بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد و آل محمد
كانت هناك فتاة في الثالثة عشرة من عمرها،
اسمها نور…
فتاة هادئة، ولكن في داخلها قلبٌ يشبه شعاع الفجر:
صغير… لكنه يُنير.
وفي ليلة من الليالي،
عندما نام الجميع،
جلست نور قرب نافذتها، تنظر إلى السماء الواسعة.
وفجأة…
شعرت أن النجوم تلمع لها بطريقة مختلفة،
وكأنها تُريد أن تقول شيئًا.
وبينما هي تحدّق،
سمعت صوتًا لطيفًا…
ليس صوتًا يُسمع بالأذن،
بل ينزل على القلب:
"يا نور… هل تعلمين من أنتِ؟"
ارتبكت نور…
لكنها ردّت بخفوت:
"أنا فتاة عادية…"
فأجابها الصوت:
"لو كنتِ عادية… لما حملتِ الأمانة."
ترددت نور وسألت بخوف جميل:
"أي أمانة؟"
فلمعت السماء بلون أقرب للطمأنينة،
وكأن الليل قرّر أن يكشف لها سرًّا لم يُكشف لغيرها.
وقال الصوت:
"قبل أن تُخلقي بوقت طويل…
وفي عالمٍ لا يشبه هذا العالم،
عرض الله أمانة عظيمة على السماوات…
فنظرت السماوات بامتدادها وقالت:
لا نقدر.
وعرضها على الأرض…
فارتجفت الأرض بكل جبالها وقالت:
نخاف.
وعرضها على الجبال…
فاهتزّت الجبال الشامخة وقالت:
لا نحتمل."
سكت الصوت قليلًا…
وكانت نور تشعر بقلبها يخفق كأن شيئًا كبيرًا يتكوّن فيه.
ثم قال:
"ثم جاء دور الإنسان…
وجاء دورك أنت.
نظرتِ إلى الأمانة…
لم تكوني قوية كالجبل،
ولا واسعة كالسماوات،
ولا ثابتة كالأرض،
لكن كان فيك شيء لم يكن فيهم…
روحٌ نفخها الله فيك.
فقلتِ دون خوف:
'يا رب… أنا أحملها.' "
رفعت نور رأسها بدهشة،
وقالت بصوت مبحوح:
"أنا؟ حقًا أنا حملت شيئًا عجزت عنه السماوات؟"
فأجاب الصوت:
"نعم يا نور…
أنتِ قوية أكثر مما تتخيلين.
لأنكِ تحملين في داخلك:
العقل…
والخير…
والاختيار…
والطاعة…
ومحبة الله…
وكلها جزء من الأمانة."
وشعرت نور فجأة بأن صدرها أصبح أوسع،
وكأن شيئًا جميلًا استيقظ داخلها.
لم تعد ترى نفسها طفلة ضعيفة،
بل فتاة اختارها الله لتحمل مسؤولية لا يحملها إلا الأقوياء.
وقال الصوت الأخير:
"كلما واجهتِ صعوبة…
تذكّري أنكِ التي قالت يومًا:
'أنا لها.'
وأن الله لا يحمّل أحدًا أمانة
إلا وهو يعلم أن قلبه قادر على حملها."
قال تعالى :"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ
وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً"
ثم انطفأ اللمعان،
وعادت النجوم إلى شكلها المعتاد…
لكن نور لم تعد كما كانت.
أغلقت نافذتها،
وضمّت نفسها قليلًا،
وقالت بثقة لأول مرة:
"أنا قوية…
لأن الله أعطاني أمانة لم تحملها السماوات."
ومن تلك الليلة…
بدأت نور تعيش بطريقة مختلفة:
تفكّر قبل أن تغضب،
تحافظ على صلاتها،
تعامل الآخرين بلطف،
وتتذكر كل يوم أنها ليست أي إنسانة…
بل فتاة اختارها الله لحمل أمانته.
مرّت أيام بعد تلك الليلة العجيبة…
ونور ما زالت تشعر بنور خفيّ يسكن صدرها،
كأن شيئًا في روحها استيقظ ولن يعود للنوم.
وفي أحد الأيام في المدرسة،
حدث موقف جعل هذه القوة تظهر بوضوح.
كانت نور جالسة في الصفّ،
تستعد لدرس الرياضيات،
عندما دخلت المعلمة وقالت بانزعاج:
"هناك طالبة تبكي في الساحة… ولا تريد إخبار أحد ماذا حدث."
ارتفعت الهمهمات…
لكن نور شعرت بشيء يشدّ قلبها،
كأن الأمانة التي تحملها تناديها.
فخرجت بهدوء،
واتجهت نحو الساحة،
حيث وجدت الطفلة "هبة" — زميلتها — جالسة وحدها،
ووجهها مخفي في يديها.
اقتربت نور وجلست بقربها،
من دون أن تقول شيئًا في البداية…
فالصمت أحيانًا أرحم من الكلام.
وبعد لحظات،
قالت هبة بصوت مكسور:
"كلهم يضحكون عليّ… يقولون إني غريبة… ما أعرف شيء… وانا خائفة من الامتحانات من الفشل من الرسوب من ان يضحكون عليي"
رفعت نور رأسها بهدوء،
وتذكرت كلام السماء تلك الليلة:
"أنتِ قوية… لأنك حاملة للأمانة."
فوضعت يدها على كتف هبة،
وقالت بنبرة ثابتة:
"تعرفين يا هبة…
أنا أيضًا كنت أظن نفسي ضعيفة.
لكن عرفت منذ مدة أن الله أعطى كل إنسان أمانة…
وأمانتك أنتِ هي قلبك الحساس.
هذا ليس ضعفًا… هذا دليل قوة."
رفعت هبة عينيها بدهشة…
لم تتوقع أحدًا يقول لها مثل هذا الكلام.
وأكملت نور:
"والله ما يختار قلبًا نقيًا مثلك للامتحان
إلا لأنه يعرف أنك تتحملين.
اسمعيني…
إحنا مو ضعيفين لأن ناس ضحكوا علينا،
إحنا نصير ضعيفين فقط إذا صدقنا كلامهم."
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وأضافت:
"تعالي… نقف معًا.
وأنا بوعدك: ولا أحد يقدر يجرحك وأنا موجودة."
مسحت هبة دموعها،
وقامت مع نور نحو الصف،
وقد بدا على وجهها شيء جديد…
شيء يشبه الشجاعة.
وعندما رآهما باقي الصفّ يعودان،
كانت نور تمشي بخطوات ثابتة،
كأنها تقول للعالم دون أن تنطق:
"هذه هي الأمانة…
أن أكون رحيمة،
قوية،
عادلة،
ومسؤولة عن كل خير أقدر أن أفعله وعن كل اختيار اختاره."
ومن ذلك اليوم،
صار كل من يعرف نور يشعر أن فيها شيئًا مختلفًا،
شيئًا لا يُرى بالعين…
لكن يُحسّ بالقلب.
كانت نور…
الفتاة التي حملت الأمانة.
