بسم الله الرحمن الرحيم
وبه تبارك وتعالى نستعين وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد واله الطيبين الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تقبل الله اعمالكم بقبول حسن انه ارحم الراحمين .
يحلّ شهر رمضان المبارك على الإنسان لا بوصفه موسمًا للجوع والعطش، بل باعتباره برنامجًا تربويًا عمليًا، ودورة أخلاقية مكثّفة، أُريد لها أن تُعيد بناء الإنسان من الداخل، وتُنقله من مستوى المعرفة النظرية إلى حيّز الممارسة الواعية والانضباط السلوكي. فالدخول في رمضان يشبه إلى حدٍّ بعيد الدخول في ورشة عمل أخلاقية، لا تُقاس نتائجها بعدد الساعات التي امتنع فيها الصائم عن الطعام والشراب، بل بمقدار ما أحدثته من تغييرٍ فعلي في شخصيته وسلوكه واتزانه الداخلي.
إنّ الصوم في حقيقته ليس امتناعًا عن المباحات لذاتها، فالله سبحانه هو المعطي الكريم، وهو الذي أباح الطعام والشراب وسائر النعم لعباده، ولا يُعقل أن يكون مراده أن يرى الإنسان جائعًا أو عطشانًا لمجرّد الجوع والعطش. إنما المراد أعمق من ذلك؛ إذ أراد الله أن يجعل من هذا الامتناع المؤقّت وسيلةً تعليمية، ودرسًا عمليًا في الصبر، وضبط الرغبة، والتحكّم في الدافع، والالتزام بالأمر الإلهي حتى في أبسط التفاصيل.
بدليل ماورد عن الرسول الاعظم (صلى الله عليه واله وسلم) لجابر بن عبد الله الانصاري – يبيّن له أنّ حقيقة الصوم إنّما هي الإبتعاد عن المحارم فيقول: "يا جابر! هذا شهر رمضان من صام نهاره وقام ورداً من ليله وعفّ بطنه وفرجه وكفّ لسانه خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر"، فقال جابر: يا رسول الله ما أحسن هذا الحديث ! فقال رسول الله صلى الله علية واله وسلم: "يا جابر ! وما أشدّ هذه الشروط"1.
ومن هنا تتجلّى دقّة المنهج الرمضاني؛ فالماء ـ وهو أصل الحياة، والمباح في كل حين ـ يصبح محرّمًا في نهار رمضان، لا لذاته، بل ليتعلّم الإنسان معنى الامتثال، وليدرك أن القيمة ليست في ذات الفعل، بل في موقعه من الطاعة والمعصية. فإذا كان الصائم قادرًا على كبح رغبته في شرب الماء المباح استجابةً لأمر الله، فمن باب أولى أن يكون قادرًا ـ بعد تخرّجه من هذه الدورة الأخلاقية ـ على اجتناب كل محرّم خارج شهر رمضان، وقد تمرّس عمليًا على ضبط النفس، وتغلّب على سلطان الشهوة.
ومن هنا يتّضح أنّ الصوم الحقيقي هو صوم الجوارح قبل أن يكون صوم المعدة؛ صوم العين عن النظر الحرام، وصوم اللسان عن الكذب والغيبة، وصوم السمع عن الباطل، وصوم اليد عن الظلم، وصوم القلب عن الحقد والرياء وسوء النيّة. فالصوم الذي لا ينعكس أثره على السلوك، ولا يغيّر من منظومة القيم، ولا يرفع منسوب الأخلاق، يبقى صومًا شكليًا لا يحقّق الغاية التي شُرع من أجلها.
إنّ الله تعالى يريد من خلال هذه الدورة الأخلاقية أن يرفع معنويات الإنسان، وأن يسمو به فوق ضغط الغريزة وهيمنة العادة، وأن يعلّمه أنّه قادر على التحكّم بنفسه إذا أراد، وأن الإرادة حين ترتبط بالطاعة تتحوّل إلى قوّة محرِّرة لا إلى قيدٍ مُرهق. ورمضان في هذا المعنى ليس شهر الامتناع، بل شهر البناء؛ بناء الإرادة، وبناء الضمير، وبناء الإنسان المتوازن الذي يعرف متى يمتنع، ومتى يُقبل، ولماذا يفعل هذا أو يترك ذاك.
فطوبى لمن دخل شهر رمضان دخول المتدرّب الواعي، وخرج منه خروج المتخرّج الناجح، وقد تخلّص من رذيلة، واكتسب فضيلة، وتعلّم أن الطاعة ليست موسمًا عابرًا، بل منهج حياة.
وكلّ عام وأنتم أقرب إلى الله، وأوعى برسالة هذا الشهر العظيم.
المصادر
1- مصباح المتهجّد، ص127.
وبه تبارك وتعالى نستعين وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد واله الطيبين الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تقبل الله اعمالكم بقبول حسن انه ارحم الراحمين .
يحلّ شهر رمضان المبارك على الإنسان لا بوصفه موسمًا للجوع والعطش، بل باعتباره برنامجًا تربويًا عمليًا، ودورة أخلاقية مكثّفة، أُريد لها أن تُعيد بناء الإنسان من الداخل، وتُنقله من مستوى المعرفة النظرية إلى حيّز الممارسة الواعية والانضباط السلوكي. فالدخول في رمضان يشبه إلى حدٍّ بعيد الدخول في ورشة عمل أخلاقية، لا تُقاس نتائجها بعدد الساعات التي امتنع فيها الصائم عن الطعام والشراب، بل بمقدار ما أحدثته من تغييرٍ فعلي في شخصيته وسلوكه واتزانه الداخلي.
إنّ الصوم في حقيقته ليس امتناعًا عن المباحات لذاتها، فالله سبحانه هو المعطي الكريم، وهو الذي أباح الطعام والشراب وسائر النعم لعباده، ولا يُعقل أن يكون مراده أن يرى الإنسان جائعًا أو عطشانًا لمجرّد الجوع والعطش. إنما المراد أعمق من ذلك؛ إذ أراد الله أن يجعل من هذا الامتناع المؤقّت وسيلةً تعليمية، ودرسًا عمليًا في الصبر، وضبط الرغبة، والتحكّم في الدافع، والالتزام بالأمر الإلهي حتى في أبسط التفاصيل.
بدليل ماورد عن الرسول الاعظم (صلى الله عليه واله وسلم) لجابر بن عبد الله الانصاري – يبيّن له أنّ حقيقة الصوم إنّما هي الإبتعاد عن المحارم فيقول: "يا جابر! هذا شهر رمضان من صام نهاره وقام ورداً من ليله وعفّ بطنه وفرجه وكفّ لسانه خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر"، فقال جابر: يا رسول الله ما أحسن هذا الحديث ! فقال رسول الله صلى الله علية واله وسلم: "يا جابر ! وما أشدّ هذه الشروط"1.
ومن هنا تتجلّى دقّة المنهج الرمضاني؛ فالماء ـ وهو أصل الحياة، والمباح في كل حين ـ يصبح محرّمًا في نهار رمضان، لا لذاته، بل ليتعلّم الإنسان معنى الامتثال، وليدرك أن القيمة ليست في ذات الفعل، بل في موقعه من الطاعة والمعصية. فإذا كان الصائم قادرًا على كبح رغبته في شرب الماء المباح استجابةً لأمر الله، فمن باب أولى أن يكون قادرًا ـ بعد تخرّجه من هذه الدورة الأخلاقية ـ على اجتناب كل محرّم خارج شهر رمضان، وقد تمرّس عمليًا على ضبط النفس، وتغلّب على سلطان الشهوة.
ومن هنا يتّضح أنّ الصوم الحقيقي هو صوم الجوارح قبل أن يكون صوم المعدة؛ صوم العين عن النظر الحرام، وصوم اللسان عن الكذب والغيبة، وصوم السمع عن الباطل، وصوم اليد عن الظلم، وصوم القلب عن الحقد والرياء وسوء النيّة. فالصوم الذي لا ينعكس أثره على السلوك، ولا يغيّر من منظومة القيم، ولا يرفع منسوب الأخلاق، يبقى صومًا شكليًا لا يحقّق الغاية التي شُرع من أجلها.
إنّ الله تعالى يريد من خلال هذه الدورة الأخلاقية أن يرفع معنويات الإنسان، وأن يسمو به فوق ضغط الغريزة وهيمنة العادة، وأن يعلّمه أنّه قادر على التحكّم بنفسه إذا أراد، وأن الإرادة حين ترتبط بالطاعة تتحوّل إلى قوّة محرِّرة لا إلى قيدٍ مُرهق. ورمضان في هذا المعنى ليس شهر الامتناع، بل شهر البناء؛ بناء الإرادة، وبناء الضمير، وبناء الإنسان المتوازن الذي يعرف متى يمتنع، ومتى يُقبل، ولماذا يفعل هذا أو يترك ذاك.
فطوبى لمن دخل شهر رمضان دخول المتدرّب الواعي، وخرج منه خروج المتخرّج الناجح، وقد تخلّص من رذيلة، واكتسب فضيلة، وتعلّم أن الطاعة ليست موسمًا عابرًا، بل منهج حياة.
وكلّ عام وأنتم أقرب إلى الله، وأوعى برسالة هذا الشهر العظيم.
المصادر
1- مصباح المتهجّد، ص127.

تعليق