بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾[1].
نواجه في هذه الآية وست آيات بعدها قصتا أصحاب الأيكة وأصحاب الحجر، حيث اشتركتا مع قصة لوط في رسم المصائر الدنيوية للمنحرفين وهي إبادتهم، مع ملاحظة أن النص ربط بين قصتي لوط وشعيب أصحاب الأيكة معلقاً على ذلك ﴿.. وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾، أي أن كلاً من مدينتهما يقع بمرأىً من الناس حتى لا تزال آثار المدينتين باقية بالنسبة إلى زمان النص.
كما أن الربط بين القصة الأخيرة أصحاب الحجر وبين لوط أيضاً قد تمّ من خلال عنصر آخر هو التجانس بين الجزاءين، حيث اشتركت القصتان في الصياغة اللفظية لرسم المصائر متمثلة في عبارتي: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾، بالنسبة إلى قوم لوط، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾، بالنسبة إلى قوم أصحاب الحجر.
وهذه الأنماط من الاشتراك والتجانس بين القصص الأربع تظلُّ تعبيراً واضحاً عن مدى تماسك وجمالية البناء العماري.
﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾، مخففة عن مثقلة أي وأنه كان اصحاب الأيكة لظالمين والأيك الشجر الكثير الملتف، وهي الغيضة أي الأجمة وهي مغيض ماء يجتمع أي الماء المجتمع يقل فيه فينبت فيه الاشجار وقالوا إنه كان بقرب مدين، فالمراد قوم شعيب عليه السّلام وظلمهم لأجل عدم اتباعهم لشعيب في التوحيد والنبوة، وما كان صادرا منهم من افعالهم من البخس في المكيال والميزان والفساد في الأرض.
أصحاب الأيكة هم من قوم شعيب ف «إن مدين واصحاب الأيكة امتان بعث الله إليهما شعيبا» والأيكة واحدة الأيك وهو الشجر الملتف بعضه ببعض، إذ كانوا يسكنون في بقعة كثيفة الأشجار ومتلفتها، وقد ذكر مدين في آيات عشر ولم يذكر اصحاب الأيكة إلاّ في أربع دون أن يذكر هنا شعيب إلاّ هنالك مما يدل على أن المحور الرئيسي لدعوته هم مدين وعلى هامشهم اصحاب الأيكة، ولكلّ عذاب خاص، فأولاء لهم ﴿عَذابُ يَوْمِ اَلظُّلَّةِ﴾، وهؤلاء اخذتهم الصيحة. وعل «إن» هنا شرطية أو وصلية ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾، ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾، فسبيلهم كقوم لوط مقيم ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، كما انتقمنا من قوم لوط وكلتا المنطقتين في محلّ يؤمه الناس للتفرج عليه ﴿وَإِنَّهُمَا﴾، معا ﴿لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾، وهو السبيل الممر، فهما في سبيل واحد بين الشام والمدينة وهذا «امام مبين» ثم إمام في الاخرى هو كتابهم الذي يؤتونه بشمائلهم، وهو رسلهم الذين يعرضون عليهم وعلى كتاباتهم، وهو أئمة الضلال: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، وكل ذلك مبين في حقه وباطله، في أولاه وأخراه.
وجاء في قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَهْبٍ، قَالَ: [بَعَثَ اللهُ شُعَيْباً إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ وَلَمْ يَكُونُوا فَصِيلَةَ شُعَيْبٍ وَلَا قَبِيلَتَهُ الَّتِي كَانَ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ بُعِثَ إِلَيْهِمْ شُعَيْبٌ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ جَبَّارٌ وَلَا يُطِيقُهُ أَحَدٌ مِنْ مُلُوكِ عَصْرِهِ، وَكَانُوا يَنْقُصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ وَيَبْخَسُونَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللهِ وَتَكْذِيبِهِمْ لِنَبِيِّهِ وَعُتُوِّهِمْ، وَكَانُوا يَسْتَوْفُونَ إِذَا اكْتَالُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ وَزَنُوا لَهُ، فَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، فَأَمَرَهُمُ الْمَلِكُ بِاحْتِكَارِ الطَّعَامِ وَنَقْصِ مَكَايِيلِهِمْ وَمَوَازِينِهِمْ، وَوَعَظَهُمْ شُعَيْبٌ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ: مَا تَقُولُ فِيمَا صَنَعْتُ، أَرَاضٍ أَنْتَ أَمْ سَاخِطٌ؟
فَقَالَ شُعَيْبٌ: أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيَّ أَنَّ الْمَلِكَ إِذَا صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ يُقَالُ لَهُ مَلِكٌ فَاجِرٌ.
فَكَذَّبَهُ الْمَلِكُ وأَخْرَجَهُ وقَوْمَهُ مِنْ مَدِينَتِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ: ﴿... لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا ...﴾.
فَزَادَهُمْ شُعَيْبٌ فِي الْوَعْظِ.
فَقَالُوا: ﴿... يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء ...﴾، فَآذَوْهُ بِالنَّفْيِ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْحَرَّ وَالْغَيْمَ حَتَّى أَنْضَجَهُمُ اللهُ، فَلَبِثُوا فِيهِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ، وَصَارَ مَاؤُهُمْ حَمِيماً لَا يَسْتَطِيعُونَ شُرْبَهُ، فَانْطَلَقُوا إِلَى غَيْضَةٍ لَهُمْ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾، فَرَفَعَ اللهُ لَهُمْ سَحَابَةً سَوْدَاءَ، فَاجْتَمَعُوا فِي ظِلِّهَا فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ نَاراً مِنْهَا فَأَحْرَقَتْهُمْ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿... فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ...﴾][2].
[1] سورة الحجر، الآية: 73.
[2] بحار الأنوار، ج 12، ص 384.
