بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾[1].
﴿بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾، كما في غيرها من أبواب السماء، فتدل على أن للسماء أبوابا، و ﴿فَتَحْنَا﴾، دليل انها مغلقة علينا، و ﴿وَلَوْ﴾، تحيل فتحها لنا، و ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾، دليل على أن في باب السماء معارج يركبها العارج، كمراكب اتوماتيكية تعرج براكبيها في جو السماء، وكما تشير إليها آيات اخرى، فللسماء أبواب الى الجنة يعرج أهلها فيها دون الكافرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾[2]، وأبواب الى مياهها المختزنة فيها تخصها: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾[3]، وأبواب الى عذابها: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾[4]، وأبواب وسلالم يستمع فيها الى الملأ الأعلى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾[5].
وأبواب يصّعّد منها الى مسارح الوحي ومسارحه في السماء، رؤية وسماعا ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾[6].
فلو أنهم عرجوا في هكذا باب، ورأوا ما يرى من عالم الغيب شاهدا على حق الوحي ومنه الملائكة ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾، من تسكير السّكر، أو السّكر: الصّد، فهي على أية حال لا ترى الحقيقة كما هي، لا فحسب أبصارنا ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾، في العروج والدخول والخروج وإبصار العجائب كالملائكة، سفسطة امام الواقع المحسوس الملموس، حيث الكفر والنكران سالك في قلوبهم المقلوبة، فهي حالكة هالكة لا تكاد تعرف الحقيقة كما هي.
فإذا هم ينكرون ويكابرون في المحسوس الذي لا يكابر فيه اي حيوان، فبأحرى أن يكابروا في غير المحسوس، وقد يكفي تصورهم هكذا لتبدو مكابرتهم السمجة الهمجة ويتجلى عنادهم المزري المغري، ويتأكد ان لا جدوى في جدالهم، فما عذر ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾، عذرا حيث لا يصدقونهم لو فتح عليهم بابا من السماء فرأوا الملائكة، حيث يقولون ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾.
ومن ذلك المشهد المذكور لو فتح عليهم بابا من السماء الى مشاهد ملموسة وسواها من السماء، يفتح علينا منها أبواب، ومن الأرض ومعايشها، ومن كل شيء خزائنها.
يقول السيد الطباطبائي (ره) في تفسيره: [العروج في السماء الصعود إليها والتسكير الغشاوة. والمراد بفتح باب من السماء عليهم إيجاد طريق يتيسر لهم به الدخول في العالم العلوي الذي هو مأوى الملائكة وليس كما يظن سقفا جرمانيا له باب ذو مصراعين يفتح ويغلق، وقد قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾. وقد اختار سبحانه من بين الخوارق التي يظن أنها ترفع عنهم الشبهة وتزيل عن نفوسهم الريب فتح باب من السماء وعروجهم فيه لأنه كان يعظم في أعينهم أكثر من غيره، ولذلك لما اقترحوا عليه أمورا من الخوارق العظيمة ذكروا الرقي في السماء في آخر تلك الخوارق المذكورة على سبيل الترقي كما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا﴾[7]، إلى أن قال: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾[8]، فالرقي في السماء والتصرف في أمورها كتنزيل كتاب مقروء منها أي نفوذ البشر في العالم العلوي وتمكنه فيه ومنه أعجب الخوارق عندهم. على أن السماء مأوى الملائكة الكرام ومحل صدور الأحكام والأوامر الإلهية وفيها ألواح التقدير ومنها مجاري الأمور ومنبع الوحي وإليها صعود كتب الأعمال، فعروج الإنسان فيها يوجب اطلاعه على مجاري الأمور وأسباب الخوارق وحقائق الوحي والنبوة والدعوة والسعادة والشقاوة وبالجملة يوجب إشرافه على كل حقيقة، وخاصة إذا كان عروجا مستمرا لا مرة ودفعة كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾][9].
[1] سورة الحجر، الآية: 14.
[2] سورة الأعراف، الآية: 40.
[3] سورة القمر، الآية: 11.
[4] سورة المؤمنون، الآية: 77.
[5] سورة الطور، الآية: 38.
[6] سورة الحجر، الآية: 15.
[7] سورة الأسراء، الآية: 90.
[8] سورة الأسراء، الآية: 93.
[9] الميزان في تفسير القرآن، ج 12، ص 136.


تعليق