بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد
إن النفس البشرية ساحة معركة بين النور والظلمة، بين الإيمان والهوى، وقد بيّن القرآن الكريم أن النجاة والفلاح مرهونة بقدرة الإنسان على تزكية نفسه وضبطها:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 9–10).
فالذي يترك نفسه فريسة للخواطر السلبية، ولأحاديث النفس المليئة باليأس أو الحسد أو الغضب، فان الامان الداخلي يضعف عنده ، بينما الذي يروض نفسه ويهذب أفكاره يحيا مطمئنًا قويًّا.
اذ قال الإمام علي عليه السلام: "من ملك نفسه عن الهوى، فذلك أقوى الناس" (غرر الحكم).
فإن كل فعل يبدأ بفكرة، وكل فكرة تنبت في أرض القلب أولًا. فإذا كان حديث النفس طاهرًا، صار السلوك طاهرًا. أما إذا استسلم الإنسان لوساوس الغضب أو الظن السيئ أو المقارنات المحبطة، فقد صار سلوكه ملوثا.
فالتفكيرالايجابي له الأثر على حياة الشخص من حيث السلام الداخلي وقوة القرارورضا الرب الجليل لأن الله يحب "العبد الكَيِّس" الذي يزن الأمور قبل أن يقدم عليها.
وهنالك نماذج قرآنية ،
مثلا ان يوسف عليه السلام حين راودته امرأة العزيز، قال:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ (يوسف: 23).
فنلاحظ انه كان قادرًا على الانزلاق، لكنه ضبط نفسه أمام الإغراء، فصار مثال العفة.
وان موسى عليه السلام حين غضب، ضبط نفسه بعد أن قتل القبطي خطأً، وقال:
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (القصص: 16).
فانه لم يبرر الخطأ بل أسرع للتوبة.
وهنالك امور عملية تساعد عملية لضبط النفس ومنها :
1. المراقبة اليومية: قال الإمام الكاظم عليه السلام:
"ليس منّا من لم يُحاسِب نفسه في كلّ يوم" (الكافي).
قبل النوم، راقب ما دار في نفسك طوال اليوم.
2. قطع سلسلة الفكرة السيئة: إذا جاءتك فكرة سلبية، لا تناقشها، استبدلها فورًا بذكر أو آية أو دعاء.
3. التنفس العميق قبل الرد: ثلاث أنفاس هادئة كفيلة بتهدئة الغضب.
4. صحبة الصالحين: فإن الأفكار تتأثر بالجو الروحي المحيط بك.
5. الذكر المستمر: قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الرعد: 28).
فالذكر يُصفّي العقل من الضجيج الداخلي.
فعليه ان ضبط النفس وضبط حديثها ليس كبحًا للقلب، بل تحرير له من العبودية للشهوات والخواطر المدمرة. إنها مهارة تجعل الإنسان سيد قراراته، محبوبًا عند الله، محترمًا بين الناس، ومرتاحًا في داخله.
