بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾[1].
المصداق الأكمل والأصدق لأزمنة هلاك الظالمين ككل وإسكان النبيين الأرض مكانهم، هو آخر الزمان حيث يقوم القائم المهدي (عليه السلام) بالحق والعدل المطلق ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[2].
وذلك مهما صدق هلاك هؤلاء وإسكان أولاء، خلال الزمن الرسالي أحيانا حيث تقوم دويلات الحق، ولكنها لا تدوم ولا يهلك الظالمون عن بكرة ابيهم في هذه الدويلات.
إذا فعندما قال تعالى في الآية سبقت آيتنا أعلاه: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾، تعني ذلك الزمن حيث الهلاك الجماهيري للظالمين كونا وكيانا وسلطة، ثم ﴿لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾، بعد هلاكهم مهما كانوا موجودين، فإن في زوال سلطتهم اضمحلالهم.
وهكذا وعد المرسلون ككل ولم يحقق وعده تعالى طول حياتهم السابقة لمصلحة هو أعرف بها، فليكن في رجعتهم الخاصة زمن المهدي المظفر المنصور من آل محمد (صلى الله عليه وآله) حيث يرجعون أنصارا لهذه الدولة المباركة، واصحاب الالوية، ثم من بعد موته (عليه السلام) يحكمون كما حكم.
و ﴿الظَّالِمِينَ﴾، هنا هم أئمة الظلم والضلالة حيث يرجعون مع أئمة الايمان والعدالة، وكما في الخبر المستفيض عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: أَنَّهُ قَالَ فِي اَلرَّجْعَةِ: ((إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى اَلدُّنْيَا عِنْدَ قِيَامِ اَلْقَائِمِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَنْ مَحَضَ اَلْإِيمَانَ مَحْضاً أَوْ مَحَضَ اَلْكُفْرَ مَحْضاً، فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَلاَ رُجُوعَ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ اَلْمَآبِ))[3]، وهذه رجعة بالاستعداد عامة، كمن قبلهم خاصة من النبيين وأئمة الدين المعصومين (عليهم السلام) ثم رجعة بالاستدعاء لمن التمس من متوسطي الايمان أن يرجع مع من محض الايمان محضا.
وهكذا يجاب عن مشكلة ﴿لَنُسْكِنَنَّكُمُ﴾، إذ لم يسكنوا أرضهم حيث الظلم وحملته الرؤوس والهوامش احتلوا طول التأريخ حتى أراضي الدعوة للمرسلين، فكيف «لنسكننكم أرضهم» وبعد ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾، وترى ما هو مقام الرب وليس له قيام مصدرا أم زمنا أو مكانا كما هي معاني المقام؟ اضافة المقام الى اللّٰه تجرّده عن كل مقام لمن سوى اللّٰه، وتستخلص له من المقام قيامه بذاته وبأمر الربوبية في الدنيا والآخرة، فهو القيوم في ذاته وصفاته وأفعاله، مقامات ثلاث، وهي دون الأولى بين جمال وجلال، ومقام جلاله جل جلاله هو موقف القدرة والجبروت ومكانة العزة ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾[4]، فمن قيامه تعالى بالقسط جزاءه العدل يوم القيام حيث ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[5]، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾[6]، والى سائر قيامه في سائر الحياة و ﴿ذَلِكَ﴾، الانتصار التام ليس لكل مدع للإيمان، وإنما ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾، والخائف مقام الرب ووعيده لا يخاف مقام سواه في تحقيق مرضاة الرب وتطبيقها في المجتمع قدر المستطاع، وقد عبر عنهم في بشارة اخرى بالصالحين ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، وفي بشارة ثالثة ب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾[7]، ومن أصلح الصالحات الإيمانية محاربة الظلم ومحاولة بسط العدل دون تساهل وخمول، والساكت عن الظلم شيطان أخرس.
ومن الخائفين مقام ربهم ووعيده قوم يضحكون جهرا في سعة رحمة ربهم ويبكون سرا من خوف عذاب ربهم يذكرون ربهم بالغداة والعشي في البيوت الطيبة والمساجد ويدعونه بألسنتهم رغبا ورهبا ويسألونه بأيديهم خفضا ورفعا ويقبلون بقلوبهم عودا وبدأ فمؤونتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة يدأبون في الليل حفاة على اقدامهم كدبيب النمل بلا مرح ولا بذخ، يقرؤون القرآن ويقربون القربان ويلبسون الخلقان، عليهم من اللّٰه تعالى شهود حاضرة وعين حافظة، يتوسمون العباد ويتفكرون في البلاد، أرواحهم في الدنيا وقلوبهم في الآخرة، ليس لهم هم إلا أمامهم، أعدوا الجوار لقبورهم والجواز لسبلهم والاستعداد لمقامهم ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.
[1] سورة ابراهيم، الآية: 14.
[2] سورة الأنبياء، الآية: 105.
[3] تصحيح الاعتقادات، ج 1، ص 90.
[4] سورة النازعات، الآية: 40.
[5] سورة المطففين، الآية: 6.
[6] سورة الرحمن، الآية: 46.
[7] سورة المائدة، الآية: 9.
