بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾[1].
﴿أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾، هم العتاة العصاة، عاشوا عيشة الترف في بلدة تدعى «الحجر»
قيل: أنّها كانت على طريق القوافل بين المدينة والشام في منزل يُسمّى «وادي القرى» جنوب «تيماء»، وجاء في بعض الروايات أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله عندما قاد جيشاً لمواجهة الروم في السّنة التاسعة للهجرة، أراد الجنود أن يتوقّفوا في ذلك المكان، فمنعهم صلّى الله عليه وآله وقال: «هنا نزل عذاب الله على قوم ثمود».
وثمود هؤلاء هم أبناء عم عاد[2]، وكانوا ذوي شأن وتأثير في الحياة داخل الجزيرة العربية، ولاتزال آثارهم أو بعضها إلى اليوم فيما يعرف بديار ثمود، أو مدائن صالح، غربي المدينة المنوّرة وجنوبيها حيث توجد البئر المعروفة ببئر الناقة.
عبدت ثمود الأصنام كعادٍ، وكان لهم ما يقارب الأربعين صنماً، جعلوا لها بيوتاً يدفعون الناس إليها، ليقدّموا لها القرابين التي كانت تؤمِّن لهم زيادة أموالهم وتنمية ثرواتهم، وكان أكبر تلك الأصنام هو الصنم "ود"، يليه "هبل" و"اللات".
وعمرت ثمود وادي القرى تماماً كما فعلت عاد قبلهم، وقد وهبهم الله بسطة في الأجسام وطول الأعمار، ولكنهم كانوا شرسي الطباع، قساة القلوب، خصوصاً بعدما كثرت أموالهم واتسع سلطانهم. إذ أصابهم البطر والغرور، كما أصاب قبلهم قوم عاد، فأفسدوا في الأرض، وبطشوا بالناس، وجحدوا نعم الله التي أنعم بها عليهم.
وكان لثمود ملك ظالم اسمه جندع بن عمرو، سيِّئ الطباع، قاسي القلب مثلهم جباراً، فجاء إليه جماعة ممن أنجاهم الله من بقايا عاد، وراحوا يعظونه، ويذكرون له ماحلَّ بقومهم إثر كفرهم وطغيانهم، وتجبرهم، وراحوا يصفون له غضب الله الذي حلَّ عليهم، بعد دعوة نبيهم هود عليه السلام لأنهم رفضوا عبادة الله، كل ذلك وهم يظنون أن جندع سيتعظ بمن سبقه، ويرعوي ويرتدع عن غيِّه وبطشه، ولكن جندع قال لهم بصلف وغرور أكبر: [إنما هلك قوم عاد لإنَّهم لم يكونوا يحسنون بناء البيوت، كما نفعل نحن، فقد كانوا يجعلونها على الرمال، ونحن نبني بيوتنا في الجبال وننحتها في الصخور، وكانوا لا يحسنون عبادة أصنامهم والاهتمام بها، وها نحن نعبد أصنامنا كما يجب ونبني لها البيوت ونعيّن لها الخدم، كما أننا نحن أشدّ من عادٍ قوة، ولذلك لا يمكن أن تُهلكنا الريح مهما كانت صرصراً عاتية].
واستخف الملك جندع بن عمرو وقومه ثمود فتابعوه في غيِّه وغروره، ولم يتعظوا بما حلّ بأبناء عمومتهم من عاد، وأصروا على فسادهم وكفرهم، ومن باب الهداية وإلقاء الحجة عليهم بعث الله تعالى إليهم صالحاً عليه السلام فكذّبوه فكانت عاقبتهم الدَّمار والهلاك بصيحةٍ من السماء.
ولم يكن صالح أوّل نبي يكذّبونه فلقد كذّبوا أنبياء آخرين سبقوه بعثهم الله إليهم قبل صالح (عليه السلام)؛ وكان هؤلاء الأنبياء الذين أرسلهم الله إليهم مشفوعين بالآيات والمعجزات التي تثبت كونهم مبعوثين من قِبل الله تعالى؛ ولكن ذلك لم ينفع مع أصحاب الحجر وكانوا معرِضين عن تلك الآيات والدلالات!
فلقد لبث صالح (عليه السلام) فيهم كما في الروايات، يدعوهم إلى الله مدّة مائة وست عشرة سنة، لم يؤمن به خلالها أكثر من سبعين منهم أي بمعدّل أقل من شخص واحد خلال كل سنة!
وفي هذا دلالة على أنّنا ينبغي ألا نتعب أو نملّ ونضجر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كانت الاستجابة قليلة والتأثير بسيطاً؛ فإنّ الله سيثيبنا على أتعابنا مهما كانت النتيجة، والله تعالى هو طرف المعاملة مع العبد وهو الذي يعطيه أجره في كلّ حال.
وخاطب الله تعالى النبي (صلّى الله عليه وآله): ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾[3].
فاستمرّوا في تكذيب أنبياء الله حتى بعد نزول الآيات ومشاهدة المعجزات، أي أنّهم أعرضوا عن الآيات.
[1] سورة الحجر، الآية: 80.
[2] اندثرت عاد بالريح الصرصر العاتية، ولم ينج منهم إلاّ من أنجاه الله تعالى. وأورث سبحانه الأرض قوم ثمود أخي جديس بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، وهم من العرب العاربة.
[3] سورة الرعد، الآية: 40.
