بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد
المساجد بيوت الأُنس،
بيوت من أراد أن لا يكون وحيدًا في هذا العالم.
1. لماذا سُمّيت بيوت الأنس؟
لأن الأنس الحقيقي لا يكون مع الخلق،
بل مع الخالق.
قال الله تعالى:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾
(الجن: 18)
حين تدخل المسجد،
تدخل إلى مكان لا يُطلب منك فيه أن تُمثّل،
ولا أن تُثبت قيمتك،
ولا أن تُبرّر ضعفك.
أنت هناك كما أنت…
عبدًا، فقيرًا، محتاجًا،
والله يحبك على هذه الحال.
2. المسجد: ملجأ القلوب المتعبة
في زحام الحياة،
حين يثقُل القلب،
وحين تضيق الصدور بما لا يُقال…
قال الله تعالى:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾
(النور: 36)
الرفع هنا ليس للحجارة…
بل للقلوب.
المسجد يرفعك:
من ضيق الدنيا إلى سعة السماء
من همٍّ لا يُحتمل إلى همٍّ مُسلَّم لله
من وحدةٍ موجعة إلى أُنسٍ عميق مع القادر المقتدر
3. كيف كان أهل البيت يرون المساجد؟
عن الإمام علي عليه السلام:
«المساجد بيوت الله في الأرض، فمن اشتاق إلى الله اشتاق إلى بيوته»
الاشتياق للمسجد
ليس عادة…
بل علامة قلب حيّ.
وعن الإمام الصادق عليه السلام:
«من اختلف إلى المساجد أصاب إحدى ثمان…»
ومنها: رحمة، وأُلفة، وطمأنينة.
المسجد لم يُبنَ فقط للصلاة،
بل ليكون مكان الأمان الروحي،
حيث لا تُدان دموعك،
ولا يُستغرب صمتك.
4. لماذا يأنس البعض بالمسجد ويثقُل على آخرين؟
لأن المسجد يكشف الحقيقة.
من ألف الله…
ألف بيته.
ومن هرب من نفسه…
ضاق بالمكان الذي يُعيده إليها.
المسجد لا يُجبرك على شيء،
لكنه يذكّرك بكل شيء:
من أنت
إلى أين تسير
وما الذي نسيته في الطريق
5. الأنس الحقيقي ليس في كثرة الكلام
كم من إنسان جلس في المسجد ولم يتكلم،
لكن قلبه قال كل شيء.
قال رسول الله ﷺ وآله :
«إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان»
لأن الاعتياد على المسجد
يعني أن القلب وجد موطنه.
ليس شرطًا أن تطيل الصلاة،
ولا أن تحفظ الأدعية…
يكفي أن تجلس
وتقول في داخلك:
يا رب… أنا هنا.
6. المسجد: بيت العودة
كلما ابتعدنا…
يبقى المسجد يقول:
تعال.
كلما أخطأنا…
يبقى مفتوحًا.
كلما تعبنا من البشر…
يحتوينا بلا سؤال.
المسجد لا يُذكّرك بذنبك،
بل يذكّرك برحمة الله التي تسع الذنب وصاحبه.
وأن يكون لك مسجدك الخاص… حيثما كنت
ليس المسجد جدرانًا فقط،
ولا سقفًا ولا محرابًا من حجر…
المسجد حالة قلب.
فحيثما وقفتَ صادقًا،
وحيثما رفعتَ يديك بلا تكلّف،
وحيثما سجدتَ كسيرًا لا متجمّلًا…
هناك مسجدك.
قال رسول الله ﷺ وآله :
«جُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا»
أي أن الله لم يحصر اللقاء به في مكان،
بل فتح لك أبواب الأُنس أينما كنت.
في بيتك…
حين تختار زاوية هادئة،
وتفرش سجادتك،
وتغلق ضجيج العالم…
وتقول:
يا رب، هذا مكاني معك.
ذلك المكان
يألفك،
ويشتاق إليك،
ويشهد لك.
قال الإمام الصادق عليه السلام:
«ما من موضع يُصلّى فيه إلا وهو يشهد لصاحبه يوم القيامة»
حتى الارض تحفظ سرّ دمعتك،
وتتذكّر دعاءك،
وتحنّ إلى عودتك.
فإن لم تستطع الذهاب إلى المسجد،
اجعل قلبك مسجدًا،
وبيتك محرابًا،
وسجودك وطنًا.
وإن صدقت النية،
صار كل ركوع لقاء،
وكل سجدة أُنسًا،
وكل دعاء عودة.
المساجد بيوت الأُنس…
لمن ضاق قلبه،
وتعبت روحه،
وبحث عن مكان لا يُطلب منه سوى الصدق.
فإن وجدت قلبك يهدأ هناك،
فاعلم أنك في المكان الصحيح.
