إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الإمام الكاظم(ع) وتثقيف أصحابه برفض السلطة المنحرفة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الإمام الكاظم(ع) وتثقيف أصحابه برفض السلطة المنحرفة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
    وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك

    وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
    السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته
    في مواجهته(ع) للعباسيّين، كان يقوم بتثقيف أصحابه بالرفض الفكري للسلطة المنحرفة، انطلاقاً من عدم شرعيتها، ولكنه في الوقت نفسه كان يعمل على معالجة الموضوع بالحكمة والمرونة العمليّة، فنراه في بعض الحالات يرفض لبعض أصحابه العمل مع السلطة من حيث المبدأ ويوحي له بالترك المطلق، بينما يؤكّد على بعضهم البقاء في عملهم داخل السلطة، ويشترط عليهم الالتزام برعاية إخوانهم وتفضيلهم على أساس استحقاقهم لذلك، من خلال ظلم الآخرين لهم وإهمالهم لحقوقهم بسبب انتمائهم أو انتسابهم لأهل البيت(ع).

    فمن الفريق الأول صفوان الجمّال، وذلك في ما رواه الكشي في "رجاله"، أي في كتابه، عن حمدويه قال: "حدّثني محمد بن إسماعيل الرازي قال: حدّثني الحسن بن علي بن فضال قال: حدّثني صفوان بن مهران الجمّال، قال: دخلت على أبي الحسن الأول الكاظم(ع) فقال: يا صفوان، كلُّ شي‏ءٍ منك حَسَنٌ جميل ما خلا شيئاً واحداً، قلت: جُعلت فداك أيّ شي‏ء؟ قال: إكراؤك جمَالَك من هذا الرجل ـ يعني هارون ـ قلت: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا للهو، ولكني أكريته لهذا الطريق ـ يعني طريق مكّة ـ ولا أتولاه ولكنْ أبعثُ معه غلماني، فقال لي: يا صفوان، أيقع أكراك عليهم؟ قلت: نعم جُعلت فداك، فقال لي: أتحبُّ بقاءَهم حتى يخرج كراك؟ قلت: نعم، قال: فمن أحبَّ بقاءهم فهو منهم، ومَن كان منهم ورد النّار. فقال صفوان: فذهبت وبعت جمالي عن آخرها، فبلغ ذلك إلى هارون، فدعاني وقال: يا صفوان، بلغني أنَّك بعت جمالك، قلت: نعم، قال: لِمَ؟ قلت: أنا شيخٌ كبيرٌ وإنَّ الغلمان لا يفون بالأعمال، فقال: هيهات هيهات، إنّي لأعلم من أشار عليك بهذا، أَشَارَكَ موسى بن جعفر، فقلت: ما لي ولموسى بن جعفر، فقال: دعْ عنك هذا، فوالله لولا صحبتُك لقتلتك"(38).

    إنَّنا نلاحظ في هذه الرواية أنَّ الإمام كان حاسماً مع صفوان في ترك عمله، من خلال الإيحاء بأنَّ القضيّة ليست قضيّة العمل في ذاته في شرعيته الذاتية ليدور الحديث حول خصوصيته، وأنَّه ليس للصيد أو للهو أو نحو ذلك، مما كان يتعارف من سفر الخلفاء لأجله، ولهدف الترفيه عن أنفسهم والتسلية، بل هو لحجِّ بيت الله الحرام، بل القضيّة قضيّة الحالة النفسيّة التي قد يعيشها (صفوان) في الرغبة في بقائهم حتى تخرج إليه أجرتُه، ما قد يعني بعض التعاطف مع أوضاعهم العامة بشكل غير مباشر، في ما تشتمل عليه هذه الأوضاع من الظلم والعدوان وارتكاب المحرّمات.. وربما يمتدُّ الأمر إلى أبعد من ذلك في الاقتراب النفسيّ بفعل المصالح المتبادلة التي تدفع الإنسان إلى الانفتاح على الظَلَمة الذين يتعامل معهم بشكل منفتح من دون أيِّ تحفّظ، فيؤثّر ذلك على الموقف كلِّه.

    وإذا عرفنا أنَّ عمل صفوان لا يتصل بالقضايا العامة للمسلمين والشيعة بالخصوص، فلن يكون هناك ضررٌ من خروجه ومن عمله لهم، بينما يتأكّد الموقف الحركيّ في الأجواء العامة للحركة الإماميّة في اختزان الرفض السلبيّ للواقع كلِّه لهؤلاء.. وربما لا يمثّل هذا الموقف قاعدة لأمثال هذه الحالة، بل لا بدَّ من دراسة الظروف الموضوعيّة المحيطة بكلِّ حالة للتعرّف على النتائج السلبيّة أو الإيجابيّة المتصلة بها لتحديد الحكم الشرعي على أساس ذلك، لا سيما إذا عرفنا أنَّ المسألة هي التعاطف مع هؤلاء وأمثالهم بالرغبة في بقائهم، مما قد يكون بعض الناس في عصمةٍ ذاتية ومناعة روحيّة ضدَّ ذلك.

    ومن الفريق الثاني: عليّ بن يقطين، وهو أيضاً من أصحاب الكاظم(ع)، فقد ورد في رجال الكشي "عن محمد بن إسماعيل عن إسماعيل بن مراد عن بعض أصحابنا، أنَّه لما قَدِم أبو إبراهيم ـ وهو لقب الإمام(ع) العراق، قال عليّ بن يقطين: أما ترى حالي وما أنا فيه، فقال: "يا عليّ، إنَّ لله تعالى أولياء مع أولياء الظَلَمة ليدفع بهم عن أوليائه، وأنت منهم يا عليّ"(39). ومما تجدر الإشارة إليه، أنَّ عليّ بن يقطين كان يعمل وزيراً لهارون الرشيد.

    وقد جاء في قرب الإسناد عن محمد بن عيسى عن عليِّ بن يقطين أو عن زيد عن علي بن يقطين، أنَّه كتب إلى أبي الحسن موسى(ع): "أنَّ قلبي يضيق مما أنا عليه من عمل السلطان، فإن أذنت لي ـ جعلني الله فداك ـ هربت منه، فرجع الجواب: لا آذن لك بالخروج من عملهم واتّقِ الله"(40).

    وقد جاء في الكافي عن محمد بن يحيى عمّن ذكره عن عليّ بن أسباط عن إبراهيم بن أبي محمود عن عليّ بن يقطين، قال: قلت لأبي الحسن(ع): ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال: "إن كنت فاعلاً فاتّق أموال الشيعة. قال: فأخبرني عليّ بن يقطين أنَّه كان يجبيها من الشيعة علانيةً ويردُّها عليهم في السرّ"(41).

    فقد نلاحظ أنَّ عليّ بن يقطين كان يمثّل مركز قوّةٍ في مركز الخلافة، وكان الإمام الكاظم(ع) يرى فيه ضمانةً كبيرة لدفع الظلم عن أولياء الله، وعن حماية أموالهم وأنفسهم.. ما يجعل وجوده ضروريّاً على مستوى حماية الحركة الإسلامية الإماميّة في أتباعها ومواقعها، ولذلك لم يرضَ له الإمام بالاستقالة، بل فرض عليه البقاء بالشروط الشرعيّة التي تتمثّل في السير في هذا الخطّ.

    وقد نقلت كتب سيرة الإمام الكاظم(ع) أنَّه كان يتعهّد علياً بالرعاية له في عمله حتى لا يقع في مكيدة الذين يدبّرون له المكائد للإيقاع به عند الرشيد، وكان من وصاياه له: "فإنَّ لنا بك أنساً، ولإخوانك بك عزّاً، وعسى أن يجبر الله بك كسراً، ويكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه.. يا عليّ، كفارة أعمالكم الإحسانُ إلى إخوانكم، اضمن لي واحدةً وأضمن لك ثلاثاً، اضمن لي ألا تلقى أحداً من أوليائنا إلاَّ قضيت حاجته وأكرمته، وأضمن لك ألاَّ يظلّك سقف سجن أبداً، ولا ينالك حدُّ سيف أبداً، ولا يدخل الفقر بيتك أبداً.. يا عليّ، مَن سرَّ مؤمناً فبالله بدأ، وبالنبيِّ(ص) ثنّى، وبنا ثلّث"(42).

    ويروي المفيد في الإرشاد عن ابن سنان قال: "حمل الرشيد في بعض الأيام إلى عليِّ بن يقطين ثياباً أكرمه بها، وكان في جملتها دُرّاعةُ خزٍّ سوداءُ من لباس الملوك مُثقلة بالذهب، فأنفذَ علي بن يقطين جُلَّ تلك الثياب إلى موسى بن جعفر، وأنفذ في جملتها تلك الدُّرّاعة، وأضاف إليها مالاً كان عنده على رسمٍ له في ما يحمله إليه من خُمس ماله.. فلما وصل ذلك إلى أبي الحسن(ع) قَبِلَ المالَ والثياب، وردَّ الدُّرّاعة على يد الرسول إلى عليِّ بن يقطين ، وكتب إليه: "احتفظ بها ولا تُخرجها عن يدك، فسيكون لكَ بها شأنٌ تحتاج إليها معه"، فارتاب علي بن يقطين بردِّها عليه، ولم يدر ما سببُ ذلك، واحتفظ بالدُّرّاعة. فلما كان بعد أيام، تغيّر علي بن يقطين على غلامٍ كان يختصُّ به، فصرفه عن خدمته، وكان الغلام يعرف ميلَ عليِّ بن يقطين إلى أبي الحسن موسى(ع)، ويقف على ما يحمله إليه في كلِّ وقتٍ من مالٍ وثياب وألطاف وغير ذلك، فسعى به إلى الرشيد فقال: إنَّه يقول بإمامة موسى بن جعفر، ويحمل إليه خُمْسَ ماله في كلِّ سنة، وقد حمل إليه الدُّرّاعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين في وقت كذا وكذا. فاستشاط الرشيد لذلك وغضب غضباً شديداً، وقال: لأكشفنَّ عن هذه الحال، فإن كان الأمر صحيحاً كما تقول أزهقتُ نفسه.

    وأنفذ في الوقت بإحضار عليِّ بن يقطين، فلما مَثُلَ بين يديه قال له: ما فعلتِ الدُّرّاعةُ التي كسوتُك بها؟ قال: هي يا أمير المؤمنين عندي في سَفَطٍ مختومٍ فيه طيبٌ قد احتفظت بها، قلَّما أصبحت إلاَّ وفتحتُ السَفَطَ ونظرتُ إليها تبرّكاً بها وقبّلتُها ورددتُها إلى موضعها، وكلما أمسيتُ صنعتُ بها مثل ذلك.

    قال: أحضرها الساعة، قال: نعم يا أمير المؤمنين. واستدعى بعض خدمه فقال له: إمضِ إلى البيت الفلانيّ من داري فخذ مفتاحه من خزانتي وافتحه، ثم افتح الصندوق الفلانيّ فجئني بالسَفَط الذي فيه بختمه، فلم يلبث الغلام أن جاء بالسَفَط مختوماً، فوُضِع بين يدي الرشيد، فأمر بكسر ختمه وفتحه.. فلما فُتِح نظر إلى الدُّرّاعة فيه بحالها، مطويّة مدفونة في الطيب، فسكن الرشيد من غضبه، ثم قال لعليِّ بن يقطين: اردُدها إلى مكانها وانصرف راشداً، فلن أصدّق عليك بعدها ساعياً"(43).

    إننا نستوحي من إبقاء الكاظم(ع) لعليّ بن يقطين في وظيفته في السلطة العباسيّة ضرورة التوفّر على اختيار بعض الشخصيّات الموثوقة التي تملك الكفاءة والأمانة الدينيّة للدخول في مراكز النفوذ الرسميّ في الدولة الظالمة أو المنحرفة، وذلك من أجل المصالح الإسلامية العليا على مستوى حماية الإسلام أو المسلمين أو التيارات الإسلامية الفاعلة، لأنَّ وجودها في هذه المواقع يحفظ الكثير من الأوضاع والمواقف ويحقّق الكثير من الإيجابيّات على أكثر من صعيد.

    ومن الفريق الثالث: زياد بن أبي سلمة، فقد جاء في كتاب الكافي في ما رواه الحسين بن الحسن الهاشميّ عن صالح بن أبي حماد عن محمد بن خالد عن زياد بن أبي سلمة قال: دخلت على أبي الحسن موسى(ع) فقال لي: "يا زياد، إنَّك لتعمل عمل السلطان، قال: قلت: أجل، قال لي: يا زياد، لئن أسقط من حالق( * ) فأنقطع قطعة قطعة، أحبُّ إليَّ من أن أتولّى لأحدٍ منهم عملاً أو أطأ بساط رجلٍ منهم، إلاَّ لماذا؟ قلت: لا أدري جُعلت فداك، قال: إلاَّ لتفريج كربة مؤمنٍ أو فكّ أسره أو قضاء دينه. يا زياد، إنَّ أهون ما يصنع الله بمن تولّى لهم عملاً أن يُضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ الله من حساب الخلائق. يا زياد، فإن وُلّيتَ شيئاً من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك، فواحدة بواحدة والله من وراء ذلك. يا زياد، وأيّما رجل منكم تولّى لأحدٍ منهم عملاً ثمّ ساوى بينكم وبينهم، فقولوا له أنت منتحلٌ كذّاب. يا زياد إذا ذكرت قدرتك على الناس فاذكر مقدرة الله عليك غداً ونفاد ما أتيت إليهم عنهم وبقاء ما أتيت إليهم عليك"(44).

    ونلاحظ في هذه الرواية أنَّ العمل عند السلطان الجائر في كلام الإمام(ع) يمثّل خطيئة كبيرة، تتعدّى خطورة الهلاك الجسديّ في نتائجها السلبيّة على الإنسان في مسؤوليته أمام الله، لأنَّها تمثّل لوناً من ألوان الدعم العمليّ للسلطان الجائر في التفاف الناس حوله وتقوية سلطته وتنظيم أموره في حكمه وتثبيت قواعد ملكه، الأمر الذي يسي‏ء إلى سلامة الخطِّ المستقيم في الشريعة، وإلى اهتزاز العدل في الحكم في حياة الناس..

    حدود الرخصة للعمل مع السلطة الجائرة

    ولكنَّ هذا الموقف السلبيّ من الحكم الجائر لا يبقى في دائرته السلبيّة إذا كانت هناك قضايا مهمّة تتصل بحلِّ مشاكل المؤمنين من خلالهم، فيما لا يمكن فيها الحلّ إلاّ من هذا الطريق، وذلك في النطاق المرحليّ المحدود الذي لا يحمل أيّة إمكانية لعمليّة التغيير، كما هو الحال في المرحلة التي كان الإمام الكاظم(ع) يعيش فيها أو في المراحل المماثلة لها.. فإنَّ من الواضح أنَّ السلبيّة المطلقة قد تعطّل الكثير من مصالح المؤمنين المستضعفين، وتتحوّل إلى مشكلة معقّدةٍ كبيرة، لا سيما إذا كانت الظروف الموضوعيّة لا تسمح بسقوط هذا الحكم على مستوى المراحل المنظورة، وفي الوقت الذي يسيطر فيه على مقدّرات الواقع الحياتيّ كله، ما يستوجب الحَرَج الشديد عليهم، وهو منفيّ في الشريعة في قوله تعالى: {وما جَعَلَ عليكم في الّدين من حَرَج}[الحج: 78].

    وهذا هو الذي يجعلنا نستوحي سعةَ مجال الرخصة للعمل مع السلطة الجائرة، وإيجاد العلاقات معها من أجل القضايا العامة المتصلة بحياة المؤمنين المستضعفين أو القضايا الخاصة المرتبطة ببعضهم، والتي ترقى إلى مستوى الأهميّة في حياتهم.

    ولعلَّ من الطبيعي ألاَّ تتحوّل العلاقة إلى حالة استسلام للحكم وإقرار له بحيث تحقّق له الشرعيّة العامة في نظر المسلمين، لا سيما إذا كانت العلاقة من قِبَل الأشخاص الذين ترتبط الشرعية الفقهيّة بأقوالهم وأفعالهم.. وعلى هذا، فلا بدَّ لهم في الحالات الطارئة أو في الخطوط العامة من تثقيف الأمة بالواقع غير الشرعيّ للسلطة، وتثقيفهم أيضاً بالدوائر الشرعيّة التي تتحرّك فيها الرخصة في ما تحمله من العناوين الثانوية، أو في ما تختزنه من المصالح العامة التي ترقى إلى درجة الأهميّة المزاحمة للمفاسد الأقلّ أهميّة، حيث تجمّد الحكم الشرعي بالمنع إلى وقت ما..

    وقد نحتاج إلى تسجيل ملاحظة مهمّة في الجوِّ العام لمثلِ هذه القضيّة، وهي ضرورة اعتماد الدقّة والحذر في عملية توعية الأمة بالجانب السلبيّ المتمثّل في علاقة الناس بالحكم الجائر، سواء كان ذلك في لقاءات علماء الدين بهم، أو علاقاتهم بعلماء الدين، أو في لقاءات الفعاليات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية الأخرى، أو في إقامة العلاقات بينهم وبين بعض التيّارات الإسلامية السياسيّة، لأنَّه قد ينطلق الكثيرون في الوقوف ضدّ ذلك بشكل قويٍّ ضاغط، من خلال المفاهيم العامة الرافضة للظلم ورموزه، أو المضادّة للكفر ومواقعه، لترمي الذين يقيمون تلك العلاقات بالانحراف والخيانة، من دون التفات إلى الظروف الموضوعية المحيطة بالموقف، أو إلى المصالح الإسلامية العليا المترتبة على ذلك، ما قد يؤدي إلى انكماش الحركة الإسلامية في مواقعها الضيّقة، لأنَّها تخشى من الاتهامات الحادّة التي قد تُوجّه إليها إذا تحرّكت في خطِّ الانفتاح السياسيّ على الآخرين، كما قد يؤدي إلى العزلة والشلل في النشاط القياديّ على مستوى القضايا العامة المرتبطة بأكثر من محور دوليّ أو إقليميّ من القوى التي تختلف عن الإسلام في خطوطه ومفاهيمه العامة، ولكنها تلتقي ببعض مواقعه وتتحرّك في الخطّ المرحليّ نحو أهدافه، أو ترتبط ببعض القضايا الحيويّة في حاجاته ومصالحه، وتلك هي خطورة إعطاء العناوين العامة للمفاهيم الإسلاميّة من دون تحديد الخطوط التفصيليّة الفاصلة بين الرخصة والمنع، حيث يتحوّل ذلك إلى ذهنيّة عامة قد يقفز فيها النقد إلى بعض المواقع التي لا يجوز للنقد أن يقترب منها، باعتبار أنَّها تمثّل مصدر الشرعيّة للخطِّ وللموقع.. فإذا كنا نثقّف الأمة على أنَّ الاقتراب من مواقع السلطة الجائرة، أو إيجاد بعض العلاقات معها يمثِّل انحرافاً عن خطِّ الاستقامة في رفض الخطِّ الجائر في الحكم، بعيداً عن ملاحظة كلِّ الظروف الموضوعية المحيطة بالموقف، فكيف يمكن أن نفسِّر سلوك الأئمة(ع) في ذلك، ما يوجب وقوع الذهنيّة العامة في حيرة، وهل يكفي في ذلك الحديث عن التقيّة كعنصر وحيدٍ للرخصة، في الوقت الذي قد لا نجد فيه للتقيّة موضعاً في بعض المواقف؟!

    إننا ندعو إلى تقديم الاستثناءات إلى جانب القاعدة والخطوط الصغيرة في دائرة الخطوط الكبيرة، حتى تتحرّك ثقافة الأمة في مسألة القِيَم الروحيّة والأخلاقية والسياسيّة في الخطِّ الإسلاميّ الواقعي الذي لا ينطلق من فرضيّة اعتبار القيمة الإسلامية حركة مثالية في المطلق، بل ينطلق من اعتبارها حركة واقعية في واقع المصلحة الإنسانية العليا في حدودها الطبيعيّة المتوازنة، انطلاقاً من حركة المفهوم من النصّ، ومن السيرة الشريفة للنبيِّ(ص) وللأئمة من أهل البيت(ع).
    -----------------
    المصادر:

    (38)رجال الكشي، ص:273ـ374.

    (39)رجال الكشي، ص:367.

    (40)قرب الإسناد، ص:170.

    (41)الكافي، ج:5، ص:110.

    (42)بحار الأنوار، ج:48، ص:137.

    (43)الإرشاد، ص:225ـ216.

    ( * ) الحالق:المكان المرتفع.

    (44)الكافي، ج:5، ص:109.


المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X