بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾[1].
﴿نُّسْقِيكُم﴾، السقي هو تقديم الماء لغرض الشرب سواء أكان للإنسان أم للحيوان أم للنبات، والإسقاء هو جعل غير الماء كالماء شرابا، فأسقاه إذا جعله شرابا وذلك قوله تعالى: ﴿.. وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾[2]، فقد جعل اللّٰه لبنا خالصا سائغا شرابا كما الماء للشاربين، فهو كالماء فيه الرواء وزيادة بما يحوي من الغذاء، وهو كثير كالماء، فلذلك كله ﴿نُّسْقِيكُم﴾، دون «نسقيكم» أو «نشربكم».
ثم الماء قد لا يكون سائغا لما فيه من خليط أو غيار في لون أو طعم، أو يغص به الشارب غصة، ولكن اللبن خالص من كل خليط غير صالح وهو لا يغص على أية حال.
ولماذا ﴿مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾، والانعام جمع نعم مؤنث لا تقبل إلاّ «ها» وفي المؤمنون ﴿بُطُونِهَا﴾: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا ..﴾[3]، فكيف تكون هنا «هو» وهناك «ها»؟ «هو» هنا و «ها» هناك تدلاننا على أنهما بمكانة من الصحة دون ما تأويل، فالأنعام إذا جمع واسم جمع، واختلاف الضميرين علّه اعتبارا بالأمرين، والقرآن هو مصدر الأدب لكل اديب وأدب، وحتى إذا كان جمعا دون إفراد فإرجاع ضمير التأنيث ضابطة شاملة فقط في المؤنثات الحقيقية، وتأنيث الجموع المكسرة كالأنعام مجازي يسوغ في ضمائرها الأمران.
﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾؟ والفرث هو ما يتبقى في الكرش بعد الهضم، المسمى روثا بعد خروجه، والدم هو حصالة الغذاء المصفّاة في المعدة، وعصارتها المتحوّلة الى الشرايين والاوردة وسائر العروق شعرية وما فوقها، المرتزقة منه الخليّات كلها، فكيف يكون اللبن من بين فرث ودم؟ إنه من بين فرث ودم مكانا ومكانة، مكانا حيث الثلاثة كلها لصق بعض في بطن واحد، دون أن تتأثر واحدة من الأخرى على أية حال، فاللبن في الأنعام بين الفخذين، والدم جار في سائر الشرايين والأوردة والفرث في الأمعاء، قد دفعته المعدة إليها بعد جذب العروق لخلاصة الطعام فكانت دما، فالبينية هي باعتبار المكان بيّنة، فلا الفرث بمختلط باللبن مع قرب المكان، ولا الدم بداخل بنفسه في الضرع، فإن بين ذلك كله حجرا محجورا.
والكل أصله واحد هو الغذاء مكانة، وهنا تحول أوّل الى فرث سافل ثافل، والى عصارة تتحول الى دم وسواه من غذاء الجسم والدم هو الأهم فإنه به حيوية الجسم، ثم الدم الذاهب الى كل خليّة في الجسم يتحول في عروق الضرع الى لبن خالص سائغ للشاربين، إذا فاللبن وهو عشير الفرث والدم وسواهما من ثفالات وعصارات غذائية، هو ﴿مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾، من بين فرث ودم مكانة ومكانا.
و ﴿مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾، هي الغذاء، و ﴿مِن﴾، تبعيض له أن اللبن هو بعضه، وهو من بين فرث ودم، فلا هو متأثر من فرث ولا دم، رغم إن الفرث عشيرة في الغذاء، والدم امّه الأخير. وعملية تحول الخلاصات الغذائية في الجسم إلى دم ومنه الى لبن، تتم في بطون صاحبات اللبن في كل ثانية ثانية، في عمليات هدم وبناء مستمرة حتى تفارق الروح الجسد، سبحانه تعالى.
ولقد بقي اللبن في ذلك البين العجيب سرا غريبا الى عهد قريب، الى أن كشف العلم نقابا عن وجهه والى كشوف اخرى يبقى القرآن في كلها إماما لكافة العقلاء والعلماء على مدار الزمن.
أو ليس هذا الذي يسقينا من بين فرث ودم لبنا خالصا، إلها واحدا لوحدة أفعاله وتناسقها؟ أو ليس بقادر على أن يخلّص اجزاءنا البالية المتغيرة الخليطة بسواها عن خلائطها، فيخلق منها أمثالها الاولى متناسبة مع الآخرة كما خلقها في الاولى؟ أو ليس هذا القرآن الحاوي لملاحم غيبية كهذه من عند اللّٰه العزيز الوهاب «سبحانه تعالى»! اللهم بلى وكما ترى هذه الآية بمفردها برهان ساطع على الأصول الثلاثة: مبدأ ومصيرا، وما بين المبدأ والمصير وهو وحي القرآن.
[1] سورة النحل، الآية: 66.
[2] سورة الأنسان، الآية: 21.
[3] سورة المؤمنون، الآية: 21.
