إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الصيام بمفهومهِ اللاتقليدي

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الصيام بمفهومهِ اللاتقليدي

    الصيام بمفهومه اللاتقليدي

    ( ١ ) المعرفةُ هي علّة الخلق وسببٌ رئيسي للموجودات ، حتى ورد في تفسير قوله تعالى [ وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ] الذاريات ٥٦ ، أنّ ( ليعبدون ) بمعنى ( ليعرفون ) ..

    وما يميّز الدين الإسلامي وسائر الأديان الإلهية الحقّة - باعتبارها منظومات معرفية عاليّة - عن المنظومات المعرفية الأخرى والتي تحاول كشف ووضع المعرفة لجانب من جوانب الحياة أو أكثر من جانب .. مادية أو روحية ، عقلية أو أخلاقية أو نفسية .. أن الإسلام يسير نحو المعرفة بجناحي العلم والعمل ، فهو يعتبر العمل باباً واسعاً وأصيلاً للمعرفة وأن العلم بوحده لا يستطيع أن تكون فيه فتوحات معرفية عالية ..

    وترتب على هذه الحقيقة حقيقة أخرى وهي : أن المعرفة في الإسلام بمنظومتها الكاملة تعتمد على التجربة الفردية ولا يمكن أن تقتصر على التجربة الاجتماعية فقط .. فالعلم يمكن الاستفادة منه من خلال الغير وكسبه والحصول عليه ، أما المعرفة العملية فلا بد لها من مجهود شخصي ولا يمكن كسبها من الآخر الا بحدود معيّنة ، كظلال العمل الجمعي على الفرد أو تأثر التلميذ بالاستاذ ولكن تبقى بحدود ضيّقة ولا يستفيد منها صاحبها كثيرا ..

    ولهذا .. نجد أن الدين عبارة عن عقائد وشرائع ، فكر وعمل ، أحكام وتطبيقات .. ونجد أن أكثر هذه التطبيقات والأعمال هي فرائض - أو مندوبات - عينية تقع على الفرد ولا يتحملها عنه غيره ..

    ******

    ( ٢ ) فالعمل له قيمة معرفية كبيرة وبُعد معرفي عميق في الإسلام الى الحدّ الذي لا تتحقق فيها العلّة الغائية للخلق بدونه [ ليعبدون أي ليعرفون ] ..

    ولهذا ورد أن أصحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم كانوا يَقتَرئونَ من رسولِ الله عشْرَ آياتٍ ، فلا يأخُذونَ في العَشْرِ الأُخرى حتى يعلَموا ما في هذه منَ العلم والعمل ، فتعلَّموا العلم والعمَلَ معاً .

    كان الجيل الأول للمسلمين يستشعر أن الآية تعنيه بالخصوص ، تعنيه فرداً وتعنيه أمة ، وليس كالجيل المعاصر الذي لا يعنيه القرآن ، ولا تخصّه الآية ، نسمعها ونقرأها - إن فعلنا - للبركة والثواب أو لكسب المعلومة ، أو نقتبسها كشاهد ، وليس من أجل العمل بمضمونها وتجسيدها في حياتنا ..!!

    وعليه ينبغي أن نعلم أنّ هناك معارفاً لا تحصل إلا بإقامة الصلاة وأداء الزكاة .. ومعارفَ أخرى تختص بالتروك الإسلامية ، وهي متوقفة على اجتناب الخمر وأخرى بعدم الاقتراب من الزنا .. الخ

    ومن هذا المفهوم يأتي الصيام بإعتباره من أوسع أبواب المعرفة العملية في الإسلام وأعظم مصادرها ومنابعها .. ففي حديث المعراج ، يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله ربَّه جلَّ وعلا فيجيبه : " يا رب ما أوّل العبادة ؟ قال : أول العبادة الصمت والصوم ، قال : يا رب وما ميراث الصوم ؟ قال : الصوم يورث الحكمة والحكمة تورث المعرفة ، والمعرفة تورث اليقين ، فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح ، بعسر أم بيسر " . بحار الأنوار ج٧٤

    فبالصيام يعرف الإنسان نفسه ، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه كما ورد .. وسرّ معرفة النفس يكمن في مخالفة أهواءها والسيطرة على جماحها وترويض الصعب من نوازعها وصفاتها .. دخل على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) رجل أسمهُ مجاشع ، فقال : يا رسول الله ، كيف الطريق إلى معرفة الحق ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله ) : " معرفة النفس " فقال : يا رسول الله ، فكيف الطريق إلى موافقة الحق ؟ قال : " مخالفة النفس" ، فقال : يا رسول الله ، فكيف الطريق إلى رضا الحق ؟ قال : " سخط النفس " ، فقال : يا رسول الله ، فكيف الطريق إلى وصل الحق ؟ قال : " هجر النفس" ، فقال : يا رسول الله ، فكيف الطريق إلى طاعة الحق ؟ قال : "عصيان النفس" ، فقال : يا رسول الله ، فكيف الطريق إلى ذكر الحق ؟ قال : " نسيان النفس" ، فقال : يا رسول الله ، فكيف الطريق إلى قرب الحق ؟ قال : " التباعد من النفس" ، فقال : يا رسول الله ، فكيف الطريق إلى أُنس الحق ؟ قال : " الوحشة من النفس" ، فقال : يا رسول الله ، فكيف الطريق إلى ذلك ؟ قال : " الاستعانة بالحق على النفس" . ميزان الحكمة ج٣

    *****

    ( ٣ ) يمكن القول أن ثمّة فرقٍ بين العبادات [ الفرائض الإسلامية ] بمفهومها الفقهي وبين مفهومها القرآني ..

    فالصلاة الفقهية تبتدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم ، بينما الصلاة القرآنية هي التي تمتدّ خارج وقتها وتتحرر عن مواضع مساجدها السبعة لتكون حاضرة في جميع مفاصل حياة المصلّي ، في أسرته ومجتمعه ، في عمله وأوقات راحته .. وذلك لتؤدي وظيفتها القرآنية المتمثلة في النهي عن الفحشاء والمنكر ، قال تعالى [ ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ] العنكبوت ٤٥

    والصيام الفقهي كذلك يختلف عن الصيام القرآني ، في وقته ومفطراته ، فالصيام في الفقه يبدأ من طلوع الفجر الصادق وينتهي عند غياب الحمرة المشرقية ، وفيه إمساك عن المطعم والمشرب والمنكح ، بينما الصيام في القرآن عبارة عن منظومة محكمة من التقوى [ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ] البقرة ١٨٣ ، يقول الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سمعُكَ وبصَرُكَ وشعرُكَ وجِلدُكَ .. وعدَّدَ أَشياءَ غيرَ هذَا وقالَ : ـ لا يكونُ يومُ صومكَ كيومِ فِطْرِكَ ] الكافي ٤ / ٦٤ .. الصوم بمفهومه القرآني هذا يمتد الى سائر شهور السنة حتى قيل [ لا يفلح قوم لا يعرفون الله إلا في شهر رمضان ] ..

    ويمكن تطبيق هذه القاعدة على سائر العبادات والفرائض الإسلامية ، فأبعادها القرآنية أبعد بكثير عن حدودها الفقهية .. وهي دعوة لتأليف كتاب يحمل عنوان [ الفرائض الإسلامية بمفهومها القرآني ] أو ما شابه ذلك ليتجلّى لنا مفهومها القرآني أكثر ..

    ******

    ( ٤ ) للصوفية فهم خاص للشريعة يختلف عن باقي المسلمين ، فهم يتفقون معهم على رحلة الارتقاء الروحي والإيماني للعبادات [ صلاة ، صوم ، حج .. ] وأنها أبواب مشارق اليقين وأنوار المعرفة الإلهية .. ولكن يختلفون معهم في رحلة العودة الى الحياة والواقع ..

    فالصوفية لا يعنيهم إنعكاس تلك الكمالات والفتوحات التي حصلوا عليها من العبادات على واقع الحياة كثيراً .. يقول أحد الصوفية : [ صعد محمد النبي الى السماوات العلى ثم رجع الى الأرض ، قسما بربي لو أني بلغت هذا المقام لما عدتُ أبدا ] . وهذا الكلمة التي نقلها محمد اقبال في كتابه [ التجديد الفكري ] تعطي المعنى الذي نريد تبيانه كاملاً .

    وهذا المنهج مخالفته واضحة لعقائد وضرورات الإسلام ، ويكفي أن نقول أن فكرة خلافة الإنسان في الأرض من قبل الله تعالى ينهي أي جدل بهذا الخصوص ..

    من هنا لا بد من فهم كل عبادة إسلامية فهماً كاملاً غير منقوص ، أن نفهم بعدها الملكوتي وأن نفهم إنعكاساتها الأرضية كذلك .. وهذه الحقيقة هي جوهر الشريعة الإسلامية ومركز وعيها المتكامل ..

    وما يؤيد هذه الحقيقة ايضاً هو ما ذهب اليه الكثير من الفقهاء بأن [ الكافرون محمّلون بالفروع ] ، أي الكافر سيحاسب في الآخرة على الصلاة والصيام والزكاة .. ويستدلّون على ذلك بأدلة منها آيات [ ما سلككم في سقر ، قالوا لم نكُ من المصلّين ولم نكُ نُطعم المسكين .. وكنّا نكذب بيوم الدين ] .

    فهؤلاء كافرون ولم يؤمنوا بالمعاد ورغم ذلك فإن حسابهم لم يقتصر على كفرهم بالعقيدة وإنما على تخلّيهم عن فروع الدين كذلك ، من صلاة وزكاة .. لما لهذه العبادات من آثار تتجاوز المستوى الفردي وكان عليهم الالتزام بها كجزء من التزامات المواطنة على هذه الأرض بغض النظر عما تنطوي عليه أنفسهم من عقيدة .. !!

    من هنا يأتي الحديث عن الصوم - موضوع البحث - بأنه دورة تدريبية تهذيبية تزيد من إمكانيات وقابليات الإنسان في حياته وتعزز من إيمانه وإرتباطه بمبدأه وتعود عليه بما فيه خير الدنيا والآخرة .. ومن يستتبع النصوص الشرعية الخاصة بالصوم سيجد ما يؤكد ذلك ويزيده جلاءً وتبيانا ..​
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
يعمل...
X