بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾[1].
﴿قَالَ﴾، يوسف لأحد صاحبي السجن، ﴿لِلَّذِيظَنَّ﴾، أنه سيكون ناجيا.
أتراه هو الذي ظن فيما أفتاه وقضاه؟ والقضاء علم! ولا سيما أنه من تعليم الله: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾[2]! فهل إن الله يظن كما الخلق؟ أم إن النبي يظن فيما يقضي به بالوحي؟ أم الذي أفتى بنجاته هو الذي ظن؟ وقد يؤيده ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾[3]، حيث يلمح أنهما لم يصدقاه تماما، وهو طبيعة الحال فيمن لم يؤمن بالوحي والرسالة، فإنما آمن بما قضي له ظنا إذ كان لصالحه، وهو قضاء رجل محسن صالح ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[4].
وقد يعني فيما عناه ظن يوسف أيضا، حيث العلم الظاهر هو في الحق ظن، إذ ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[5]، اللّهم إلاّ في أحكام الشريعة فلا محو فيها إلاّ نسخا، فرغم أن يوسف كان يعلم بما علمه الله أنه ناج، ولكنه مما يتحمل المحو والإثبات فعلّه يمحي أو علّه يثبت، فلذلك يصح التعبير أنه ظن، ولكن أين ظن من ظن؟ ظن الناجي قصورا لعدم الإيمان، وظن يوسف عالما لقمّة الإيمان، آن لله أن يمحو ما علّمه وقضاه، وهذا الاحتمال بعيد.
والتعبير هنا بالظن وبالسابق من خلال الآية السابقة بلفظ، ﴿قُضِيَ﴾، الدال على الحكم والجزم: - إما من باب كون المراد بالظن هنا اليقين كما ذكروا.
وإما من باب المرتبتين.
فإن النبي صلّى الله عليه وآله أو الولي قد يتصل بالملائكة القدرية، وعالم القدر، العلة لعالم الكون ويرى كون الملائكة القدرية مريدين لإبقاء أحد بأسبابه، واعدام أحد بأسبابه ايضا فيحكم على طبق الارادتين ببقاء أحد الى الزمان المعلوم، وموت أحد في وقت معين.
﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، أي من كان مربيا لك وهو الملك.
وما قالها يوسف (عليه السلام): إلاّ تحقيقا لأمر الحق بحقه حفاظا على ساحة الرسالة القدسية من تهمة الخيانة وخيانة التهمة، وكما أمر الله ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾[6]، وإذا كان خروجه من السجن بهذه الذكرى الصالحة فهي وسيلة إلى الله خلاصا له من السجن، وكما قال تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ..﴾[7]. أفيحق بعد ذلك كله أن يتهم بإنساء الشيطان له ذكر ربه! ام يندّد به لماذا توسل بما توسل لبراءته؟ إن هذا إلاّ افك قديم وشيطنة مدروسة وهرطقة مدسوسة ضد ساحة الرسالة القدسية وإن تظافرت به الروايات فإنها مضروبة عرض الحائط لمخالفتها كتاب الله!
﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، انشغالا بما كان من سقاية الخمر للملك، وتناسيا تلك الفترة الرحيمة في سجنه مع يوسف الصديق، حيث الشيطان يحاول دوما في إبقاء الصدّيقين في السجن بتهمة الخيانة ويا لها من تهمة، ومن مخلفات ذلك النسيان: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾، البضع ما بين الثلاث إلى التسع، من البضع وهو القطع، كأنّه يقطع من العشرة.
وقيل: البضع ما بين الثلاث إلى الخمس.
وقيل: إلى السبع.
وقيل: لبث في السجن سبع سنين بعد أن كان خمسا.
والأصحّ أن مدّة مكثه في السجن سبع سنين.
ولم يعد الى التوسل، حيث طبّق واجبه الإيماني والرسالي وعلّ في تكراره مع السجناء الآخرين مصيبة بساحة الرسالة، فيصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، ولم يكن طائل السجن له في باطن أمره إلاّ لصالحه، فعلّه لو خرج قبل بضعه لكان فيه تهدد لبضعه من كيد امرأة العزيز ونسوة في المدينة! أو علّه تنبيهة له أن ربه هو الذي يذكّر ناجي السجن لوقته الصالح، دون أن يذكر هو بما ذكّر، فلم يجعل قضاء حاجته على يد عبد خارج عن ربقة عبوديته، ولا سبب يرتبط بعبد، وذلك من اصطفائه وإكرامه!
[1] سورة يوسف، الآية: 42.
[2] سورة يوسف، الآية: 21.
[3] سورة يوسف، الآية: 41.
[4] سورة يوسف، الآية: 36.
[5] سورة الرعد، الآية: 39.
[6] سورة المائدة، الآية: 35.
[7] سورة يوسف، الآية: 100.
