بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾[1].
بتوجيه واضح منه تعالى يا نبي الإسلام نبّأ امّتك ﴿عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾، والضيف يطلق على الواحد والجمع والمراد به هنا الجمع بقرينة قوله تعالى في الآيات اللاحقة: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾، وهو شعار أنهم ضيوف سلم لا إنهم اصحاب سوء لأن الداخل بسوء لا يسلم وفي الكلام حذف يدل عليه ما اقتصّه الله عن هذه القضيّة في غير هذه السورة تقديره فرحّب بهم ابراهيم وعجّل لهم بطعام فلمّا قدّمه إليهم وجد ﴿أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾، فارتاب لذلك و ﴿قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾، لأنّ امتناعكم من أكل طعامنا يعلل بعدة عوامل توجب الاضطراب ف ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا﴾، جئناك لنبشرك بأن الله سوف يؤتيك غلاما يكون من الانبياء الاجلاء فيما يأتي عليه من الزمان، قال أتبشرونني مع كبر سنّي وفي زمن شيخوختي بما هو بعيد في ظرفهما الطبيعي قالوا نبشرك عن الله القادر على كل شيء فلا تكن من القانطين أمام قدرته تعالى فقال: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، عن معرفته الزائغون عن طريقته وما الداعي الذي أهاب بكم أن تأتوا الى هذه الديار أهو داعي البشارة أو شيء آخر.
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ* فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ* فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ* فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾[2]. فسورة الذاريات بما معها من آيات تفصله تفصيلا ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾، فجأة دون ما استئناس ولا تعريف بأنفسهم بما يقصدون، وإلا فكيف ﴿قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾، فإنما ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، وهو عليه السلام رد عليهم السلام ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾، لا نعرفهم.
ونعود إلى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾، نبأ الرحمة الخارقة للعادة، البارعة لنبي الرحمة ﴿عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾، الخليل، انباء مختصرا غير محتصر، وهنا نتأدب بالأدب الرسالي، وهو واجب تكريم الضيف وتقديم الإضافة الميسورة له مهما كان منكرا لا نعرفه ولم يستأنس معنا من ذي قبل.
و ﴿سَلَامًا﴾، بعد ﴿قَالُوا﴾، ليس فقط صيغة السلام، وإلاّ كان «سلام» كما في جوابهم، فقد يكون: كلاما سلاما، أو قولا سلاما أم أي سلام يحق على الوارد أن يقوله ومنه تحية السلام، وحتما كانت في قولهم سلاما، وإلاّ لما كان له الجواب «سلام» و «عليكم» المحذوفة، وهنا نتأدب بأدب الدخول للضيف المكرمين مهما كانوا منكرين، ومنه واجب السلام قولا وفعلا ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾[3].
ثم ﴿قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾، لم يكن إلاّ بعد ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، وبعدما قدم لهم ما قدم ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾[4]، وليكن توجس الخيفة والوجل مسنودا الى سبب ظاهر، دون أنهم فقط قوم منكرون! فلا تحل أية تهمة على من لا تعرفه بسند أنك أنت لا تعرفه، وحتى إذا صدر منه ما يخيف فلا توجس منه خيفتك، بل أظهرها له مصارحا كما صرح ابراهيم: ﴿إِنّٰا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾، مصارحة بالحق ما أحلاها، دون مسايرة محيرة بإيجاس الخيفة، وقد تخلّف تبعات سيئة شئت أم أبيت.
﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾[5]. ونفس البشارة بهذه الخارقة الغريبة لمحة صارخة مصارحة أنهم لم يكونوا بشرا، بل هم ملائكة يحملون وحي اللّٰه إليه في هذه البشرى السارة ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾، ومن قبل في إسماعيل ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾[6]، وطبعا لا حلم صالحا دون علم. وفي الصافات ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾[7]، ف ﴿عَلِيمٍ﴾، هنا تعني علم الوحي النبوة؟ ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾[8].
[1] سورة الحجر، الآية: 51.
[2] سورة الذاريات، الآيات: 24 - 28.
[3] سورة النور، الآية: 61.
[4] سورة هود، الآية: 70.
[5] سورة الحجر، الآية: 53.
[6] سورة الصافات، الآية: 101.
[7] سورة الصافات، الآية: 112.
[8] سورة هود، الآية: 71.


تعليق