يقول احد العلماء
في صِغَرنا كان يطلب منا والدنا –رحمه الله-، أن نُخرج الاتربة من سجاد بيتنا..
فكان ينشرها في سطح منزلنا الصغير، ثم يعطي بيد كل واحدٍ منا (عصى) لنضرب بها السجادةَ المسكينة..
في البدء، كنا متحمِّسين، لنُفرغ طاقتنا و نُخرج بطولاتنا على هذه السجادة، فكنا نضربها باقصى قوَّتنا، لنرى كميةَ الغُبار المتطاير منها مع كلِّ ضربة.
وهكذا نستمر ..ضربة.. ضربة.. ضربة ...
بعد مائة ضربة - او ما يُقاربها- يقل كمية الغُبار المتطاير المصاحب للضربات، فكنا نتوجه للوالد وقد اعيانا التعب، ونقول: لقد انتهى العمل، و تنظفَّ السجاد.
لكنه يرفض ذلك..
وهكذا نستمر .. بالضرب والضرب والضرب .. حتى يخرج في نهاية المطاف "ترابٌ اصفر اللون".
فاذا رأى ذلك، قال لنا: قد تم الامر.
وحين كنا نسأله عن ذلك، كان يقول: انَّ هذا التراب قد عشعش في داخل السجاد، وتداخل مع خيوطه كلِّها.. ولا يخرج الا بعد جهدٍ طويلٍ وضربٍ كثير. ولا تكفي فيه الضربة او الضربتان..
وهذا المَثَل، حال نفوسنا:
كم من (ترابٍ اصفر) قد عشعش في اعماقنا؟! كم من عادةٍ سيئة، من خطيئةٍ موبقة .. من غلٍ او حقدٍ او عُقدةٍ قد تشابكت مع انفسنا وعُجنت بشخصيتنا .. حتى ظننا اننا لا نكون من دونها؟
كم منا ابتلي بخصلةٍ يعلم انّها خاطئة، ويريد ان يتخلص منها، لكنه لا يستطيع، لأنها التصقت به، لا تنفك منه بسهولة.. كلما عزم عليها نجح فترة، لكنها رجعت اليه مرة اخرى.. بالضبط كالـ(غَراء) او الـ(مطاط) الذي ربما تمطَّه بعيداً عنك فترة، لكنه سيرتد عليك بعد حين!
فهي – وان حاولنا التخلص منها- لا تكون بضربةٍ او ضربتين .. بل تحتاج الى جهدٍ كبير فترةً من الوقت .
ولهذا كانت المواسم العبادية (رجب – شعبان- رمضان)
فمع ان العبادات لا يختلف طويلها عن قصيرها.. عند الله.
ولا فرق – عند الله- ان تقرأ دعاءً طويلاً عن أن تقول (يا الله) مرة واحدة..
ولكن الفرق هو عند الانسان، اذ ان الدعاء والعبادة بمثابة مطهِّرٍ يجلو القلب، فقد لا ينفع القليل منه للوصول الى لحظةِ التضرع والخشوع، فيحتاج الانسان الى (الطويل) منه لكي يصل في لحظةٍ منه الى حالة التضرع ويتصل قلبه بالله عزوجل، ويتوب اليه.
وقد لا يحصل التوجه عند الركعة الأولى من صلاةٍ مستحبة، فشُفِّعَت بعشراتٍ من اخواتها، لعل الحجب السميكة التي رانَت على قلوبنا .. يخترقها نداءُ ( يا اللهٍ) واحد ويتصل القلب بنور الرب سبحانه، فيذوق بها حلاوةَ مناجاته فينقطع اليه وينوب.
فثلاثة اشهر متواصلة اُشبعت بالفضل والفضيلة .. وبالعبادةِ والتقرب والدعاء. انما جُعلت لكي نطهِّر ذلك (التراب الاصفر) الذي تداخل مع شخصياتنا، فطوبى لمن اغتنمها.
فلنجعل لأنفسنا فيها برنامجاً عبادياً و نتقدم خطوة الى الامام..
------------------
منقول

تعليق