بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾[1].
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾، هو للطوفان الذي يجعل الكرة الأرضية بحرا، فلذلك وأن صناعة الفلك وإن كانت على شاطئ البحر ليست لها صلة بالعذاب الموعود ف ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾: «ويقولون تعمل سفينة في البر وكيف تجري».
وقد «جعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد غرّاسا، حتى إذا طال النخل وكان جبارا طوالا قطعه ثم نحته فقالوا: قد قعد نجارا، ثم ألفه فجعله سفينة فمروا عليه يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد ملاحا في فلاة من الأرض، حتى فرغ منها».
فقد أخذوا يقولون ويتقولون ملأ أفواههم ساخرين منه منذ بزوغ دعوته حتى غرقهم، فقبل أن يصنع الفلك كانوا يسخرون منه، كيف يرسل ذلك الرجل الفقير ومعه أرذلنا بادئ الرأي، ومنذ أخذ في صناعة الفلك سخروا منه أنه تحول نجارا يصنع فلكا لكي يفلت منا ولكن لماذا في الفلاة.
وقد ورد عَنِ اَلْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: ((جُعِلْتُ فِدَاكَ فِي كَمْ عَمِلَ نُوحٌ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ سَفِينَتَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا؟ قَالَ: فِي دَوْرَيْنِ، قُلْتُ: وَكَمِ اَلدَّوْرُ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ سَنَةً، قُلْتُ: إِنَّ اَلْعَامَّةَ يَقُولُونَ: عَمِلَهَا فِي خَمْسِمِائَةٍ عَامٍ؟ فَقَالَ: كَلاَّ كَيْفَ كَانَ؟ وَاَللهُ يَقُولُ: ﴿وَوَحْيِنَا﴾،))[2].
﴿قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا﴾، اليوم ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾، في القريب العاجل ﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾، وهناك وعند ما تتقارب بكم الأمور الى التلف لذا قال تعالى في الآية اللاحقة: ﴿تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾، ويشوّه سمعته بين الناس ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾، لا يزول منه حتى يفنيه فناء لا مطمع ورائه.
ونوح عليه السلام ماطل الزمن بحوصلة عظيمة وصبر منقطع النظير واستمرّ يعارك ضمائر قومه ويقلّبها ذات اليمين وذات الشمال، حتى إن الله الحليم قطع حلمه عن قومه فأوحى الى نبيّه نوح أنه لن يؤمن بعد هذا غير من آمن بك على طول هذه الفترة، فلا تبتئس ولا تحمّل على نفسك البؤس ممّا فعل هؤلاء معك، بل ممّا فعل هؤلاء بأنفسهم فإن المكلف المنحرف يسيء الى نفسهن لأنه يفسد عليه مجتمعه واهله ونفسه ومن الآن تقدّم الى صنع سفينة تقلّك وتقلّ المؤمنين معك كما تقلّ ما لا بد منه لهم في حياتهم القادمة، افعل ذلك فإن رعايتنا مخيّمة عليك ترعاك ولا تهملك أو تنساك وكيفية ما تصنع منوط بنظرنا ولا تخاطبني في الذين ظلموا، هذه اللفظة مشعرة بأن لله فيهم وقعا عظيما ونكاية مهمّة، فكأن نوحا سأل ربّه فقال وماذا يجرى عليهم فقال له: ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾[3]، أي يأخذهم الطوفان ويصنع نوح الفلك على الأرض اليابسة من غير أن يكون على ساحل بحر أو نهر وبطبيعة الوضع ﴿كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾، واتهموه بالتخبط لأن فعله يدلّ على ذلك لكنهم لم يدروا بما يزوي الزمان لهم من مكائد؟ إمّا بلسان نطقه أو بلسان باطنه.
ومن المهم أن نأخذ ينظر الاعتبار، كون الآية عندما تتحدث عن نزول العذاب بالنسبة الى مجتمع محمد (صلى الله عليه وآله)، إنما قال عن ذلك بأنه مؤجل ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾[4]، أي الى حين آخر، وهذا ما يفسر لنا من زاوية فنية عدم نزول العذاب الفعلي، وهذا على العكس من مجتمع نوح (عليه السلام) ، حيث قال لهؤلاء الذين سخروا منه وهو يصنع السفينة: ﴿إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾، حيث ترهص هذه المقولة بنزول العذاب الفعلي غير المؤجل، وهو ما كشفت عنه أحداث القصة في قسمها الأخير الذى تناول حادثة غرقهم .
فالمهم هو: ملاحظة هذه الأبعاد من التجانس بين موضوعات السورة الكريمة التي تتحدث عن مجتمع محمد (صلى الله عليه وآله)، وبين قصة نوح التي وظفت فنيا لإنارة هذه الموضوعات.
[1] سورة هود، الآية: 38.
[2] الكافي، ج 8، ص 279.
[3] سورة هود، الآية: 37.
[4] سورة هود، الآية: 8.
