بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[1].
﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾، أي: الأمر الموعود من الله بمنزلة الآتي المتحقّق، من حيث إنّه واجب الوقوع.
بدليل ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، حيث الماضي لا يستعجل له في الحال، و «إن الله إذا أخبر أن شيئا كائن فكأنه قد كان» إذا ف ﴿أَتَى﴾، هنا ماض يضارع المضارع في المعنى لأنه متحقق الوقوع كأنه قد مضى، فانه ماض في ارادة اللّٰه، ماش في حكم اللّٰه، أو يعم الماضي المستمر في اكتماله الى المستقبل، أو في نظيره، كَمَا قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: ((وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ))[2].
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، تبرّأ وجلّ عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم، فتكون «ما» موصولة، أو عن إشراكهم، فتكون مصدريّة.
والمعنى المناسب هو الحكم والفعل، ولأن حكمه ايضا من فعله فهو إذا الفعل، وهو هنا بطبيعة الحال فعل يستعجل به المستعجلون له مؤمنين أو كافرين.
وترى ما هو ﴿أَمْرُ اللهِ﴾، هنا؟ أنه يحمل سمات عدة اضافة الى استقباله، إنه مستعجل، وفيه ترح للمشركين وفرح للمؤمنين، إنه ليس امر الوحي والرسالة المحمدية فإنهما ماضيان غير مستعجلين لأحد اللهم إلا في استكمال مستقبل! ولا امر الموت لكل أحد لأنه يشمل مثلث الزمان دون اختصاص بالمستقبل منذ ذلك العهد المكي، ولا أي أمر مضى أو يعمه والحال والاستقبال، إنه امر انتصار الحق واحتضار الباطل، بعدما نكب الحق في العهد المكي من قبل السلطات والدعايات الشركية الحمقاء، فيشمل امر الدولة الاسلامية التي أسسها الرسول في المدينة: ﴿.. فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ..﴾[3]، وكما يشمل انتصارات مستقبلة اخرى للمؤمنين ونكبات لآخرين.
إذا فهو خروج محمد (صلى الله عليه وآله) ثم خروج القائم من آل محمد (صلوات الله عليهم اجمعين) ثم خروج الأموات يوم القيامة من أجداثهم وفي كل ذلك فرحات للمؤمنين وترحات للكافرين، فقد يعم الاستعجال كلا الفريقين، ومنه استعجال الكافرين عذابات الاستئصال قبل يوم الدين دون اختصاص ل ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، بهم مهما ذكروا باستعجالهم في آيات عدة، ومما يؤيد الشمول ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، دون «عما تشركون» والخطاب الثاني هو قضية الحال بعد الخطاب الاوّل لو كان يخصهم.
فهنالك استعجالات كافرة ناكرة ليوم الدين: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا..﴾[4]، واخرى ناكرة لعذابات الاستئصال الموعودة للظالمين قبل يوم الدين ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾[5]، وهنا استعجال خير للنبي والذين معه واللّٰه ينهاه الى ما هو خير منه ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾[6]، وبطبيعة الحال يستعجل اهل الخير خيرهم رغبة فيه كما المنتظرون لخروج المهدي (عجل الله فرجه) يستعجلونه، والمنتظرون قبله في اقامة دولة الحق تقدمة له يستعجلونه! فيتمنى الإنسان هذه الدولة، وبمثل هذا العالم المليء بالفضيلة، والخالي من الرذيلة، فعندما يتمنى بمثل ذلك العالم فإنّه يستعجل ذلك الأمر.
إنّ هذا الاستعجال، وطلب الظهور السريع يرجع سببه إلى ما يعيشه الإنسان من حالات الظلم والاضطهاد في مسيرته، فإنّه عندما يتسلط الظالم والباغي لا يرى الإنسان إلاّ استعجال الظهور مفراً له، فالاستعجال هو جزء من طبيعة الإنسان التي تفرضها عليه الظروف التي يعيشها.
فأمر اللّٰه الآتي يعم كل أمر آت يسر المؤمنين ويضر الكافرين، وكل يستعجله ولكن ﴿لَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فانه يأتي في دوره الصالح وفق الحكمة العالية الربانية، دون تعجيل ولا تأجيل عن اجله المقرر له، صيغة سائغة حاسمة جازمة في مطلع السورة، ذات وقع في النفوس مهما تماسكت او تكابرت، و ﴿أَمْرُ اللهِ﴾، مذيّلا ب ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، تلميحة بينة أنه امر التوحيد بكل أبعاده، إزالة للشرك بكل إبعاد له في أبعاده في آخر الزمن حيث دولة القائم المهدي (عجل الله فرجه) وفي القيامة الكبرى جزاء بما كانوا يعملون.
[1] سورة النحل، الآية: 1.
[2] نهج البلاغة، ص 148.
[3] سورة البقرة، الآية: 109.
[4] سورة الشورى، الآية: 18.
[5] سورة الصافات، الآية: 176.
[6] سورة القيامة، الآية: 16.
