رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ رَكِبَ جِدَّهُ قَهَرَ ضِدَّهُ"
معادلة أخرى يقرِّرها الإمام أمير المؤمنين (ع) تلهمنا الجِدَّ والاجتهاد، والعزم القوي والتصميم الصادق، كشرط ضروري للفوز والغَلَبة على الأضداد والأنداد والأعداء.
وكان سبق مِنَّا الحديث عن مخاطر ضَعف الجِدِّ والعزم والإرادة، وما يفضي إليه من فشل على كل صعيد، وما يوفره من فرصة للأضداد والأعداء لينتصروا عليه.
وقلنا هناك: تُطلق كلمة (الجِدُّ) في اللغة العربية مقابل الهزل، والتقاعس، والكسل، والتواكل، والتثاقل عن القيام إلى ما يجب، وتعني: الاجتهاد، وبذل الوُسع، والعزم القوي، والتصميم الصادق، والصرامة في الأمر، والإصرار، يُقالُ: جَدَّ في أمره، أي: أحكمَه وأخلص له عزيمته.
إنَّ تَمَتُّع الإنسان أو "الجماعة" بالجِدّ، والإرادة القوية، وصلابة العزم، وعلو الهمة، وانصرافها نحو الأهداف الكبرى دون تردُّد أو تسويف، والاستمرار في العمل مهما كان صعباً، وتجاوز العقبات والصبر على الصعوبات مهما كانت عظيمة، لا يحقِّق له أهدافه وحسب، بل يُمَكِّنه من قهر ضِدِّه، سواء كان عدواً خارجيًا، أم كان عادة تقهره، أم نفسًا تأمره بالسُّوء.
إن تحطيم الأعداء والانتصار عليهم لا يتحقَّق للمَرء إلا إذا قوي على نفسه، وكان حاكمًا مطلقًا عليها، وتمتع بالجِد والعزم، مهما كانت المتاعب والمصاعب، واليقين بقدرته على تحقيق ما يصبو إليه، والثقة المطلقة بالله، والتوكُّل عليه، وإعداد ما يمكنه إعداده من وسائل ومفردات القوة المادية والمعنوية.
إن الله تعالى لا يضمن لنا القدرة على قهر الأضداد، وتحطيم الأعداء لمجرد أننا مؤمنين، فالإيمان عامل مُهِمٌ بلا ريب، ولكنه ليس كافيًا وحده لذلك، بل لا بد من الإعداد، والاستعداد، وامتلاك كل مُقوِّمات القوة، وما تتطلبه مواجهة الأضداد من وسائل وتقنيات وأحوال وظروف.
فهب أنك تحيي ليلك بالتهجُّد ونهارك بالصيام، وتقرأ القرآن كل حين، وتذكر الله كل آن، تكتفي بذلك، وتريد من الله أن يخلصك من العدو الجاثم على أرضك، السالب حريتك، الناهب ثرواتك، دون أن تبادر إلى فعل، ودون أن تعدّ ما تَقْدِرُ عليه، فستبقى مكانك، لن تتقدَّم خطوة إلى الأمام، لأن الله تعالى يعين من يتوكَّل عليه، ولا يعين من يتواكَل، يعين من يبادر ويعمل، ولا يعين من يكتفي بالدعاء مع فُتُور همَّته وتكاسله عمّا يجب عليه.
إن الله تعالى لا يمنحك النتائج من دون سعي وجِدٍّ، أليس سبحانه هو القائل: *وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴿النجم: 39﴾* إنه تعالى يربط الاستحقاق بالسعي، لا بالأماني، ولا بالإيمان وحده. الإيمان شرط لازم لسلامة الحياة واستقرارها ورغد العيش وسعادة الإنسان في الدارين، ولكنه ليس الشرط الوحيد لقَهر الضِّدِّ والانتصار على العدو، ولو كان الأمر كذلك لكان جميع أنبياء الله ورسُله قد تحققت أهدافهم لمجرد إيمانهم وتقواهم، من دون صبر على المعاناة ومن دون أن ينخرطوا في صراع مع الطغاة والظالمين والمكذبين والصادِّين عن سبيل الله.
وفي موضع آخر يعِدُنا الله –ووعده متحقِّق لا محالة- يعدنا أن يكون معنا، أن يرعانا، ويسدِّدنا، ويهيّئ لنا الأسباب التي نعجز عن تهيئتها، كل ذلك بشرط أن نجاهد فيه، أن نبذل ما في وُسعِنا، يقول تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿العنكبوت:69﴾.
إن الإنسان الجاد لفي كنف الله ورعايته، ومن يكن كذلك لا يُهزَم بل ينتصر ولو تأخَّر انتصاره، ومن يتخذ الجِدَّ مركبًا لا بد أن يبلغ مقصده، ويقهر كل أضداده.
--
منقول

تعليق