بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾[1].
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾، وسبيل الله هو الحقّ وكل ما يتشعب منه ﴿وَ﴾، يبغون سبيل الله ﴿عِوَجاً﴾، أي انهم يحرّفون الحقيقة بما تعود معه باطلا وضلالا وسبب ظلمهم وصدّهم عن سبيل الله وابتغائهم بها العوج ،هو كفرهم بالمعاد وربّ المعاد وما يكون في يوم المعاد فإن الإلحاد من العوامل المهمّة للظلم والفساد، ومن يمنع الناس عن الطريق الموصل الى الله ويطلبون السبيل على نحو الاعوجاج حتى لا يكون موصلا وكان منحرفا غير واصل، ويسترون امر الاخرة على الناس، ويخفونها ويلقون التشكيك في ثبوت عالم آخر، بل ينفون الاخرة بالمغالطات لشدة بغضهم لله وعداوتهم.
لم يظفروا على الله، ولن يغلبوه، وليس لهم موجد، والاولى بالتصرف سوى الله، فعداوتهم غير مؤثرة إلا في حقهم يضاعف لهم العذاب بروزا لذواتهم، اذ صورة بغض الله هو العذاب وما كانوا يقدرون لاستماع الحق ولا مشاهدة الحق لشدة بغضهم.
أولئك وقعوا في الخسران، لفوت تمام الكمالات عنهم، وبروز تمام النقائص والشرور في صقع أنفسهم، وفقدانهم لمحبوبهم وهو سلطنة الاصنام والشياطين فالمحبوب مفقود لهم والمبغوض في نهاية الظهور والسلطنة، فلا يكون اخسر حالا منهم وبعد ثبوت المبدئ العليم القادر المختار وتوحيده مطابقة الآيات المذكورة للعقل في نهاية الوضوح والظهور.
﴿أُولئِكَ﴾، الظالمون ﴿لَمْ يَكُونُوا﴾، مصونين بقواهم من الله ولا ﴿مُعْجِزِينَ﴾[2]، له بل هو أقوى واقدر وإنما لم يجازهم فورا وعاجلا لأن الدنيا مجال اختبار والآخرة محطة جزاء وليس لهم يوم القيامة اولياء يدافعون وينافحون عنهم، ويومذاك يضاعف لهم العذاب بمقدار معاصيهم التي ارتكبوها في الحياة ووظائفهم التي أهملوها ولم يعملوا بها وبمقدار ما كانوا يستطيعون السمع للحق ولدلائله فيتشرّدون عنه فيخسرون أنفسهم التي هي بضاعة سعادتهم ويضيع عليهم ما كانوا يزوّرونه لأجل مصالحهم ومنافعهم ولا شكّ أنهم في الآخرة اخس من كل أحد يفرض.
والآية ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾[3]، تشير الى عنوان موضوع ألا وهو العلم والجهل، والعلم هو انكشاف الواقع والجهل تستره ومعنى انكشاف الواقع أن حجب التزوير والتعمية تنكشف عن الشيء مثلا ظاهر الإنسان إذا كان مغرورا بحسبه فقد يكون له واقع وقد لا يكون فبعد التجربة إن طابق باطنه ظاهره واستبانت حقيقته كان نافعا وأخذ به، وإن لم يتطابقا بأن كان في باطنه خبيثا وفي ظاهره نظيفا، فهو مضرّ تباعد عنه واجتنبه والمجهول تارة يكون في الطبيعة واخرى يكون في الشريعة وثالثة في تطبيق الشريعة على الطبيعة، ومعنى ذلك في الجاهل بهذه المراحل الثلاث أنّه لا مؤمّن عنده لمعيشته وإن أتلف عمره بالكدّ، مثلا العامّي من كافة جهاته إذا كان مبتلى بمرض السكّر مثلا ويجهل الاغذية المساعدة والمنافية بحكم جهله بالطبيعة وبحكم ذائقته تكون الأغذية المساعدة بعيدة عنها والمنافية كالسكّر والحلواء قريبة منها، وحتى لو عرف شيئا عن المساعد والمنافي إذا فقد علمه بالشريعة استسهل ارتكاب المنافي، بخلاف ما لو تعبّد بها فإن التعبد بها مانع يقف امامه وإن تراخى في مراعاة عافيته، فهذا العامّي المذكور لجهله بالطبيعة وبالشريعة يتناول المنافي لسيلانه مع ذائقته وحينذاك تضخم علّته فيموت، إذا فأقلّ ما في العلم إنه حافظ للطبيعة وطارد للأوهام عن الشريعة ويواخي بينهما وجامع بين الدنيا وبين الآخرة وعلى هذا الأساس جاء قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[4]، يعنى أن كفتى الميزان لا تتساويان أصلا بين عالم وجاهل.
ونحن نوازن بين عصري الجاهلية والإسلام على افلاس الطرفين من العلوم الطبيعية الاّ ما قلّ وروده في الدين، فترى المسلم المؤمن بعقيدته العامل بها ابعد عن الخطر من الجاهلي المشرك ذلك لأن من قوانين الإسلام حرمة إلقاء النفس في التهلكة وإن الاضرار بالنفس حرام نتيجته في الدنيا الانهيار وفي الآخرة الخسران.
[1] سورة هود، الآية: 19.
[2] سورة هود، الآية: 20.
[3] سورة هود، الآية: 17.
[4] سورة الزمر، الآية: 9.
