بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾[1].
﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾، وادي ليس ككل الوديان نعم يوجد تشابه تكويني بينه وبين بقية الوديان، فهو وادي مكة القاحلة المجدبة فينادي إبراهيم الخليل عليه السلام الرب عز وجل: فلا ماء فيها ولا نبات، وخلّيت بين اهل بيتي وبينك فلا مغيث لهم سواك ولا ناصر إلاّ ذاتك القدسية، وأنا كما تراني مفتقر لعنايتك في هذا المكان الخالي ومن أحوج الناس إلى ما يقيم أود ابني وأمه اللّذين أسكنتهما ﴿عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾، وإضافة البيت إليه سبحانه تشريفيّة، وتسمية البيت مع عدم وجود بناء في ذلك اليوم؛ إمّا لأنه كان بيتا في زمن آدم عليه السلام، وإمّا أنه عليه السلام يدري بأنه سبق في علمه تعالى أنه لابد من أن يبني بيت في ذلك المكان يطوف الناس من حوله، ولفظة: المحرّم تعني الذي حرّمت التعرض له بالإهانة والهتك أثناء السلم وأثناء الحرب وفي الأعياد والحج وكلّ وقت، مما يدل على عظمته وحرمته.
﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، قد كرّر سلام الله عليه اسم ربّه ليكشف عن غاية حبّه له تعالى وعن كمال خلّته له فإن الإنسان إذا كان يحب شخصا يحب أن يكرّر اسمه في مقام الكلام عنه فيذكر اسمه مرّة وكنيته مرّة ولقبه أخرى أو يكرر اسمه بلا انقطاع، بخلاف من يكرهه فإنه لا يذكر اسمه ولا يحب ذكره، وهذا لا يخفى على كلّ ذي لبّ وإدراك والشاهد هو الوجدان.
ولم نجد في القرآن الكريم في مقام خطاب الأنبياء (عليهم السلام) لله تعالى ما نجده من قول إبراهيم عليه السلام: ﴿رَّبَّنَا﴾، مما يكشف عن الحب المفرط والتعلّق الشديد ولذا لقّب بخليل الله وألبسه الله تعالى هذه الخلّة من بين أنبيائه المكرمين كما لقّب سيدنا ونبيّنا محمدا صلّى الله عليه وآله بالحبيب لاقتدائه بجدّه إبراهيم في ودّه.
و (اللام) في ﴿لِيُقِيمُوا﴾، لام الغرض، ولذا فرّع عليه السلام على هذا القول الدعوة التي هي في كمال المناسبة مع المقام والتي تكشف عن الالتفات إلى أقصى أمر تحمله دعوة الرّسل إلى العالمين ألا وهو الصّلاة الركن الركين في الدّين التي إن قبلت قبل ما سواها لتعظيمها وحرمتها، فدعا لإسماعيل عليه السلام وذرّيته ومن شارك في الصلاة في ذلك البيت ليكون ناجيا كإسماعيل (عليه السلام) وذريّته مع الشرائط التي تصح بها صلاة المصلّين، وكلّ من صلّى صلاة صحيحة فيه كان إبراهيم عليه السلام شريكا له في الأجر لأنه صار موفقا لإقامتها ببركة دعوته (عليه السلام) في ذلك المكان منذ ذلك الزمان ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾، ﴿مِّنَ﴾: تدلّ على أن أفئدة وقلوب بعض الناس تميل إليهم بالحبّ والولاء.
فدعوة إبراهيم عليه السلام بأن يجعل أفئدة «البعض» تهوي إليهم حفظت البيت من تدنيس المشركين والكفّار، وأهل البيت أدرى بما يصلح البيت، ولذا بعث الله نبيّنا صلّى الله عليه وآله وأمره بتطهير البيت منهم وتنزيهه عن شركهم، وبمنعهم من دخوله أبدا وإلى الأبد.
﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾: يعني تحنّ إليهم وتسرع نحوهم مترامية عليهم محبة وشوقا.
وعَنْ زَيْدٍ اَلشَّحَّامِ قَالَ: دَخَلَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: ((...وَلَمْ يَعْنِ اَلْبَيْتَ فَيَقُولَ إِلَيْهِ فَنَحْنُ وَاَللهِ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ))[2].
نعم أراد البيت بالملازمة لعمارته، ولمؤانسة ذرّيته بمن يرد إليه ويقيم حوله من الوفود للحج أو للتجارة، فإننا نرى اليوم مكة عامرة والبيت مزدهرا بفضل تلك الدعوة الميمونة المباركة المقصودة تبعا للذريّة الشريفة المباركة ﴿وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾، وهو أمس واليوم يجبى إليه ثمرات كلّ شيء بإذن الله في مختلف فصول السنة، فإنك تجد في مكة في اليوم الواحد الفاكهة الصيفيّة والشتويّة والخريفيّة والربيعيّة، فسبحان القادر المجيب لتلك الدعوة الشريفة وسائر الدعوات الصالحة.
[1] سورة ابراهيم، الآية: 37.
[2] الكافي، ج 8، ص 311.
