بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾[1].
يتجدد طرح وإعادة لأفكار سابقة في آيتنا هذه وأخرى من بعدها، إلا أنها وردت في سياق آخر، الجديد فيه هو تقرير لإحدى حقائق السلوك المنحرف وصلته بالجزاء، فالسلوك المنحرف عن مبادئ الله، سواء أكان معصية تصدر من المسلم أو شركا يصدر عن الكافر إنما يجرّ وراءه مسؤولية ضخمة يتغافل الإنسان عنها في غمرة انغماسه في زخارف الحياة الدنيا، هذه المسؤولية تتمثل في ملاقاته لجزاء حتمي حدده الله في اليوم الآخر.
وقد سلكت الآية منحى بالغ الإثارة حينما أوضحت بأن مؤاخذة الناس على ظلمهم لو كان دنيويا لما ترك الله على الأرض شخصا منحرفا إلاّ وأهلكه لقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾[2].
ومن الواضح أن مثل هذا الأسلوب في إنذار المنحرفين يدع الشخصية في موقف مرعب كلّ الرعب ورهيب كل الرهبة مما يضطرها في غمرة هذه الاستجابة المحفوفة بالخوف الرهيب إلى تعديل سلوكها إذا كانت ذات حظ من التوفيق أو الاستعداد لتعديل السلوك.
والآن، بعد تقرير هذه الحقيقة المتصلة بالسلوك البشري والجزاءات المترتبة عليه، نعود إلى طرح فكرة سابقة طرحتها الآيات السابقة تخصّ المنحرفين الذين أشركوا بالله من خلال جعلهم ما يشتهون من البنين لأنفسهم وما يكرهونه من الإناث لله تعالى، حيث أعادت الآية الثانية طرح هذا الجانب لكن من خلال مفهوم الجزاء الذي أشرنا إليه، فهؤلاء المنحرفون ﴿تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾، أي أن لهم الجزاء الإيجابي في سلوكهم المذكور.
فالسياق الجديد هنا هو ربط الفكرة السابقة بقضية الجزاء وهو أن الله لو يؤاخذ الناس بظلمهم لما أبقى أحدا منهم على وجه الأرض.
وعليه نجد أن إعادة ما هو مطروح في مقاطع سابقة إنما طرح الآن في سياق جديد يتناسب مع أفكار السياق الجديد وهو أمر يشيع جمالية فائقة من حيث إحكام عمارة السورة.
﴿مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾، كل دابة في الأرض دون إبقاء، فهي إذا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً..﴾[3]، فقد تصيب سائر الدواب أو قسما منها دون ما ظلم، وإنما ابتلاء للمستفيدين منها، وتصيب من المظلومين من هم ذريعة ظلم الظالمين إذ سكتوا عن ظلمهم، وتخاذلوا أمامهم، والساكت عن الحق شيطان أخرس! ثم تصيب العدول أحيانا من بأس الظالمين كما تعودوه طول التاريخ الرسالي، وأخرى فتنة لهم واعتلاء درجة، كما وفي بأسهم بالظالمين على شروطه الصالحة درجة.
إذا ف ﴿مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾، ليست لتعني عقوبة على الكل ظالمة ومظلومة وعادلة، وإنما إفناء للكل تأشيرا الى مدى آثار الظلم، إنها مبيدة ومبددة ﴿مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾، لا تبقي ولا تذر، وليست من سنة اللّٰه في أخذة قاهرة للظالمين أن يسدها عن سواهم كخارقة استثنائية، فإذا حدث زلزال فطبيعة الحال تهدّم المنطقة التي حصلت فيها بمن عليها مستحقين العذاب وسواهم، ولكنه عذاب للظالمين وتكفير أو ترفيع درجة لسواهم.
ونحن نرى طوال التاريخ أخذ إلهي دون تلك المؤاخذة الشاملة، وقد اختصت أحيانا بالظالمين أنفسهم لا سواهم، كأخذ فرعون وعاد وثمود واصحاب الرس وقرون بين ذلك كثير، وطبعا بما معهم من دابة يستفيدون منها، واخرى تعدت الى غيرهم، سواء الساكتين عن الظلم كتاركي النهي عن المنكر في اصحاب السبت حيث النجاة اختصت بالناهين عن السوء، فتاركوا النهي غير ناجين، مهما اختص مقترفو الظلم ب ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾[4]، وثالثة تتعدى إلى سواهم، من غير المستحقين العذاب، ابتلاء أو ترفيع درجة كالبراكين والزلازل والصواعق.
[1] سورة النحل، الآية: 61.
[2] سورة النحل، الآية: 62.
[3] سورة الأنفال، الآية: 25.
[4] سورة البقرة، الآية: 65.
