بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾[1].
آيات قرآنية كثيرة تدل على القدرة الإلهية ومنها قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾، تسبيح الرعد دلالته على تنزيه الله ووجوب حمده فكأنّه هو المسبح.
قيل: إنّ الرعد هو الملك الّذي يسوق السحاب ويزجره بصوته، وهو يسبّح الله تعالى ويحمده، وَرُوِيَ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ رَبَّكُمْ سُبْحَانَهُ يَقُولُ لَوْ أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُونِي لَأَسْقَيْتُهُمُ اَلْمَطَرَ بِاللَّيْلِ وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ اَلشَّمْسَ بِالنَّهَارِ وَلَمْ أُسْمِعْهُمْ صَوْتَ اَلرَّعْدِ))[2].
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ اَلرَّعْدِ قَالَ: ((سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ اَلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ))[3]. وفي كيفيّة تسبيح الرعد أقوال: الأوّل أنّ الرعد اسم ملك من الملائكة وهذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبيح والتهليل.
واعلم أنّ البنية ليست شرطا لحصول الحياة مع الإرادة من الله، فيخلق الحياة والعلم والنطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلا له، وكيف يستبعد ذلك ونحن نرى أنّ السندل يتولّد في النار، والسمك في الماء، كما كان يسبّح الجبال في زمن داود وتسبيح الحصى في زمن محمّد ((صلّى الله عليه وآله)).
وقيل: إنّ الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص ولو كان كذلك فإنّ الرعد يسبّح الله؛ لأنّ التسبيح وما يجري مجراه ليس إلّا وجود لفظ يدلّ على حصول التنزيه لله فلمّا كان حدوث هذا الصوت دليلا على وجود موجود متعال عن النقص والإمكان فهو في الحقيقة تسبيح وهو معنى قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾[4]، وهذا تأويل، وأيّ شيء يلزمنا بهذه التأويلات مع علمنا بالقدرة الإلهيّة؟ فيحمل الكلام على ظاهره كما نطقت به الشريعة الغرّاء والكتاب المبين.
قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ وخشيته، وقد ورد فِي دعاء الإمام علي بن الحسين زين العابدين عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ فِي اَلصَّلاَةِ عَلَى حَمَلَةِ اَلْعَرْشِ: ((وَاَلَّذِي بِصَوْتِ زَجْرِهِ يُسْمَعُ زَجَلُ اَلرُّعُودِ وَإِذَا سَبَّحَتْ بِهِ حَفِيفَةُ اَلسَّحَابِ اِلْتَمَعَتْ صَوَاعِقُ اَلْبُرُوقِوَمُشَيِّعِي اَلثَّلْجِ وَاَلْبَرَدِ وَاَلْهَابِطِينَ مَعَ قَطْرِ اَلْمَطَرِ إِذَا نَزَلَ..))[5].
قوله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ﴾، ويصرفها عمّن يشاء إلّا أنّه حذف للدلالة.
قال الباقر عليه السّلام: ((أَنَّ اَلصَّوَاعِقَ تُصِيبُ اَلْمُسْلِمَ وَغَيْرَ اَلْمُسْلِمِ وَلاَ تُصِيبُ ذَاكِراً))[6].
وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ﴾، أي هؤلاء الجهلة مع مشاهدتهم لهذه الآيات يخاصمون أهل التوحيد أي يفتلون عن مذهب الحقّ؛ لأنّ معنى الجدال فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج. واعلم أنّ آية الصاعقة الناشئة من السحاب أمر عجيب جدّا ومع أنّها تتولّد من السحاب المملوءة من الماء ربما نزلت وغاصت في البحر وتحرق الحيتان مع أنّها تغوص في لجج البحر، ولا يؤثّر الماء فيها من قوّتها وحدّتها بل شاهدنا مرارا أنّها تحرق المسامير في الأبواب وتجعلها فحما.
فكيف يمكن أن تتصوّر أنّها قد أحدثت من اصطكاك السحاب والخرق! لأنّها لو كانت من أسباب عالم الطبيعة لا بدّ وأن تكون حرارتها أضعف من حرارة الموجودة لمجاورة ماء السحاب ومسّها فضلا عن غوص البحر، فاختصاصها بمزيد هذه القوّة الغريبة بتخصيص الفاعل والأمر الغيبيّ علمه عنّا، فتأمّل.
وبالجملة لمّا بيّن هذه الآيات قال سبحانه: هؤلاء الكفّار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله، ويحرّفون الناس عن الإيمان به والحال أنّه سبحانه شديد الحول والقوّة والعقوبة.
وفي لفظ المحال أقوال: -
قيل: الميم زائدة وهو من الحول ونحوه مكان.
وقيل: أصليّة لأنّ الكلمة إذا كانت على مثال فعال أوّله ميم مكسورة فهي أصليّة نحو «مهاد ومداس وملاك ومداد».
وقيل: أخذ مادّته من «محل» إذا عرضه للهلاك ويحمل إذا تكلّف استعمال الهلاك بطريق لا يتوقّعونه أو عبارة عن المدّة سنة، ماحلة أي شديدة.
[1] سورة الرعد، الآية: 13.
[2] بحار الأنوار، ج 56، ص 356.
[3] وسائل الشيعة، ج 8، ص 12.
[4] سورة الإسراء، الآية: 44.
[5] الصحيفة السجادية، ص 36.
[6] بحار الأنوار، ج 56، ص 357.
