بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد
قانونا التعويض والقُربان
كيف يُصلح الله الخسارة… وكيف يُنال القرب
نحن لا نعيش في فراغٍ روحي.
كل ألمٍ نمرّ به، وكل خسارة، وكل حرمان…
إمّا أن يتحوّل إلى سقوط
أو يكون جسرًا إلى الله.
القرآن وأهل البيت عليهم السلام كشفوا لنا سننًا إلهية ثابتة،
منها قانون التعويض و قانون تقديم القربان.
من فهمهما، تغيّر نظره للحياة والابتلاء.
المحور الأول: قانون التعويض
الله لا يترك الفراغ في قلبٍ رجع إليه
1️⃣ المعنى
قانون التعويض يعني:
أن الله تعالى إذا رأى صدق الرجوع،
لا يكتفي بالمغفرة…
بل يحوّل الخسارة إلى ربح.
2️⃣ الدليل القرآني
قال تعالى:
﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَٰتٍ﴾
(سورة الفرقان: 70)
لاحظي التعبير:
لم يقل يمحو، بل قال يبدّل.
وهذا أعمق من العفو… هذا تعويض.
وقال تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
(الطلاق: 2–3)
أي: من جهة لم تكن في حسبانه أصلًا.
3️⃣ من روايات أهل البيت عليهم السلام
🔹 نص ثابت مشهور بالمعنى: قال أمير المؤمنين علي عليه السلام:
«مَن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه»
المعنى مروي ومتداول في كلمات أهل البيت، ونُقل في كتب الحكم والمواعظ، ويُستشهد به العلماء بهذا اللفظ.
🔹 وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
«إن العبد ليذنب الذنب فيُحرم به الرزق، وإن العبد ليتوب فيفتح الله له أبوابًا من الرزق»
المعنى مروي في الكافي (ج 2، باب التوبة) بمضامين متقاربة.
4️⃣ فهمٌ عميق للقانون
التعويض:
ليس دائمًا فوريًا
ولا يشترط أن يكون من نفس النوع
قد يكون:
سكينة بدل اضطراب
بصيرة بدل حيرة
قرب بدل فقد
الله يعوّض بما يُنقذ قلبك، لا بما تُصرّ عليه نفسك.
المحور الثاني: قانون تقديم القربان
لا صعود بلا تضحية
1️⃣ المعنى
القُرب لا يُنال مجانًا.
كل درجة أعلى تحتاج شيئًا يُترك.
القربان ليس دمًا ولا شكلًا…
بل كسر تعلّق.
ليس كل تعلّق يُكسر. القربان ليس تحطيم النفس ولا إلغاء الحياة.
الكسر يكون بحسب الدرجة التي تريدين بلوغها، وبحسب طبيعة التعلّق.
التفصيل الهادئ (وهذا هو الميزان القرآني والروائي)
1️⃣ التعلّق بالحرام
🔴 هذا يُكسر دائمًا بلا نقاش
لأن القرب لا يجتمع مع المعصية.
📖 قال تعالى:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾
📌 هنا لا يُسمّى قربانًا… بل توبة واجبة
وتركه شرط الدخول في الطريق أصلًا، لا شرط الارتقاء.
2️⃣ التعلّق بالمكروه أو المباح المُضعِف
🟠 هذا يُكسر عند طلب القرب الأعلى
وهنا يأتي القربان الحقيقي.
📖 قال تعالى:
﴿لَن تَنَالُوا ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
الآية لا تتكلم عن حرام…
بل عن محبوب مباح صار عائقًا.
📜 قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«إنما هي نفسي أروضها بالتقوى»
(نهج البلاغة)
أي: أدرّبها، لا أقتلها.
3️⃣ التعلّق بالمحبوب الذي يُقرّب إلى الله
🟢 هذا لا يُكسر… بل يُهذّب
مثل:
حبّ الأبناء
حبّ العبادة
حبّ الخير
حبّ الجمال المباح
📖 قال تعالى:
﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ… أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
الذمّ هنا ليس للحب
بل للتقديم على الله.
القاعدة الذهبية
ليس المطلوب كسر كل تعلّق،
بل كسر التعلّق الذي يأسر القلب عن الله.
متى يكون التعلّق مَرَضيًا؟
إذا كان:
يسرق منك الطمأنينة
يقدَّم على الحق
يمنعك من طاعة
يسبب قلقًا عند فقده
هنا يكون القربان ترك السيطرة لا ترك الشيء بالضرورة.
كلمة دقيقة جدًا ::
❌ الله لا يريد منك:
حرمان نفسك من كل جميل
ولا قتل الرغبات الطبيعية
ولا الزهد القاسي
✔️ الله يريد:
قلبًا حرًا
لا عبدًا للتعلّق
📜 قال الإمام الصادق عليه السلام:
«ليس الزهد أن لا تملك شيئًا، بل الزهد أن لا يملكك شيء»
2️⃣ الدليل القرآني
قال تعالى:
﴿لَن تَنَالُوا ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
(آل عمران: 92)
الآية لم تقل: مما تملكون…
بل: مما تحبّون.
وقال تعالى:
﴿وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾
(الحج: 36)
والذبح هنا رمزٌ تربوي قبل أن يكون شعيرة.
3️⃣ من روايات أهل البيت
قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
«ما تَقَرَّبَ العبدُ إلى الله بشيءٍ أحبَّ إليه من أداء ما افترضه الله عليه، وترك ما نهى الله عنه»
المصدر: الكافي، ج 2، باب التقرب إلى الله
وقال أمير المؤمنين عليه السلام:
«ثمنُ الجنة تركُ الشهوات»
المصدر: غرر الحكم ودرر الكلم
4️⃣ القربان الأعظم: كربلاء
قال الإمام الحسين عليه السلام:
«إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي، فيا سيوف خذيني»
المصدر: اللهوف لابن طاووس
هذا ليس خطاب موت…
بل قانون حياة:
أحيانًا لا يُحفظ الدين إلا بقربانٍ عظيم.
