بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[1].
﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، في هذه السورة الشريفة شرع سبحانه في بيان نعمه على العباد من أوّلها، فبيّن أنه أرسل الرّسل وأنزل الكتب لإخراج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الهداية وليس من نعمة أعظم من هذه النعمة.
ثم أوضح أنه أرسل كلّ رسول بلسان قومه ليسهل عليه إفهامهم، وليكونوا من بعده تراجمة قوله للآخرين كما هو شأن نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) الذي أرسل إلى كافّة الناس وسائر أهل اللغات وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾[2]، ثم فصّل بقية نعمه على عباده وبدأ بقصة موسى عليه السلام، وعقّب بقصص كثير من أنبيائه ورسله الكرام.
وورد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللهِ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حَدِيثٌ طَوِيلٌ يَقُولُ فِيهِ: ((وَمَنَّ عَلَيَّ رَبِّي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ أَرْسَلْتُ كُلَّ رَسُولٍ إِلَى أُمَّتِهِ بِلِسَانِهَا وَأَرْسَلْتُكَ إِلَى كُلِّ أَحْمَرٍ وَأَسْوَدٍ مِنْ خَلْقِي))[3].
فخصوصية إرسال الرسول بلسان قومه مهمة جدّا لأن تقابل اهل اللسان الواحد لا تفوت عليهم متكلما وسامعا اقلّ معنى يتصور، مضافا الى أنها فاقده لتغيير الترجمة وتهمتها.
نعم الرسول العام للأقوام كلها لا يمكن فيه بطريق عاديّ أن يعرف الألسنة جميعها وإنّما يرسل بلسان أمّته الذي ترعرع عليه في محيطه كنبي الإسلام بلسانه العربي، وإضلال الله من يشاء وهدايته من يشاء بعد بيان الرسول حججه معناه أنه ليس سامع الحجة يطيعها متى توفرت في نفسه، بل من الناس من يطلب الحقّ فيقنع من دليله بطرف خفي وبعضهم لو وضعت الشمس بيمينه لما آمن بها، أمّا الشخص الأوّل فمن الواجب على الله أن يعينه على نفسه، وأمّا الثاني فهو منشمر ضالّ قاصد للضلال فمن أين تأتي له الهداية، ولمّا بلغ الاضطهاد ببني إسرائيل مبلغه قيضنا من بينهم موسى للقيام بهذه المهمّة وشفعناه بآيات بينات مهمّات أن اخرج قومك من ظلمة الأسر الى نور الانطلاق والحرية وبلّغ قومك الدين الصحيح وذكّرهم بأيام الله التي كان لها الى الآن ايضا صيت معلوم مع الأقوام الماضين الذين اصرّوا على الكفر بأنعم الله وعلى الانحراف في مجاري الحياة، وأن في تلك الإيقاعات الموجعة آيات لكل من يفوض امره من المؤمنين الى الله ويصبر على طاعة الله حتى يأتيه الفرج ولكل شاكر لأنعم ربّه، وهو ما ذكر موسى لقومه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾[4]، وهم الأقباط حين كانوا يسومونكم بأرخص الأثمان ويسيرون معكم في الحياة أسوأ مسيرة يذبحون الذكور منكم ليأمنوا من اندفاعهم ويبقون الإناث ليستفيدوا من خدمتها وفي تلك الأمور امتحان عظيم لكم واختبار لهممكم.
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، ما أمروا به، فيفقهوه عنه بيسر وسرعة، ثمّ ينقلوه ويترجموه لغيرهم، فإنّهم أولى الناس إليه بأن يدعوهم، وأحقّ بأن ينذرهم، ولذلك أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بإنذار عشيرته أوّلا.
ولو نزّل على من بعث إلى أمم مختلفة كتب على ألسنتهم استقلّ ذلك بنوع من الإعجاز، ولكن أدّى إلى اختلاف الكلمة، وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلّم الألفاظ ومعانيها والعلوم المتشعّبة منها، وما في إتعاب القرائح وكدّ النفوس من القرب المقتضية لجزيل الثواب.
وقيل: وأنه تعالى أنزل الكتب كلّها بالعربيّة، ثمّ ترجمها جبرئيل عليه السّلام أو كلّ نبيّ بلغة المنزل عليهم.
﴿فَيُضِلُّ اللهُ﴾، فيخلّي في الضلال خذلانا، بمنع الألطاف وأسباب التوفيق ﴿مَن يَشَاءُ﴾، من هو راسخ في الكفر ومصمّم على العناد ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾، ويوفّق للهداية من هو طالب الرشاد والصواب، مثل قوله: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[5]، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، فلا يغلب على مشيئته ﴿الْحَكِيمُ﴾، فلا يخذل إلاّ أهل الخذلان، ولا يلطف إلاّ بأهل اللطف.
[1] سورة ابراهيم، الآية: 4.
[2] سورة سبأ، الآية: 28.
[3] الخصال للصدوق، ج 1، ص 425.
[4] سورة ابراهيم، الآية: 6.
[5] سورة التغابن، الآية: 2.
