بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾[1].
لما عاند قوم صالح عليه السلام نبيهم وهم ثمود فبعدما اندثرت عاد بالريح الصرصر العاتية، ولم ينج منهم إلاّ من أنجاه الله تعالى، وأورث سبحانه الأرض قوم ثمود أخي جديس بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، وهم من العرب العاربة، كانوا يسكنون في وادي القرى بين الحجاز وتبوك، قريباً من شواطئ البحر الأحمر، شمالي مكة المكرمة.
وثمود هؤلاء هم أبناء عم عاد، وكانوا ذوي شأن وتأثير في الجزيرة العربية، ولاتزال آثارهم أو بعضها إلى اليوم فيما يعرف بديار ثمود، أو مدائن صالح، غربي المدينة المنوّرة وجنوبيها حيث توجد البئر المعروفة ببئر الناقة.
عبدت ثمود الأصنام كعادٍ، وكان لهم ما يقارب الأربعين صنماً، جعلوا لها بيوتاً يدفعون الناس إليها، ليقدّموا لها القرابين التي كانت تؤمِّن لهم زيادة أموالهم وتنمية ثرواتهم، وكان أكبر تلك الأصنام هو الصنم "ود"، يليه "هبل" و"اللات".
وعمرت ثمود وادي القرى تماماً كما فعلت عاد قبلهم، وقد وهبهم الله بسطة في الأجسام وطول الأعمار، ولكنهم كانوا شرسي الطباع، قساة القلوب، خصوصاً بعدما كثرت أموالهم واتسع سلطانهم. إذ أصابهم البطر والغرور، كما أصاب قبلهم قوم عاد، فأفسدوا في الأرض، وبطشوا بالناس، وجحدوا نعم الله التي أنعم بها عليهم.
وكان لثمود ملك ظالم اسمه جندع بن عمرو، سيِّئ الطباع، قاسي القلب مثلهم جباراً، فجاء إليه جماعة ممن أنجاهم الله من بقايا عاد، وراحوا يعظونه، ويذكرون له ماحلَّ بقومهم إثر كفرهم وطغيانهم، وتجبرهم، وراحوا يصفون له غضب الله الذي حلَّ عليهم، بعد دعوة نبيهم هود عليه السلام لأنهم رفضوا عبادة الله، ولكنه قال لهم بصلف وغرور: إنما هلك قوم عاد لإنَّهم لم يكونوا يحسنون بناء البيوت، كما نفعل نحن، فقد كانوا يجعلونها على الرمال، ونحن نبني بيوتنا في الجبال وننحتها في الصخور، وكانوا لا يحسنون عبادة أصنامهم والاهتمام بها، وها نحن نعبد أصنامنا كما يجب ونبني لها البيوت ونعيّن لها الخدم، كما أننا نحن أشدّ من عادٍ قوة، ولذلك لا يمكن أن تُهلكنا الريح مهما كانت صرصراً عاتية.
فبعث الله فيهم نبياً منهم هو صالح عليه السلام فراح ينهاهم ويعظهم ويجادلهم، ويعدهم ويتوعدهم للرجوع عن ضلالتهم ويدعوهم إلى عبادة الله الخالق المنعم.
وأخذ عليه السلام يسرد لهم الأدلة والبراهين على وحدانية الله الخالق ويسوق الحجج على أنه نبي مرسل إليهم من ربهم وأنه لا يطلب منهم أجراً على ما يقوم به من التعليم وتبليغ الرسالة لهم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾[2].
واجتمع الثموديون في ناديهم وصالح بينهم ثم إنهم أشاروا إلى صخرة قريبة وقالوا: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء حمراء وبراء، لا تشبه النوق، ولها ضرع أكبر من القلال يشخب منه اللبن غزيراً صافياً، ويخرج منها ابن لها مثلها ويصوت أمامنا كما تصوت، إن أنت أتيت بتلك الناقة صدقناك وآمنا بأنك رسول الله.
ولم يرتدع المفسدون، بل شكّلوا فرقة منهم لقتل الناقة، وكانوا تسعة هم قدار بن سالف، ومصدع، وأخاه، وحراباً، ورعيناً، وداود خادم الأصنام، والمصرد ومفرج وكثير.
﴿فَعَقَرُوهَا..﴾، رصد هؤلاء التسعة الناقة وكمنوا لها في مكان قريبٍ من البئر، حتى إذا جاءت لتشرب تقدم قدار منها، بعد أن فشل الآخرون في قتلها، وأهوى بسيفه على قائمتيها الأماميتين فسقطت إلى الأرض وهي تصوّت بصوت تجاوبت به أطراف الوادي، ثم وضع مصدع سهماً في قوسه ورماها به في نحرها، فتخبطت بدمائها، وتقدم الباقون فأجهزوا عليها.
وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: ((أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ وَجُوعُهَا طَوِيلٌ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَالسُّخْطُ وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا فَقَالَ سُبْحَانَهُ فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ))[3].
[1] سورة هود، الآية: 65.
[2] سورة الشعراء، الآية: 142.
[3] نهج البلاغة، الخطبة: 201.
