بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[1].
﴿قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾، قطع من الأرض صلبة أو رخوة، وجد الماء فيها أو بخاره وعدمه، ومن حيث القوة النامية فيها، إما مطلقا، أو لبعض الاشياء أو ضعفها، ومن حيث الملوحة والسبخية وغيرها، ومن حيث المعادن للأحجار التي لها القيمة وعدمها والفلزات كذلك ايضا والجنان الطبيعية والزرع والنخيل، على كونها قطعة ورقعة واحدة فما هو رمز الكثرة المتجاورة؟ لأنها حسب الحالات والتأثر ليست واحدة، فمنها السبخة النكدة، ومنها الجدبة المقفرة، ومنها صخرة صلدة، ومنها رخوة لينة، ومن ثم هي بين عامرة وغامرة، ريانة وعطشانة، حية مزروعة ومهملة ميتة، وكلها أرض واحدة، فيوجد تقابل فني في لوحة واحدة بقطع متجاورات، فليكن وراءها تصميم قاصد واحد حيث الاختلاف بذلك النسق المنضد المنظم دليل الإرادة الوحيدة، غير الكثيرة ولا الوهيدة.
فإن اختلاف القطع مع بساطة الارض لا بد أن يجيء من قبل الفاعل، فالفاعل لا بد أن يكون واجدا للكل على نحو أعلى، لاستحالة كون الفاقد معطيا، وكذلك الاختلاف في الثمرات مع وحدة الارض والماء.
وكذلك العلم والحكمة يستفاد منها، اذ لو كانت الاحجار القيمة في تمام الموارد تخرج عن القيمة بالمرة.
وكذلك المعادن فيصير تمام الناس سواء في الثروة، وبالتساوي يختلف النظام، ويفسد اذ لم يختر الشغل الخسيس أو العسير واحد إلا مع الاحتياج، فينجر الى الخلف والفساد.
هذا إجمال جميل عن هذه الأرض، وإلى تفصيلات هي من خلفيات مختلف القطع بطباعها المختلفة.
﴿وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾، فالأعناب والنخيل يمثّلان كل الأشجار المثمرة لأنهما أهمهما نفعا، والزرع يشمل كل ما يزرع، وهذه الثلاث بين ﴿صِنْوَانٌوَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾، ﴿صِنْوَانٌ﴾، أي الاغصان التي أصلها غصن واحد وغير ما هو كذلك أو غير الطبيعية كما ذكر المسقيات بالماء الواحد، وحصول الفضل بين الثمرات في الاكل وفي جميع ما ذكر ﴿لَآيَاتٍ﴾، ايضا لأهل التعقل.
و ﴿صِنْوَانٌ﴾، مثنى وجمع واحده «صنو» وهو المماثل، وهو الغصن الخارج عن أصل الشجرة، فالصنوان هي الأمثال النابتة على أصل مشترك، وغير صنوان خلافها وهي من أصول عدة، فمن الصنوان مختلف الأعضاء، بين خضراء وحمراء وصفراء من شجرة واحدة، فترى تمرات مختلفة حجما وطعما ولونا في نخلة واحدة، واعناب حلوة وحامضة، بين خضراء وحمراء وصفراء من شجرة واحدة وارض واحدة وماء واحد، فقد نرى تفاح من شجرة واحدة مختلف الطعوم مفضل بعضها على بعض في الأكل حلاوة وحموضة، كما نرى متماثلات ومختلفات من أصول عدّة، فمن هذا الذي يجعلها مختلفة صنوان، أم متوحدة وغير صنوان إلاّ الرحمن، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ وهكذا تكون الثمرات في أنسال الإنسان ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾، وكما يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله لعلي (عليه السلام): ((اَلنَّاسُ مِنْ أَشْجَارٍ شَتَّى وَأَنَا وَأَنْتَ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ))[2]، وقوله (صلى الله عليه وآله): ((أَنَّ عَمَّ اَلرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ))[3].
مع أن الكل ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾، ثم ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، حيث استعمال العقل في مختلف هذه المظاهر على وحدة الأرض والماء دليل التصميم الهادف الوحيد، لولا ذلك فلماذا الاختلاف وهو لا يأتي إلاّ عن مختلف، والماء واحد والأرض واحدة، والبذر الواحد يأتي بمختلف الأثمار لونا وطعما وحجما!
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أرض واحدة وماء واحد وشجرة واحدة والثمرة مختلفة، أترى هذه صدفة عمياء أم تصميمة قاصدة لألاء. لسنا نقول إن ليست هناك علل طبيعية تؤثر هذه التأثيرات، ولكنها معلّلة بإرادة الله الواحد القهار، لو كانت هي الطبيعة وحدها كانت تأثيراتها على نسق واحد دون ما اختلاف، ولا سيما في الصنوان، فسبحان العزيز المنان
وهكذا يستكشف حب الله لبقاء النظام محبة للناس.
[1] سورة الرعد، الآية: 4.
[2] الاحتجاج، ج 1، ص 134.
[3] الأمالي (للطوسي)، ج 1، ص 249.
