بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[1].
﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾، رسالة سامية قرآنية تستعرض صورة عن حالة واقعة من الكافرين، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يسمعهم كلام الله، فيثنون صدورهم، عطفا لها وطيّا وردّا لبعضها على بعض، عناية لغلق أبواب النور إلى الصدور، التي هي بطبيعة الحال الفطرية منفتحة إلى النور، وإن كانوا يتظاهرون بالتسليم له احرازا لظاهرهم فأنبّهم الله على ذلك بأنّهم حتى لو تناجوا فيما بينهم تحت اغطيتهم كان ذلك مكشوفا لله سبحانه لإحاطة علمه بكل شيء وذات الصدور قرارها ومكّنها وكمينها وكل ما يكون فيها، ويقتنص من الآية عنوان الصراحة والتدليس.
والصراحة معناها إبانة ما في الضمير وتطبيق الظاهر على الباطن.
والتدليس مأخوذ من الدلس وهو الظلمة؛ ومعنى ذلك أن الإنسان يخفي الواقع الذي يستبطنه بجرّ غطاء عليه يستره فلا يرى الناس ما تحت غطائه، وموقف الحياة الجماعية والفردية من الصراحة والتدليس موقف حياة واقعية وتشعشع وعدالة وحياة مرهقة ضائعة ابتليت بألوان العذاب، ذلك لأنّ الحياة الواقعية لا تقوم بالقشور إذا لم يكن تحتها لبّ، ولا يستطيع أن يقول قائل إن التدليس لا ينكشف فإن الواقع ملازم للإنسان في نومه ويقظته والفعل المدلّس به لا ملازمة له الاّ بمقدار التوجه للنفس لكن فيه تعب مضافا الى أنه خلاف مقصود المدلس فإن هدف المدلّس الاستفادة من تدليسه، وإلاّ كانت مواظبة على ما هو مخالف لسليقته تسخيرا له وامر السخرة واضح مكشوف في أنها مبغوضة للنفوس.
والقرآن ندّد بالنفاق والمنافقين تنديدا ما له نظير ليستنقذ الحياة الجاهلة من اهمّ ورطاتها واهمّ ورطاتها كان هو التلوّن بغية استحصال الهدف المنظور لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾[2]، فبين القرآن أن الهدف المنظور لا يتأمن بالتدليس والخديعة فإن المخادعة إذا انتشرت فيما بين الناس تعلّمها كل احد ووقع الجميع في أسرها، ولذلك أبطل الإسلام كل عمل فيه رياء ولم يرتب عليه أثرا لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل جعله هو الشرك الخفي وأمر باستئصاله واستئصال اهله وايّدت الأجيال المفكّرة أن الحقّ ما عليه دعاة السماء من صراحة وإتقان عمل، فأخذ مفكرو كل امّة لا يألون وسعا في تثبيت الحقيقة فيما بين قادتها وعلمائها واهل صنعتها، ووجدوا أنّ في ذلك ثروة هائلة من القوّة بسبب استعمال الصراحة واعمال الحقيقة وثروة هائلة من المادة بإتقان الصنائع التي ينشرونها في الأسواق، فتتهافت الناس عليها ونظرة واحدة الى ما عليه الدول العظيمة اليوم من قوّة ومنعة وثروة يكفي للتدليل على ما تعطيه الحقيقة المأخوذة فيما بينهم من آثار عظيمة، ودرس هؤلاء بالضبط أن الإخلاص في حفنة رجال عزّل قادهم انسان صريح يدعى محمد (صلى الله عليه وآله) كيف ولّد دويّا في العالم له اثره وخطره وما ذلك الاّ لاستعمال الحقيقة نفسها، فلمّا شخّصت امراضهم هذه أغرتهم بأمراضهم فيما بينهم حتى يرتاحوا من تفلّتهم عليهم وحتى يكونوا لهم حميرا منقادين، هكذا فهم هؤلاء الحياة فعملوا على ما فهموا على إنّهم لا يدينون بصلاة ولا بصوم ولا نصب مآتم ولا حضور مساجد، أمّا اهل المساجد والمآتم لمّا كان عملهم قشريا لم تؤثر مساجدهم فيهم عزّة لأنّهم لم يفهموا الحياة بالصراحة ولو أنهم فهموها لم يعملوا بها ويرون أن ذلك فيهم منتهى اللباقة إذ يعيشون على الخداع ولكنهم خسروا كل شيء بالعيان الجاهر.
[1] سورة هود، الآية: 5.
[2] سورة النور، الآية: 47.
