بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
في ليلةٍ هادئة كان القمر يسكب نوره على نوافذ البيوت، وكأن السماء تقول للأرض: هذا شهر تهذيب القلوب قبل البطون.
جلس “علي” قرب النافذة، يراقب أضواء الشارع، ويمسك مصحفه الصغير. كان صائماً، لكن شيئاً في داخله لم يكن هادئاً…
قلبه كان يغلي.
في النهار، تشاجر مع أخيه الصغير، وارتفع صوته، ثم أغلق الباب بعنف، وقال كلماتٍ ندم عليها فوراً.
لكنه قال في نفسه:
“أنا صائم… فلماذا غضبت؟ أليس الصيام أن لا نأكل فقط؟”
اقتربت منه أمه، وجلست بجانبه، ومسحت على رأسه بلطف وقالت:
– ما بالك يا بُني؟
قال بصوت منخفض:
– أشعر أني خسرت صيامي اليوم… غضبت كثيراً.
ابتسمت الأم وقالت:
– يا علي، رمضان مدرسة، وليس امتحاناً بالعصا.
إنه شهر نتعلم فيه كيف نصوم بقلوبنا قبل أجسادنا.
ثم فتحت المصحف، وقرأت بصوتٍ خاشع:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
(آل عمران: 134)
قالت:
– هل تعلم من هم أبطال هذه الآية؟
إنهم الذين يملكون أنفسهم عند الغضب، لا الذين يملكون القوة فقط.
سكت علي، وكأن الكلمات دخلت قلبه ببطء.
وفي تلك الليلة، حلم علي حلماً عجيباً…
رأى نفسه يسير في صحراء واسعة، وفجأة ظهر أمامه “وحش الغضب”، كان أحمرَ شديد الضجيج، يقول:
– أنا أقوى منك! كلما أغضبك أحد، سأجعلك تصرخ!
خاف علي، لكنه تذكر كلمات أمه…
وتذكر حديث الإمام.
فسمع صوتاً نورانياً يقول:
قال الإمام الصادق عليه السلام:
«الصَّوْمُ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَحْدَهُ، إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْحَرَامِ»
(الكافي، ج4، ص87)
فهم علي فجأة…
أن الصيام ليس جوع المعدة فقط، بل صيام الغضب أيضاً.
اقترب الوحش منه أكثر وقال:
– اغضب! اصرخ! دافع عن نفسك!
لكن علي تذكر قول جده الذي حفظه في المدرسة:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»
(الكافي، ج4، ص87)
فأخذ نفساً عميقاً…
ووضع يده على صدره…
وقال بهدوء:
– إني صائم.
فصغر الوحش قليلاً.
ثم تذكر حديثاً آخر كأنه نور في قلبه، عن أمير المؤمنين
الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
«أَوَّلُ الْغَضَبِ جُنُونٌ وَآخِرُهُ نَدَمٌ»
(غرر الحكم، ح 2066)
فقال في نفسه:
“أنا لا أريد جنون البداية… ولا ندم النهاية.”
جلس على ركبتيه، وأغمض عينيه، وقال:
– يا رب، أعنّي على نفسي.
فانطفأ لون الوحش…
وصار أصغر…
وأصغر…
حتى اختفى.
استيقظ علي قبيل السحور، وقلبه هادئ بطريقة لم يشعر بها من قبل.
في الصباح، أخطأ أخوه الصغير مرة أخرى، وأسقط كوب الماء على ثوبه.
نظر إليه…
شعر بالغضب يطرق الباب…
لكن هذه المرة، لم يفتح له الباب.
تذكر قول الإمام زين العابدين عليه السلام في دعاء مكارم الأخلاق:
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَسَدِّدْنِي لِأَنْ أُعَارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْحِ»
(الصحيفة السجادية، دعاء 20)
فابتسم…
وقال:
– لا بأس، أنا صائم.
نظر إليه أخوه بدهشة، وقال:
– لماذا لم تغضب؟
أجابه علي بهدوءٍ عميق:
– لأنني تعلمت أن الصائم الحقيقي يصوم عن غضبه.
وفي الإفطار، سأل أباه:
– من أقوى؟ من يغضب أم من يملك نفسه؟
فقال الأب:
– سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله مثل سؤالك، فقال:
«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»
(الكافي، ج2، ص110)
عندها شعر علي بشيء عظيم ينمو في داخله…
ليس قوة الصوت…
بل قوة الصبر.
وفي الليلة التالية، كتب في دفتره:
“اليوم صمتُ عن غضبي، فشعرتُ أن قلبي أصبح أخفّ من الهواء.”
ثم قرأ قبل النوم قوله تعالى:
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾
(الشورى: 37)
وأدرك أخيراً سرّ شهر رمضان:
أن أكبر انتصار لا يكون على الآخرين…
بل على النفس حين تثور.
ومنذ ذلك اليوم، كلما طرق الغضب باب قلبه، كان يقول:
“مرحباً يا شهر رمضان… علّمني كيف أكون صائماً حتى في مشاعري.”
وهكذا كبر علي…
لكن أعظم ما كبر فيه، لم يكن عمره،
بل قدرته على كظم الغيظ…
حتى صار قلبه هادئاً كقمر شهر رمضان.
اللهم صل على محمد وآل محمد
في ليلةٍ هادئة كان القمر يسكب نوره على نوافذ البيوت، وكأن السماء تقول للأرض: هذا شهر تهذيب القلوب قبل البطون.
جلس “علي” قرب النافذة، يراقب أضواء الشارع، ويمسك مصحفه الصغير. كان صائماً، لكن شيئاً في داخله لم يكن هادئاً…
قلبه كان يغلي.
في النهار، تشاجر مع أخيه الصغير، وارتفع صوته، ثم أغلق الباب بعنف، وقال كلماتٍ ندم عليها فوراً.
لكنه قال في نفسه:
“أنا صائم… فلماذا غضبت؟ أليس الصيام أن لا نأكل فقط؟”
اقتربت منه أمه، وجلست بجانبه، ومسحت على رأسه بلطف وقالت:
– ما بالك يا بُني؟
قال بصوت منخفض:
– أشعر أني خسرت صيامي اليوم… غضبت كثيراً.
ابتسمت الأم وقالت:
– يا علي، رمضان مدرسة، وليس امتحاناً بالعصا.
إنه شهر نتعلم فيه كيف نصوم بقلوبنا قبل أجسادنا.
ثم فتحت المصحف، وقرأت بصوتٍ خاشع:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
(آل عمران: 134)
قالت:
– هل تعلم من هم أبطال هذه الآية؟
إنهم الذين يملكون أنفسهم عند الغضب، لا الذين يملكون القوة فقط.
سكت علي، وكأن الكلمات دخلت قلبه ببطء.
وفي تلك الليلة، حلم علي حلماً عجيباً…
رأى نفسه يسير في صحراء واسعة، وفجأة ظهر أمامه “وحش الغضب”، كان أحمرَ شديد الضجيج، يقول:
– أنا أقوى منك! كلما أغضبك أحد، سأجعلك تصرخ!
خاف علي، لكنه تذكر كلمات أمه…
وتذكر حديث الإمام.
فسمع صوتاً نورانياً يقول:
قال الإمام الصادق عليه السلام:
«الصَّوْمُ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَحْدَهُ، إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْحَرَامِ»
(الكافي، ج4، ص87)
فهم علي فجأة…
أن الصيام ليس جوع المعدة فقط، بل صيام الغضب أيضاً.
اقترب الوحش منه أكثر وقال:
– اغضب! اصرخ! دافع عن نفسك!
لكن علي تذكر قول جده الذي حفظه في المدرسة:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»
(الكافي، ج4، ص87)
فأخذ نفساً عميقاً…
ووضع يده على صدره…
وقال بهدوء:
– إني صائم.
فصغر الوحش قليلاً.
ثم تذكر حديثاً آخر كأنه نور في قلبه، عن أمير المؤمنين
الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
«أَوَّلُ الْغَضَبِ جُنُونٌ وَآخِرُهُ نَدَمٌ»
(غرر الحكم، ح 2066)
فقال في نفسه:
“أنا لا أريد جنون البداية… ولا ندم النهاية.”
جلس على ركبتيه، وأغمض عينيه، وقال:
– يا رب، أعنّي على نفسي.
فانطفأ لون الوحش…
وصار أصغر…
وأصغر…
حتى اختفى.
استيقظ علي قبيل السحور، وقلبه هادئ بطريقة لم يشعر بها من قبل.
في الصباح، أخطأ أخوه الصغير مرة أخرى، وأسقط كوب الماء على ثوبه.
نظر إليه…
شعر بالغضب يطرق الباب…
لكن هذه المرة، لم يفتح له الباب.
تذكر قول الإمام زين العابدين عليه السلام في دعاء مكارم الأخلاق:
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَسَدِّدْنِي لِأَنْ أُعَارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْحِ»
(الصحيفة السجادية، دعاء 20)
فابتسم…
وقال:
– لا بأس، أنا صائم.
نظر إليه أخوه بدهشة، وقال:
– لماذا لم تغضب؟
أجابه علي بهدوءٍ عميق:
– لأنني تعلمت أن الصائم الحقيقي يصوم عن غضبه.
وفي الإفطار، سأل أباه:
– من أقوى؟ من يغضب أم من يملك نفسه؟
فقال الأب:
– سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله مثل سؤالك، فقال:
«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»
(الكافي، ج2، ص110)
عندها شعر علي بشيء عظيم ينمو في داخله…
ليس قوة الصوت…
بل قوة الصبر.
وفي الليلة التالية، كتب في دفتره:
“اليوم صمتُ عن غضبي، فشعرتُ أن قلبي أصبح أخفّ من الهواء.”
ثم قرأ قبل النوم قوله تعالى:
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾
(الشورى: 37)
وأدرك أخيراً سرّ شهر رمضان:
أن أكبر انتصار لا يكون على الآخرين…
بل على النفس حين تثور.
ومنذ ذلك اليوم، كلما طرق الغضب باب قلبه، كان يقول:
“مرحباً يا شهر رمضان… علّمني كيف أكون صائماً حتى في مشاعري.”
وهكذا كبر علي…
لكن أعظم ما كبر فيه، لم يكن عمره،
بل قدرته على كظم الغيظ…
حتى صار قلبه هادئاً كقمر شهر رمضان.
