إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

دورنا في زمن الغيبة.. التّحرّك من أجل العدل والإسلام

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • دورنا في زمن الغيبة.. التّحرّك من أجل العدل والإسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
    وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
    وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
    السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته






    نلتقي في الخامس عشر من شهر شعبان بمناسبة ذكرى ولادة الإمام الحجّة المهدي(عج)، ونحن أمام مسألة إسلاميّة يلتقي المسلمون عليها، وإن حاول بعض المسلمين في السّنين المتأخّرة، بفعل وضعٍ سياسيٍّ معيَّن في منطقة معيَّنة، أن يطلقوا الحديث حول إنكار مسألة المهدي، ولكنَّها مما تواتر الحديث فيها عند المسلمين جميعاً، وإن اختلفوا في بعض التّفاصيل، في أنَّه هل ولد، وهو ما يلتقي عليه الإماميَّة الإثنا عشريَّة، أو لم يولَد، وهو ما يذهب إليه غالبيَّة المسلمين من أهل السنَّة، وقد نقل المرحوم السيّد (محسن الأمين) في كتابه (أعيان الشيعة)، أنّ هناك من علماء السنّة من يقول إنّه وُلِد، ويلتقي مع الشّيعة في اسمه واسم أبيه.

    الإيمان بالمهدويّة
    ونحن نؤمن بالمهدويّة، لأنّ الصّادق المصدّق الذي جاء بالصّدق وصدّق به، أخبرنا بذلك في خطّين من الحديث؛ حديث الثّقلين الَّذي يقول: "إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض"[1]، ويستوحي الكثير من العلماء من هذا الحديث، أنّه في كلّ وقت يكون الكتاب موجوداً، وهو موجود على مدى الزَّمن، لا بدَّ من أن يكون هناك شخص من العترة موجود معه بفعل الحديث عن عدم الافتراق.
    وهناك حديث أيضاً يرويه الفريقان: "لن تنقضي الأيّام واللّيالي حتى يبعث الله تعالى رجلاً من أهل بيتي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً"[2].
    وعلى أيّة حال، فإنَّ قضيَّة الإمام(عج) غيب من غيب الله، على أساس عقيدة الإماميَّة في المسألة، باعتبار طول الزّمن وضبابيّة التّفسيرات في هذا المجال، أو في غير عقيدة الإماميَّة، لأنَّ مسألة أن يظهر شخص ينشر العدل ليكون عالميّاً، هي مسألة غيبٍ وليست مسألة عاديّة، فهي غيب من غيب الله تعالى علينا أن نرجع أمره إليه في طبيعة أحداثه، فالله هو القادر على كلّ شيء، وهو الّذي يختصّ برحمته من يشاء.. ولذلك، تبقى التَّفسيرات لغيبته عاجزةً عن إدراك الواقع الَّذي لا يعلمه إلا الله تعالى.

    أمّا مسألة طول العمر، فلا يثبت استبعادها أمام النَّقد، لأنَّ التّاريخ الدّينيّ والقرآنيّ بشكل خاصّ، يحدّثنا عن نوح(ع) أنّه عاش ألف سنة إلا خمسين عاماً مع قومه، وربما عاش بعد ذلك طويلاً، لأنَّ القرآن لم يحدِّثنا عن نوح بعد الطّوفان، وإذا أمكن للإنسان أن يعيش ألف سنة، فلماذا لا يمكن أن يعيش ألفي سنة أو أكثر من ذلك؟ كما أنَّ العلم فيما يتحدَّث فيه العلماء الآن، لا يمانع أن يعيش الإنسان آلاف السّنين إذا اكتشف سرّ تجدّد الخلايا، لذلك، فالمسألة من ناحية التّأريخ الدينيّ، ومن ناحية الحكم العقليّ، من حيث الإمكان والاستحالة، ومن حيث الإمكان العلميّ، فيما يعرفه العلم أو فيما يفرضه من فرضيّات، هي من المسائل الَّتي لا مشكلة فيها من هذه الجهة.
    دورنا في الغيبة
    إنَّ علينا أمام هذه القضيَّة أن ندرس ما هو دورنا، فكما قلنا، إنَّ دور الإمام المهدي(ع) رساليّ غيبيّ، ولسوف يظهر ليقدِّم لنا إسلاماً أصيلاً واضحاً، لا لبس فيه، ولا مجال فيه لاختلاف المذاهب وتنوّع الاجتهادات، حتّى يخيَّل إلى الناس، كما ورد في بعض الأحاديث، أنّه جاء بدينٍ جديد، وليس بعد رسول الله(ص) دين جديد، كما يؤكِّد القرآن الكريم ذلك: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}[3]، وفي الحديث: "حلال محمَّد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة"[4]، فلا يملك أحد أن يبدِّل أو يغيّر، لكنَّ ابتعاد النّاس عن الإسلام، واختلاف الاجتهادات التي أضاعت الكثير من ملامح الإسلام، تدعو إلى الحاجة إلى مثل الإمام المعصوم، ليعيد الأمور إلى نصابها، لأنّك عندما تجد في مسألة واحدة عشرة آراء أو أكثر، فلا يمكن أن تحكم بكونها كلِّها إسلاماً، إذ لا بدَّ من أن يكون بعضها أو واحد منها إسلاماً، ويكون الباقي بعيداً عن الإسلام، لأنَّ حقيقة الإسلام واحدة.


    فعندما يعيش النّاس في كلّ هذا المدى الطَّويل إسلام المذاهب وإسلام المجتهدين، فقد يبتعدون عن الصّورة المشرقة المضيئة للإسلام المحمَّدي الأصيل، لذلك يخيَّل إلى الإنسان أنَّ ما يراه هو دين جديد، وإن كنّا نستغرب مثل هذا التّعبير ولا نتبنّاه، ولكن فيما يخيَّل إلى الناس في هذه الأيّام وفي غيرها،
    .

    فما هو دورنا في هذا المجال، هل نجمِّد كلّ الإسلام، ونجمّد كلّ الحركة، ونصادر كلَّ أحلامنا ومشاريعنا في التّغيير، لأنّه سيأتي يوم يتغيَّر فيه العالم، كلّ العالم؟ هل نطرح شعارنا في أسلمة العالم على أساس أنه سيأتي شخص مميّز سوف يملأ العالم إسلاماً؟
    إنَّ القرآن يرفض ذلك، لأنَّ الله تعالى لم يوقّت الدَّعوة إلى الله بوقت، ولم يوقّت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بوقت، ولم يوقّت الجهاد بوقت، ذلك أنَّ الناس بأجمعهم مسؤولون عن الإسلام كلّه، بأن يحملوه أمانةً في أعناقهم؛ أمانةً من الله وأمانةً من رسول الله، {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}[5]، بل لا بدَّ لكم من أن تستمرّوا وتتابعوا المسيرة جيلاً بعد جيل، {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
    السَّعي لنشر الإسلام
    لذلك ـ أيّها الأحبَّة ـ في مرحلته الّتي ينتظرها العالم، سيكون هذا هو دوره، وإذا بلغنا ذلك الزّمن، فإنَّ دورنا يكون على هامش دوره، لنكون من جنوده ومن أنصاره. أمّا الآن، فإنَّ دوره في مدى الزّمن لا يلغي دورنا الرّاهن، بل لا بدَّ من أن نؤكِّد، ولا بدَّ من أن نأخذ من هذا الوعد الإلهيّ، بأنَّ العدل في خطِّ الإسلام سوف يشمل العالم، وأن نأخذ من ذلك فكرة واقعيَّة في أن نتحرّك من أجل العدل ومن أجل الإسلام.
    وقد يكون هناك فرق بين تلك المرحلة من حيث الشمولية في إسلام العدل أو عدل الإسلام العالمي، لكنّ المسألة على مستوى الجزئيات تصبح ممكنة، لأنّ الإنسان هو الإنسان، فالإنسان هناك سوف يفتح الله عقله وقلبه، وربما يصل إلى مرحلة، من خلال تتابع الحضارات، ومن خلال تطوّر العلم، ومن خلال اتساع المعرفة، إلى المستوى الفكريّ والروحيّ، بحيث تنفتح الحقيقة أمامه دون ضباب، وربما يكون إنسان تلك المرحلة مميّزاً، وليس من الضّروريّ أن يكون كلّ الإنسان كذلك، ولكن علينا أن نفهم من خلال الانتصار الشّامل، أنّ هناك قسماً كبيراً من النّاس يبلغ درجةً من الوعي والمعرفة والعقل، بالمستوى الّذي يستطيع أن يدرك الحقيقة، وإذا كان إنساننا الآن لا يملك هذا الأفق الواسع من معرفة الحقيقة، لأنَّ هناك ضباباً ثقافيّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً وغرائزيّاً يمكن أن يحجب الحقيقة عنه، فإنَّ هناك أكثر من نافذة في عقل الإنسان على المعرفة، فإذا أحسنَّا فتحها والإطلالة منها وتحريكه نحوها، كان من الممكن جدّاً أن نصنع إسلاماً ضمن منطقةٍ أو ضمن مجموعةٍ أو في محورٍ وما إلى ذلك.


    وأمامنا تجربة رسول الله(ص)، الّذي عاش الدّعوة من خلال بشريّته، فقد حرّكها بطاقاته البشريّة، ولم يحرّكها بطريقة غيبيّة، وإن كان الغيب قد أطلَّ عليه بين فترةٍ وأخرى ليحمي الله المسيرة عندما تتعرَّض للخطر، كما في (بدر)، ولكنّه نجح في أن يفتح العالم على الإسلام، وإن لم يستطع بقدرته البشريّة أن يستكمل التّجربة ليكون العالم كلّه مسلماً.. لذلك، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[6]، فلقد دعا رسول الله(ص) بالوسائل الإنسانيَّة، وجاهد بالوسائل المتوفِّرة لديه، مما يتوفَّر لدينا مثلها أو أكثر منها.
    مسؤوليَّة فهم الإسلام
    لذلك ـ أيّها الأحبَّة ـ يتمثَّل دورنا في هذه المرحلة من حياتنا، بأن نقف في السَّاحة لندرسها في كلِّ مواقعها؛ ساحة الإنسان، وساحة التّحدّيات، وساحة الصِّراع، لندخلها مسلمين بكلِّ السّلاح الذي تفرضه علينا هذه المرحلة، وعلينا ونحن نتطلَّع إلى القمّة الواقعيّة للإسلام، أن نسعى إليها بكلِّ جهدنا، وعلينا أن نعرف أنَّ الله أنزل كلّ الرّسالات، لا لتطبَّق في زمان النّبيّ(ص) فقط، فكلّ نبيٍّ دعا وجاهد وعانى وتألّم واستطاع أن يحصل على مجموعةٍ من المؤمنين في زمانه، ثمّ اتَّسعت دعوته وأخذت حجماً معيَّناً، لكنَّها لم تلغِ الكفر ولم تلغِ الانحراف ولم تلغِ الاستكبار.
    ولذلك، نقول إنَّ الله تعالى أرسل رسالاته لتكون للإنسان قمَّة يتطلَّع إليها، ويحاول كلّ جيلٍ أن يزحف إليها ويقترب منها، وقد أراد الله للبشريَّة أن تصل إلى مرحلة تطبَّق فيها كلّ رسالة الإسلام التي تجمَّعت كلّ الرّسالات في داخلها، وهي مرحلة الظّهور، التي أراد الله للحياة أن لا تغيب عن الدنيا قبل أن تطبّق الرّسالة بالكامل.. وقال لنا لا تعتبروا الإسلام الّذي أنزلته عليكم ديناً مثاليّاً، بحيث يبقى مجرَّد حلمٍ كبيرٍ تحلمون أنّه قد يتحقّق، ولكنّه لن يتحقّق، أو مجرّد قمّةٍ تتطلّعون إليها في الأعالي دون أن تستطيعوا بلوغها، ولكنّه واقعيّ في أحكامه وفي حلوله لمشاكل الإنسان، ولن يبلغ هذه الفعليّة في الواقعيَّة إلا إذا توافرت الظّروف الموضوعيّة.

    لذلك، عليكم وأنتم تتحركون في خطِّ المسيرة، أن توفّروا ظرفاً موضوعيّاً هنا، ليدخل الناس في الإسلام، وظرفاً موضوعيّاً هناك ليعيش النّاس الإسلام، وأن تعملوا على أن تفهموا الإسلام في كلّ جيلٍ من الأجيال، لأنّ فهم الإسلام مسؤوليَّة الجميع.


    لهذا ـ أيّها الأحبَّة ـ إنَّ دورنا في هذه المرحلة هو أن نستوحي من هذه الشّموليّة الواقعيّة الفعليّة للإسلام في المرحلة الّتي سيظهر فيها الإمام(ص)، وذلك بأن يظلَّ الواحد منّا سائراً بهذا الاتجاه، ليكون ارتباطه بهذه النَّتيجة الحاسمة الشّاملة ارتباطاً طبيعيّاً، تماماً كما هي السّواقي الّتي تنطلق من هنا وهناك لتؤلّف النّهر الكبير، والَّذي عندما تهطل الأمطار بعد ذلك، تملؤه بما لم تستطع السَّواقي أن تملأه.. لذلك، لا ينبغي أن نتخدَّر بالمستقبل، ولا ينبغي أن نتجمَّد من خلال الضّغوط والمشاكل الّتي تحيط بنا، بل لا بدَّ من أن نبدع الفكرة في الخطّ الاجتهادي السّليم، والحركة في التّجربة الإسلاميّة الرائدة، وأن نبدع في فهم الواقع، لأنَّ من لم يفهم الواقع، لا يستطيع أن يتحرَّك في خطِّ الاستقامة. ولعلَّ مشكلة الكثيرين من الذين ينظّرون، أو من الذين يجتهدون، أو من الذين يتحركون، أنهم يحدِّقون في الكتاب ـ أيّ كتاب ـ أكثر مما يحدّقون في الواقع، فيما الكتاب كتبه أناس عاشوا الواقع من خلال ظروفهم، فلماذا لا ندرس كتاب الواقع من أجل أن نصنع للمستقبل كتاباً جديداً ينطلق من تجربة جديدة؟!


    العدل الشَّامل
    إذاً، فلنتَّفق على أنَّ علينا أن نتحرَّك في كلِّ الاتجاهات بوعيٍ ويقظةٍ وشجاعةٍ وتخطيط.. ثم هناك عنوان كبير، وهو العدل الشَّامل الّذي يشير الحديث إليه: "يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً"[7]، ومعنى ذلك، أنَّ العدل الشَّامل هو هدفٌ للحياة كلِّها، وهو في الوقت نفسه خطّ الإسلام.. وفي استنطاقنا للقرآن، نجده في سورة الحديد يقول: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[8]، والقسط هو العدل، فمنذ آدم حتى نبيّنا محمَّد(ص)، كانت الرّسالات حركة عدل؛ عدل في العقيدة وفي الشّريعة وفي المفاهيم، وفي الواقع في علاقة الإنسان بنفسه وبربّه وبالنّاس من حوله وبالحياة، ونرى أنَّ مسألة العدل هي مسألة القاعدة الّتي يرتكز عليها الإسلام، ولا بدَّ من أن نحمله في أنفسنا، فيعدل الإنسان مع نفسه، فلا يظلم نفسه بالكفر والانحلال والانحراف، وأن يعدل مع ربّه، فيوحِّده ولا يشرك به شيئاً، ويطيعه ولا يعصيه، والعدل مع النَّاس فلا يظلم أحداً، والعدل مع الحياة فلا يبغي في الأرض بغير الحقّ، وأن يتحرَّك العدل في حياتنا كشعارٍ ننطلق به في كلِّ مواقعنا، بأن نعيش العدل في أنفسنا وفي علاقاتنا مع بعضنا البعض وفي علاقاتنا بالواقع.
    ولعلَّ مشكلة أكثر الحركات الإسلاميَّة وغير الإسلاميَّة، مما يتحرَّك في عمليَّة التَّغيير السّياسيّ، أنّهم يطرحون العدل السياسيّ في مستوى الحكم، ولا يطرحون العدل الفرديّ والعدل الاجتماعيّ، ونحن نعرف أنَّ العدل الفرديّ يؤسِّس للعدل الاجتماعيّ، والعدل الاجتماعيّ يؤسِّس للعدل السياسيّ، لأنَّ مسألة التَّغيير هي مسألة الإنسان، {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[9]، فإذا لم تغيّر نفسك لمصلحة العدل، فكيف يمكن أن يتغيّر الواقع، فأنت في الحقيقة صانع الواقع، لأنَّ الله أوكل إليك مهمَّة صنعه، ولأنَّ الله أراد للإنسان، وهو خليفته في الأرض، أن يرتّب الأرض بحسب قدرته وإرادته ووعيه على الخطِّ الذي أراده في رسالاته.


    أتعرفون ـ أيّها الأحبّة ـ لماذا لم تنجح أكثر الدّعوات الإسلاميّة وأكثر الدّعوات غير الإسلاميّة، سواء الإصلاحيّة أو التغييريّة؟! لأنَّ الَّذين يطلقونها ليسوا عادلين، ولأنهم يعيشون العصبيّة الشخصيّة، وإذا تجاوزوا العصبيّة الشخصيّة، فإنهم يعيشون العصبيّة الفئويّة، فبدلاً من أن تنطلق الحركة لتنفتح على الناس كلّهم، لأنهم هم مسؤوليّتها، فإنها تنغلق على نفسها، وتعتبر نفسها العنصر المميّز الذي ينظر إلى الناس من فوق، والّذي يبدأ وهو يحدِّق في داخله في التآكل من الدّاخل، لسببٍ بسيط، وهو أنَّ الإنسان عندما يمنع غرفةً من تنسّم الهواء، فإنّ الغرفة تبدأ بالتعفّن، وإذا منعت نفسك من أن تتنفَّس الهواء في الفضاء الواسع، وعشت في داخل زاوية ضيّقة من نفسك، فإنّك سوف تتعفّن، وهكذا تتعفّن حركتك، وسوف يتعفّن واقعك..

    وعلى هذا، فلا بدَّ لنا دائماً كأفراد وجماعات وحركات، من أن نعيش في الهواء الطلق، وأن لا نحبس أنفسنا في زاوية شخصانيّة، أو في زاوية فئويّة، أو في زاوية عائليّة، أو في زاوية طائفيّة، أو مذهبيّة، بل أن ننفتح على الهواء الطّلق، لنكون للناس كلّهم، ولنكون للإسلام كلّه، ولنكون للإنسان كلّه، فانظر إلى الإسلام كلّه، واختر مذهبك من الإسلام.
    الدّعوة إلى الانفتاح
    لهذا ـ أيها الأحبّة ـ إذا أردنا للواقع أن يتغيّر، فعلينا أن نخرج أفكارنا وعواطفنا ومشاعرنا من هذه الزنزانة الضيّقة.. أتعرفون لماذا يملأ الإمام الأرض قسطاً وعدلاً؟ لأنَّ عقله سوف يكون عقل العالم، ولأنَّ قلبه سوف يكون مفتوحاً للعالم، ولأنَّ حركته لن تتجمَّد في زاوية عرقيّة أو إقليميّة أو قوميّة أو ما إلى ذلك، بل تكون للإنسان كلّه، فالله ربّ العالمين، والرّسول رسول للعالمين، والإمام إمام للعالمين، ولا بدَّ من أن يكون المصلح للعالمين جميعاً، وعندما تقرأون كلمة ربّ العالمين، فعليكم أن تعرفوا أنَّ الله إذا كان يطلّ برحمته وبعفوه وبكرمه وعطائه على العالمين جميعاً، فالحديث الشَّريف يقول: "تخلّقوا بأخلاق الله"[10].
    لتكن رحمتنا للعالمين، وحركتنا للعالمين، وتفكيرنا بآلام العالمين، وإذا استطعت أن تحصل على هذا الأفق الواسع، فسوف تحلّ مشكلة عالمك الصَّغير هنا وعالمك الصّغير هناك، لأنها لن تُحَلّ، ولا سيَّما في هذه الأزمنة، مشكلة شعبٍ إذا لم تُحَلّ مشكلة الإنسان كلّه، لأنّ المشاكل أصبحت مترابطة والعالم قرية واحدة، لذلك، إذا كنت تريد أن تكون مسلماً في حجم ما عاشه رسول الله(ص)، فتذكَّر قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[11]، إذا كنت تريد أن تعيش ذلك، فكن إنسان العالم الّذي يفكّر في حجم العالم بمستوى قدرته، من أجل أسلمة العالم بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالّتي هي أحسن، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، والجهاد بحجم الظّروف.
    أيّها الأحبَّة، السَّاحة مفتوحة للجميع، وهي تتحرَّك في الهواء الطّلق وفي إشراقة الشّمس، فلا تحبسوا أنفسكم في الغرف المغلقة، ولا تحبسوا عقولكم في الزّنزانات الضيّقة، ولا تحبسوا قلوبكم في الأحقاد القاسية، لأنَّ الله أعطانا شمساً مشرقة؛ شمساً تشرق علينا بالنّور لتضيء لنا الأرض، وشمساً هي رسول الله(ص) تشرق بالإسلام، فعلينا أن نتابع تلك الشّمس المعنويّة لنعيش معها الدّفء والنّور والحرارة، ولننطلق مع هذا الهواء الصّافي النّقي، هواء الرّسالة.. فلعلّنا نعدّ أنفسنا لنكون من أنصار المسيرة الكبرى الَّتي يرسم معالمها الدّعاء الّذي ندعوه دائماً في شهر رمضان في (دعاء الافتتاح): "اللّهمّ إنّا نرغب إليك في دولةٍ كريمة، تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذلّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك ـ أن يكون كلّ واحد منا داعية ـ والقادة إلى سبيلك ـ أن يصنع كلّ واحد من نفسه مشروع قائد ـ وترزقنا بها كرامة الدّنيا والآخرة"[12].

    أيّها الأحبَّة، هذا هو الطّريق، ومن هنا المنطلق، وإلى الله المسير
    ------------------------
    [1] وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 27، ص 34.
    [2] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 347، ص 2.
    [3] [المائدة: 3].
    [4] وسائل الشّيعة، ج 30، ص 196.
    [5] [آل عمران: 144].
    [6] [الأحزاب: 21].
    [7] بحار الأنوار، ج 347، ص 2.
    [8] [الحديد: 25].
    [9] [الرعد: 11].
    [10] بحار الأنوار، ج 58، ص 129.
    [11] [الأنبياء: 107].

    [12] بحار الأنوار، ج 88، ص 6.
    التعديل الأخير تم بواسطة عطر الولايه; الساعة 19-05-2016, 03:16 PM.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X