بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾[1].
حديث إلهي آخر يهتم ويشير إلى الحياة الزوجية باعتبار أنّ الزواج أمر مقدّس في دين الله تعالى، فهو من آيات الله الرحمانيّة على الناس، إذ يُعطي للحياة البشريّة مغزىً ومعنى سامياً، ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، من جنسكم لا من جنس آخر، كي يتم الإنس والمشاركة في الحياة الزوجية بين الزوجين، يحرز من خلاله الإنسان الأنس بالرفيق والراحة والطمأنينة وتستمر الحياة من خلال التناسل، هذا بالطبع لو بني الزواج على قواعد متينة وأسس راسخة، وقد اعتبر الإسلام الزواج أمراً إيجابياً وكمالاً للإنسان، فقد ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: ((ما بُني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله عزَّ وجلَّ من التزويج))[2]، وفي رواية تظهر فائدة أكبر للشباب قال صلى الله عليه وآله: ((ما من شاب تزوّج في حداثة سنّه إلا عجّ شيطانه: يا ويله يا ويله عصم منّي ثلثي دينه، فليتّقِ الله العبدُ في الثلث الباقي))[3]، ويمكن أن يُدّعى أنّ: هذا نوع من التشجيع على الزواج، ولكنّه ليس كذلك، بل هو وصف للواقع.
إنّ مقوّمات الزواج الذاتية تحقّق نصف الدين، لأنّها تشكّل حماية حقيقية من مجموعةٍ من العقد والمشاكل والعقبات بمجرّد حصول الزواج بين الرجل والمرأة، فالزواج في الحقيقة يحقّق مجموعة من الأهداف الهامّة للزوجين وللمجتمع.
﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾، ثم الذرية المترتبة على ذلك، «الحفدة» بمعنى (حافد) وهي في الأصل بمعنى الإِنسان الذي يعمل بسرعة ونشاط دون انتظار أجر وجزاء، أمّا في هذه الآية كما ذهب إِلى ذلك أكثر المفسّرين فالمقصود منها أولاد الأولاد، وعلى أية حال فوجود القوى الإِنسانية من الأبناء والأحفاد والأزواج للإِنسان من النعم الإِلهية الكبيرة التي أنعمها جل اسمه على الإِنسان، لأنّهم يعينون مادياً ومعنوياً في حياته الدنيا.
﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، ثم مطلق الطيّبات التي تحقق مختلف الإشباع لحاجاتهم، مطعمًا ومشربًا، إضافة إلى الأزواج والأولاد وغير ذلك من المستلذات.
﴿الطَّيِّبَاتِ﴾، هنا لها من سعة المفهوم بحيث تشمل كل رزق طاهر نظيف، سواء كان مادياً أو معنوياً، فردياً أو اجتماعيا، فإلى جانب ذلك عليك السعي والعمل الصحيح البعيد عن أي إِفراط أو تفريط، والذي هو أساس كسب الرزق، وما يوصل إِلى الإِنسان من رزق بغير سعي وعمل إِنّما هو ثانوي فرعي وليس بأساسي، ولعل هذا الأمر هو الذي دفع أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلماته القصار في تقديم ذكر الرزق الذي يطلبه الإِنسان على الرزق الذي يطلب الإِنسان، فقال: ((يا ابن آدم، الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك))[4].
وبعد كل العرض القرآني لآثار وعظمة قدرة الله، ومع كل ما أفاض على البشرية من نعم، نرى المشركين بالرغم من مشاهدتهم لكل ما أعطاهم مولاهم الحق، يذهبون إِلى الأصنام ويتركون السبيل التي توصلهم إِلى جادة الحق.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾، فما أعجب هذا الزيغ! وأية حال باتوا عليها! عجباً لهم وتعساً لنسيانهم مسبب الأسباب، وذهابهم لما لا ينفع ولا يضر ليقدسوه معبوداً!
ويحدث تعالى ربطا بين آيتنا وآيتين من بعدها فيقول: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ* وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا ..* فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثَالَ ..﴾[5]، يصل بين أجزاء السورة، كما أنه من حيث الأفكار إنما يربط بين نِعَم الله وبين ضرورة استثمارها للعمل العبادي، أي أن نِعَم الحياة الزوجية، والذرية، والطيّبات من الرزق ليست مجرد أهداف في حد ذاتها بل أنها ينبغي أن ترتبط بمفهوم عبادي هو التوحيد: وليس جعل الانداد والأمثال لله تعالى مع أنها لا تملك إمكانية الرزق وسواها مما طرحه المقطع.
[1] سورة النحل، الآية: 72.
[2] وسائل الشيعة، ج 20، ص 14.
[3] بحار الأنوار، ج 100، ص 221.
[4] نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 379.
[5] سورة النحل، الآيات: 72 - 74.
