المبحث الأول
تنقسم الهداية في القرآن الكريم إلى نوعيين رئيسيين، الأول هو الهداية التكوينية، والثاني الهداية التشريعية، والهداية التكوينية هي تجهيز المخلوق وتزويده بما يوصله للهدف الذي خلق من أجله، فنحن نعلم أنّ الله سبحانه وتعالى خلق المخلوقات لغاية وهدف، فلا يتصور ولا يمكن أنْ يكون هناك شيء خلقه تعالى من دون هدف وغاية وحكمة من خلقه، لأنه عزّ وجل منزّه عن العبثية واللهو واللعب، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾ 2، فكل مخلوق خلق لغاية وهدف، والهداية التكوينية هي تزويد هذه المخلوقات بأجهزة وغرائز أو يلهمها سبحانه وتعالى بإلهامات أو يوحي إليها بإيحاءات، وعن طريق ذلك تسلك طريقها في الوصول إلى هدفها وغايتها المنشودة التي خلقت من أجلها، وهذه الهداية عامة تشمل كافة المخلوقات، وقد صرّح الحق بذلك في قوله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ 3، وقوله: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ 4.
فكل مخلوق قد استفاد من هذه الهداية. ومن أمثلتها في المخلوقات ما في النمل، تلك الحشرة الصغيرة، فقد أودع الله فيها من هذه الهداية ما يدفع بالإنسان إلى العجب، فهي تدّخر قوت الشتاء من الصيف، فتقوم في فصل الصيف بجمع الغذاء وادّخاره إلى فصل الشتاء وذلك لصعوبة حصولها على الغذاء في هذا الفصل، وأنّ الواحدة منها إذا عجزت عن نقل وحمل شيء انصرفت وأفهمت جماعتها، فتتعاون على نقله كما يتعاون البشر فيما بينهم على نقل الشيء الثقيل، وإذا خافت على طعامها الذي تدّخره في جحورها ومساكنها العفونة أخرجته ونشرته على وجه الأرض، وربما اختارت الليل لذلك لأنّه أحفظ لها من أنْ يتعرّض طعامها للأخذ والسرقة من الحشرات والزّواحف والحيوانات الأخرى، وأنّها إذا خافت على البذور التي تجمعها وتدّخرها لغذائها الإنبات قسمتها إلى قسمين كي لا تنبت، وإذا كانت البذور من النوع الذي ينبت لو قسمت إلى قسمين فإنّها تقسمها إلى أربعة أقسام، فكل ذلك يرشدها إليه ما أودعه الله سبحانه وتعالى فيها من غرائز وغيرها مما يرتبط بالهداية التكوينية التي زوّد الله سبحانه وتعالى بها النمل.
ومن المخلوقات التي تتجلّى فيها هذه الهداية ويعد من عجائبها ما أودعه الله سبحانه وتعالى منها في السمك المعروف بثعابين البحر أو سمك «الحنكليس» فإن إناثه تأتي في فترة وضع البيض من أنهار القارتين الأوربيّة والأمريكية إلى بحر «سرجاسو»، وهو بحر يقع في المنطقة بين أمريكا وأوربا، فتضع بيضها ثم تموت هذه الإناث، ولما أنْ يفقس بيض هذه الأسماك تقوم أولادها بالعودة إلى الموطن الأصلي لأمهاتها، وقد أجرى العلماء اختبارات حول ذلك بوضع علامات على مجموعة من هذه الأسماك فلم يسجل أنْ أخطأ الأولاد في الاتجاه إلى غير موطن الأم، فكل واحد منها ذهب إلى المكان الذي كانت تعيش فيه أمه وجاءت منه، فمن هدى هذه الأسماك الصغيرة إلى قطع تك المسافة الشاسعة والتوجه إلى موطن أمّها الأصلي؟ إنّه الله سبحانه وتعالى بما أودعه فيها تكوينًا من الهداية.
وأمّا الهداية التشريعية فهي إراءة طريق السعادة والدعوة إليه، وتبيان طريق الهلاك والغواية والتحذير منه، فهي هداية خاصة بالموجود العاقل المدرك، مفاضة عليه بواسطة عوامل خارجيّة عن ذاته، وذلك عن طريق الأنبياء والرّسل وأوصيائهم والكتب السماوية والعلماء والمصلحين وغير ذلك، ومن أمثلتها في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ 5، فهداية القرآن الكريم المشار إليها في هذه الآية هي من سنخ الهداية التشريعية.
وهناك هداية تعرف بالهداية التوفيقية، وهي من أقسام الهداية التكوينية، وهي فيض من الله سبحانه وتعالى يفيضه على العبد الذي اهتدى بالهداية التشريعية، وهي - أي الهداية التوفيقية - مزيد من التوفيق من الله للعبد ينوّر بها قلبه الذي يطوي مسيرة الكمال للوصول إليه سبحانه، فيبصّره الله سبحانه بحقائق الأمور، وكلّما طوى العبد خطوات في طريق الكمال وجاهد نفسه وبذل قصارى جهده في الالتزام بتعاليم الشرع المقدّس يفيض الله عليه من هذه الهداية، وفي القرآن الكريم العديد من الآيات الكريمة التي تشير إلى هذا القسم من الهداية، ومنها الآية التي تصدرت بها الحديث، وهي قوله تعالى: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾ 1، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ 6، فالمهتدون بالهداية التشريعية، ونتيجة لاختيارهم طريق الهداية وابتعادهم عن طريق الضلال والغواية ولتقيّدهم عقيدة وعملًا بدين الله الحنيف يكونون في معرض المزيد من اللطف الإلهي، فيهبهم الحق سبحانه المزيد من الهداية ويظهر لهم من البراهين والأدلّة ما يزيد في إيمانهم ويرسخ من يقينهم، وبهذا يرتقون شيئًا فشيئًا في مراتب الكمال والقرب الإلهي.
تنقسم الهداية في القرآن الكريم إلى نوعيين رئيسيين، الأول هو الهداية التكوينية، والثاني الهداية التشريعية، والهداية التكوينية هي تجهيز المخلوق وتزويده بما يوصله للهدف الذي خلق من أجله، فنحن نعلم أنّ الله سبحانه وتعالى خلق المخلوقات لغاية وهدف، فلا يتصور ولا يمكن أنْ يكون هناك شيء خلقه تعالى من دون هدف وغاية وحكمة من خلقه، لأنه عزّ وجل منزّه عن العبثية واللهو واللعب، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾ 2، فكل مخلوق خلق لغاية وهدف، والهداية التكوينية هي تزويد هذه المخلوقات بأجهزة وغرائز أو يلهمها سبحانه وتعالى بإلهامات أو يوحي إليها بإيحاءات، وعن طريق ذلك تسلك طريقها في الوصول إلى هدفها وغايتها المنشودة التي خلقت من أجلها، وهذه الهداية عامة تشمل كافة المخلوقات، وقد صرّح الحق بذلك في قوله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ 3، وقوله: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ 4.
فكل مخلوق قد استفاد من هذه الهداية. ومن أمثلتها في المخلوقات ما في النمل، تلك الحشرة الصغيرة، فقد أودع الله فيها من هذه الهداية ما يدفع بالإنسان إلى العجب، فهي تدّخر قوت الشتاء من الصيف، فتقوم في فصل الصيف بجمع الغذاء وادّخاره إلى فصل الشتاء وذلك لصعوبة حصولها على الغذاء في هذا الفصل، وأنّ الواحدة منها إذا عجزت عن نقل وحمل شيء انصرفت وأفهمت جماعتها، فتتعاون على نقله كما يتعاون البشر فيما بينهم على نقل الشيء الثقيل، وإذا خافت على طعامها الذي تدّخره في جحورها ومساكنها العفونة أخرجته ونشرته على وجه الأرض، وربما اختارت الليل لذلك لأنّه أحفظ لها من أنْ يتعرّض طعامها للأخذ والسرقة من الحشرات والزّواحف والحيوانات الأخرى، وأنّها إذا خافت على البذور التي تجمعها وتدّخرها لغذائها الإنبات قسمتها إلى قسمين كي لا تنبت، وإذا كانت البذور من النوع الذي ينبت لو قسمت إلى قسمين فإنّها تقسمها إلى أربعة أقسام، فكل ذلك يرشدها إليه ما أودعه الله سبحانه وتعالى فيها من غرائز وغيرها مما يرتبط بالهداية التكوينية التي زوّد الله سبحانه وتعالى بها النمل.
ومن المخلوقات التي تتجلّى فيها هذه الهداية ويعد من عجائبها ما أودعه الله سبحانه وتعالى منها في السمك المعروف بثعابين البحر أو سمك «الحنكليس» فإن إناثه تأتي في فترة وضع البيض من أنهار القارتين الأوربيّة والأمريكية إلى بحر «سرجاسو»، وهو بحر يقع في المنطقة بين أمريكا وأوربا، فتضع بيضها ثم تموت هذه الإناث، ولما أنْ يفقس بيض هذه الأسماك تقوم أولادها بالعودة إلى الموطن الأصلي لأمهاتها، وقد أجرى العلماء اختبارات حول ذلك بوضع علامات على مجموعة من هذه الأسماك فلم يسجل أنْ أخطأ الأولاد في الاتجاه إلى غير موطن الأم، فكل واحد منها ذهب إلى المكان الذي كانت تعيش فيه أمه وجاءت منه، فمن هدى هذه الأسماك الصغيرة إلى قطع تك المسافة الشاسعة والتوجه إلى موطن أمّها الأصلي؟ إنّه الله سبحانه وتعالى بما أودعه فيها تكوينًا من الهداية.
وأمّا الهداية التشريعية فهي إراءة طريق السعادة والدعوة إليه، وتبيان طريق الهلاك والغواية والتحذير منه، فهي هداية خاصة بالموجود العاقل المدرك، مفاضة عليه بواسطة عوامل خارجيّة عن ذاته، وذلك عن طريق الأنبياء والرّسل وأوصيائهم والكتب السماوية والعلماء والمصلحين وغير ذلك، ومن أمثلتها في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ 5، فهداية القرآن الكريم المشار إليها في هذه الآية هي من سنخ الهداية التشريعية.
وهناك هداية تعرف بالهداية التوفيقية، وهي من أقسام الهداية التكوينية، وهي فيض من الله سبحانه وتعالى يفيضه على العبد الذي اهتدى بالهداية التشريعية، وهي - أي الهداية التوفيقية - مزيد من التوفيق من الله للعبد ينوّر بها قلبه الذي يطوي مسيرة الكمال للوصول إليه سبحانه، فيبصّره الله سبحانه بحقائق الأمور، وكلّما طوى العبد خطوات في طريق الكمال وجاهد نفسه وبذل قصارى جهده في الالتزام بتعاليم الشرع المقدّس يفيض الله عليه من هذه الهداية، وفي القرآن الكريم العديد من الآيات الكريمة التي تشير إلى هذا القسم من الهداية، ومنها الآية التي تصدرت بها الحديث، وهي قوله تعالى: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾ 1، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ 6، فالمهتدون بالهداية التشريعية، ونتيجة لاختيارهم طريق الهداية وابتعادهم عن طريق الضلال والغواية ولتقيّدهم عقيدة وعملًا بدين الله الحنيف يكونون في معرض المزيد من اللطف الإلهي، فيهبهم الحق سبحانه المزيد من الهداية ويظهر لهم من البراهين والأدلّة ما يزيد في إيمانهم ويرسخ من يقينهم، وبهذا يرتقون شيئًا فشيئًا في مراتب الكمال والقرب الإلهي.

تعليق