روايات بكاء القتلة على قتل الإمام الحسين (ع) محاولة فاشلة لتبرئة القاتل من الجريمة .
بسم الله الرحمن الرحيم .
اللهم صل على محمد وآل محمد .
هناك مثل عربي شهير نصه يقول : (يقتل القتيل ويمشي في جنازته) وهذا المثل يكاد لا يجهله أحد ، وهذا المثل هو المعنى الحقيقي لمن يمتلك الكثير من الأقنعة ، يستخدمها ليصل بغروره لمبتغاه مطبقًا نظرية ميكافيللي (الغاية تبرر الوسيلة) .
هذا الشخص موجود في كل زمان ومكان ، حاذق وماهر ، خبيث ومكار ، ممثل بارع ، ونشيط في التعاطي المجتمعي ، لديه ذكاء اجتماعي ، ودموع تماسيح تتساقط بلا كبرياء ، ولسان يدس السم في العسل.
مجموعته من الأقنعة متعددة ، لكل موقف قناع ، ولكل هدف قناع .
والسؤال هو : هل استخدم يزيد بن معاوية (لع) هذا القناع وبكى على الإمام الحسين (ع) ليخادع الناس بأنه لم يرضى بقتله (ع) ؟
وكذلك يجري السؤال بعينه على عمر بن سعد (لع) فهل بكى على الإمام الحسين (ع) ؟؟؟
وحق الجواب أن يقال : ان مسألة بكاء القتلة على الإمام الحسين (ع) هي محاولة فاشلة لتبرئة هؤلاء القتلة من هذه الجريمة ، هذا لو صدر منهم البكاء فعلاً ، ولكن الثابت هو خلاف ذلك بل فرح قتلة الإمام الحسين (ع) بقتله ، وأما روايات بكاء يزيد وعمر ابن سعد فهي ضعيفة سنداً بحسب التحقيق :
أولاً : أما رواية القاضي النعمان في شرح الأخبار ، ج 3 ص 267 ، ح 1172 ، قال : (( وَرُوِيَ عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) أنه قال : قُدِمَ بنا على يزيد بن معاوية (لعنه الله) .. فبكى يزيد .. فاشتدَّ بكاؤه ، حتى سمع ذلك نساؤه فبكينَ ، حتى سمع بكاؤهنَّ من كان في مجلسه .. إلخ )) .
فهي مرسَلة ، والقاضي النعمان توفي سنة 363 هـ ، ولم يُدرك الإمام الباقر (ع) ، ولم يذكر مصدراً لهذه الرواية .
بل القاضي النعمان نفسه ، كذَّب يزيد في الرواية نفسها ، فقال : (( كذب عدوُّ الله ! بل هو الذي جهَّز إليه الجيوش ! وقد ذكرتُ خبره فيما مضى )) .
وهذا يكفي في كشف تصنُّع يزيد ، وفضح تمثيله بالبكاء ، فخداعه لا ينطلي على الأذكياء ، إنما يراوغ به الأغبياء.
ثانياً : وأما رواية الطبراني في المعجم الكبير ، ج 3 ، ص 116 ، ح 2848 ، قال : (( حدثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا الزبير ، حدثني محمد بن الحسن المخزومي ، قال : لما أُدْخِل ثِقْلُ الحسين بن علي (رض) على يزيد بن معاوية ، ووُضِعَ رأسُه بين يديه ، بكى يزيد .. إلخ )) .
راويها : أبو الحسن محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي ، توفي سنة 199 هـ ، أجمع علماء الرجال قاطبة على تضعيفه جداً ، وقالوا : (( كذاب ، هالك ، متروك ، منكر الحديث )) . كما في ميزان الاعتدال ، ج 3 ، ص 514 ، ت 7380 ، وتهذيب التهذيب ، ج 9 ، ص 101 ، ت 160 .
ثم هو لم يُدرك الحادثة ، وروايته لها منقطعة ، فمن أين له يعرف تفاصيلها ؟! وهذا يزيد روايته ضعفاً ووهناً.
ثالثاً : وأما رواية الطبري في تاريخه ، ج 5 ، ص 452 ، قال : (( قال أبو مخنف : عن الحجَّاج ، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث البارقي .. وقد دَنا عُمر بن سعد من حسين ، فقالت [يعني : زينب] : يا عمر بن سعد ، أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ! قال : فكأني أنظر إلى دموع عُمر وهي تسيل على خدَّيه ولحيته ، قال : وصَرف بوجهه عنها )) .
وهذا الإسناد شديد الضعف : فإن الحجَّاج بن أرطاة ، كثير الخطأ والإرسال والتدليس ، وهو هنا قد عَنْعَنَ ولم يصرِّح بالسَّماع ، مضافاً لاتهامه بالرشوة في القضاء ، والزيادة في الروايات ، وتغيير ألفاظها واضطرابها . كما في تاريخ بغداد ، ج 9 ، ص 133 ، ت 4294 ، وسير أعلام النبلاء ، ج 7 ، ص 68 ، ت 27 ، وتهذيب التهذيب ، ج 2 ، ص 172 ، ت 365 .
ثم إن عبد الله بن عمار ـ الراوي للرواية ـ جندي في جيش عمر بن سعد ، بل قيل : إنه قائد الرَّمَّاحَة . وهو نفسه صرَّح في هذه الرواية : أنه قد أعان على قتل الإمام الحسين (ع) ، حتى عُوتِبَ في ذلك !
فكيف تُقبل روايته في محاولته تبرئة عمر بن سعد من تورُّطه بجريمته الشنيعة الفظيعة ؟! أو بالأقل محاولته إظهار تعاطف عُمر مع قضية الإمام (ع)؟!
بل في نفس الرواية ما يمنع من الأخذ ببعض تفاصيلها ، مثل قول عبد الله بن عمار : (( خرجتْ زينب ابنة فاطمة ـ أختُه ـ وكأني أنظر إلى قُرْطِها يجول بين أذنيها وعاتقها ، وهي تقول : ليت السماء تطابقت على الأرض )) ! .
هذا كلام منكر جداً ، فليس من شأن هذا المجرم أن يرى شيئاً من محاسن سيِّدة الحِجاب والحِشمة (ع) ! .
وواضح أن قوله : (( فكأني أنظر إلى دموع عُمر وهي تسيل على خدَّيه ولحيته )) ، وأيضاً قوله : (( وكأني أنظر إلى قُرْطِها يجول بين أذنيها وعاتقها )) ، من زياداته وإدراجه على أصل الرواية ، فإنه من انطباعه هو ، لا من نقله للحدث ! .
بسم الله الرحمن الرحيم .
اللهم صل على محمد وآل محمد .
هناك مثل عربي شهير نصه يقول : (يقتل القتيل ويمشي في جنازته) وهذا المثل يكاد لا يجهله أحد ، وهذا المثل هو المعنى الحقيقي لمن يمتلك الكثير من الأقنعة ، يستخدمها ليصل بغروره لمبتغاه مطبقًا نظرية ميكافيللي (الغاية تبرر الوسيلة) .
هذا الشخص موجود في كل زمان ومكان ، حاذق وماهر ، خبيث ومكار ، ممثل بارع ، ونشيط في التعاطي المجتمعي ، لديه ذكاء اجتماعي ، ودموع تماسيح تتساقط بلا كبرياء ، ولسان يدس السم في العسل.
مجموعته من الأقنعة متعددة ، لكل موقف قناع ، ولكل هدف قناع .
والسؤال هو : هل استخدم يزيد بن معاوية (لع) هذا القناع وبكى على الإمام الحسين (ع) ليخادع الناس بأنه لم يرضى بقتله (ع) ؟
وكذلك يجري السؤال بعينه على عمر بن سعد (لع) فهل بكى على الإمام الحسين (ع) ؟؟؟
وحق الجواب أن يقال : ان مسألة بكاء القتلة على الإمام الحسين (ع) هي محاولة فاشلة لتبرئة هؤلاء القتلة من هذه الجريمة ، هذا لو صدر منهم البكاء فعلاً ، ولكن الثابت هو خلاف ذلك بل فرح قتلة الإمام الحسين (ع) بقتله ، وأما روايات بكاء يزيد وعمر ابن سعد فهي ضعيفة سنداً بحسب التحقيق :
أولاً : أما رواية القاضي النعمان في شرح الأخبار ، ج 3 ص 267 ، ح 1172 ، قال : (( وَرُوِيَ عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) أنه قال : قُدِمَ بنا على يزيد بن معاوية (لعنه الله) .. فبكى يزيد .. فاشتدَّ بكاؤه ، حتى سمع ذلك نساؤه فبكينَ ، حتى سمع بكاؤهنَّ من كان في مجلسه .. إلخ )) .
فهي مرسَلة ، والقاضي النعمان توفي سنة 363 هـ ، ولم يُدرك الإمام الباقر (ع) ، ولم يذكر مصدراً لهذه الرواية .
بل القاضي النعمان نفسه ، كذَّب يزيد في الرواية نفسها ، فقال : (( كذب عدوُّ الله ! بل هو الذي جهَّز إليه الجيوش ! وقد ذكرتُ خبره فيما مضى )) .
وهذا يكفي في كشف تصنُّع يزيد ، وفضح تمثيله بالبكاء ، فخداعه لا ينطلي على الأذكياء ، إنما يراوغ به الأغبياء.
ثانياً : وأما رواية الطبراني في المعجم الكبير ، ج 3 ، ص 116 ، ح 2848 ، قال : (( حدثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا الزبير ، حدثني محمد بن الحسن المخزومي ، قال : لما أُدْخِل ثِقْلُ الحسين بن علي (رض) على يزيد بن معاوية ، ووُضِعَ رأسُه بين يديه ، بكى يزيد .. إلخ )) .
راويها : أبو الحسن محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي ، توفي سنة 199 هـ ، أجمع علماء الرجال قاطبة على تضعيفه جداً ، وقالوا : (( كذاب ، هالك ، متروك ، منكر الحديث )) . كما في ميزان الاعتدال ، ج 3 ، ص 514 ، ت 7380 ، وتهذيب التهذيب ، ج 9 ، ص 101 ، ت 160 .
ثم هو لم يُدرك الحادثة ، وروايته لها منقطعة ، فمن أين له يعرف تفاصيلها ؟! وهذا يزيد روايته ضعفاً ووهناً.
ثالثاً : وأما رواية الطبري في تاريخه ، ج 5 ، ص 452 ، قال : (( قال أبو مخنف : عن الحجَّاج ، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث البارقي .. وقد دَنا عُمر بن سعد من حسين ، فقالت [يعني : زينب] : يا عمر بن سعد ، أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ! قال : فكأني أنظر إلى دموع عُمر وهي تسيل على خدَّيه ولحيته ، قال : وصَرف بوجهه عنها )) .
وهذا الإسناد شديد الضعف : فإن الحجَّاج بن أرطاة ، كثير الخطأ والإرسال والتدليس ، وهو هنا قد عَنْعَنَ ولم يصرِّح بالسَّماع ، مضافاً لاتهامه بالرشوة في القضاء ، والزيادة في الروايات ، وتغيير ألفاظها واضطرابها . كما في تاريخ بغداد ، ج 9 ، ص 133 ، ت 4294 ، وسير أعلام النبلاء ، ج 7 ، ص 68 ، ت 27 ، وتهذيب التهذيب ، ج 2 ، ص 172 ، ت 365 .
ثم إن عبد الله بن عمار ـ الراوي للرواية ـ جندي في جيش عمر بن سعد ، بل قيل : إنه قائد الرَّمَّاحَة . وهو نفسه صرَّح في هذه الرواية : أنه قد أعان على قتل الإمام الحسين (ع) ، حتى عُوتِبَ في ذلك !
فكيف تُقبل روايته في محاولته تبرئة عمر بن سعد من تورُّطه بجريمته الشنيعة الفظيعة ؟! أو بالأقل محاولته إظهار تعاطف عُمر مع قضية الإمام (ع)؟!
بل في نفس الرواية ما يمنع من الأخذ ببعض تفاصيلها ، مثل قول عبد الله بن عمار : (( خرجتْ زينب ابنة فاطمة ـ أختُه ـ وكأني أنظر إلى قُرْطِها يجول بين أذنيها وعاتقها ، وهي تقول : ليت السماء تطابقت على الأرض )) ! .
هذا كلام منكر جداً ، فليس من شأن هذا المجرم أن يرى شيئاً من محاسن سيِّدة الحِجاب والحِشمة (ع) ! .
وواضح أن قوله : (( فكأني أنظر إلى دموع عُمر وهي تسيل على خدَّيه ولحيته )) ، وأيضاً قوله : (( وكأني أنظر إلى قُرْطِها يجول بين أذنيها وعاتقها )) ، من زياداته وإدراجه على أصل الرواية ، فإنه من انطباعه هو ، لا من نقله للحدث ! .
