثه من ابن عمّه وأخيه عليهم السلام، فمن خلال أنصاره في بوتقة النبوة امتلك من الأرصدة الضخمة في الكفاءات

    والثبات؛ لأنه كان فارس بدر، وأحد، والأحزاب، وخيبر فبات مرجعاً لأساليب القتال، ومنها عَقر فرسه الشقراء أمام الأعداء

    ليُعطي مثلاً رائعاً على قوة العزيمة وحب التضحية، ولينتزع نشوة النصر من فرسان الروم.

    النافذة الرابعة/ (صورٌ متباينة):

    أفرزت غزوة مؤتة إفرازات عديدة متباينة خرجت من الجهتين، إحداهما جبهة الأخلاق الإسلامية السامية المتجسدة

    في النبي الأكرم صلى الله عليه واله والطيار عليه السلام الذين (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ(/ (الأحزاب:23)،

    والجبهة الثانية الأخلاق الجاهلية ومَصادقيها (مناصرة العرب والروم) وفصيلتهما التي تأويهما.

    فتنشقت صفحات كتب التاريخ أنسام صفحات الجبهة الأخلاقية الإسلامية واشتاقت أن تتعطر بها أحفادها وتمزجه مسكاً ضُوّع

    بين أجيالها وشدواً نُشر في سماء زماننا.

    نادية حمادة الصائغ

    تم نشره في مجلة رياض الزهراء العدد57
عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X