بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ﴾[1].
إن هذه الآية تتضمن مجموعة من الصور التشبيهية التي سيقت من أجل بلورة مفهوم الحق الذي أنزله الله تعالى مقابل الباطل وهذا المفهوم يشكّل الفكرة الرئيسة التي تحوم عليها سورة الرعد.
الصورة الأولى في هذا المقطع هي قوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. الصورة الثانية هي قوله تعالى: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا﴾.
الصورة الثالثة هي قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾. الصورة الرابعة هي قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
والآن، إذا كانت الصورة الفنية الناجحة تتميز بكونها ذات إيحاءات متنوعة، حينئذ ما هي الايحاءات التي يمكن أن نستخلصها من الصورة المشار إليها؟
الصورة الأولى تقول: إن الله أنزل مطرا، فسالت الأودية به: حسب مساحتها من الكبر أو الصغر، فالوادي الصغير مثلا يحتفظ بقدر صغير من ماء المطر، والوادي الكبير يحتفظ بقدر كبير منه، وهكذا سائر الأودية التي تتفاوت في أحجامها.
هذه الصورة الحسية تفجّر لدى المتلقّي أكثر من إيحاء دون أدنى شك.
فالمطر يرمز إلى الخير، إلى معطيات الله تعالى، إلى الحق الذي أنزله تعالى. الخ.
والوديان قد ترمز إلى النفس البشرية وطبيعة استعدادها لتقبّل الخير، لتقبّل الإيمان. إلخ.
فهناك من الأشخاص من يستجيب للإيمان أو الخير بقدر كبير، وهناك من يستجيب له بقدر قليل، وهناك من تتفاوت استجابته بين القلة والكثرة حسب استعداده، وهكذا.
إذن، الصلة بين المطر والوديان وبين الأشخاص ودرجاتهم من الإيمان، تظل واضحة في الصورة الفنية المشار إليها.
والصورة الثانية فتعني: أن المطر حينما انهمر على الوديان، فإن سيوله التي شربتها هذه الوديان، تظل عادة مصحوبة بالزبد، بالرغوة الطافية على السيل.
ترى ماذا نستخلص من هذه الصورة؟ الآية القرآنية الكريمة، تقدّم لنا بعد انتهائها من صياغة هذه الصورة: السرّ الفني الذي يستخلص منها، ألا وهو: أن الزبد يذهب جفاء، وإنّ ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
أي أنّ الزبد الذي صحب السيل سيتلاشى لأنه رغوة طافية سرعان ما تنمحي من سطح المياه، بينا تبقى المياه محتفظة بمادتها، الزبد في مثل هذه الحالة يتلاشى، لأنه ببساطة لا نفع فيه، وهذا بعكس المياه التي تبقى حيث تنتفع البشرية بها كما هو واضح.
وما يستخلص من هذا كله هو: أنّ الحق يبقى، وأن الباطل سيتلاشى تماما.
كما يبقى الماء ويتلاشى الزبد.
والصورة الثالثة معناها: أن المعادن الثمينة التي يستفيد الناس منها مثل الذهب تحمل نفس خصيصة الماء الذي يتلاشى زبده وتبقى مادته، فالذهب حينما يذاب من خلال الحرارة تصحبه عادة مواد غير أصيلة، تلقى جانبا، ويحتفظ بما هو أصيل فحسب، فالمواد غير الأصيلة زبد أيضا، أي أن الآية القرآنية الكريمة شبّهت ما لا ينفع من الذهب بما لا ينفع من المياه وهذا نمط فنيّ مدهش من حيث التركيب الصوري الذي يتداخل من خلاله هذا المقطع من الآية بعضها مع الآخر.
والمهم بعد ذلك كله أن النص تركنا نستخلص من خلال الصورة الرابعة والتي تعني: أنّ الحق وهو الفكرة التي تحوم عليها سورة الرعد يمكث، وأن الباطل يتلاشى تماما كما يتلاشى الزبد والمواد غير الأصيلة، وأن ذلك من جانب آخر يبقى مرتبطا بطبيعة النفس البشرية التي تستجيب للحق أو الباطل بقدر استعدادها تقبّل الخير والشر.
إذن: ينبغي ألاّ نغفل عن أهمية مثل هذه الصياغة الفنية لهذه الآية المشار إليها، من حيث صلتها بفكرة النص الذي يحوم على مفهوم الحق مقابل الباطل، فيما تفصح مثل هذه الصلة عن الإحكام الهندسي للسورة الكريمة.
[1] سورة الرعد، الآية: 17.
