اولاً : من كتاب وفاة الحمزة ابن عبد المطلب (ع)
جمع وتأليف : محمد علي الناصري
.
.
المقدمة :
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين ،ولاإله سواه،الذي أكرم بعض خلقه بتقواه،وبشرهم بعظيم ثوابه ورضاه،وقال في محكم كتابه : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ، وصلى الله على محمد خير خلقه ،وسيد رسله، وخاتم الأنبياء، والمرسلين ، والسلام على أهل بيته الأزكياء،الذين أكرمهم بالشهادة،وحببهم الى عباده الأتقياء .
وبعد – فإني أقدم للقراء الكرام باقة فوّاحة ، من حياة فرد من أفراد بيت الرسول الأعظم (ص)، عزيز عليه شأنه،وعظيم عنده مكانه، هو من خير أعمامه،ومن قد نصره الله بإسلامه،أعني بذلك سيد الشهداء،أسد الله وأسد رسوله (حمزة) الهجوم،وأعتذر عن التقصير وأسأل الله قبول ا؟لأعمال إنه على كل شيء قدير ،وبلإجابة جدير ،وصلى الله على محمد وآله أهل آية التطهير .
المؤلف
عبد المطلب وأولاده :
الحمزة ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .. الى آخره ،
كان عبد المطلب قد تزوج بستة أزواج، وأن نسائه كن بنات أشراف قومهن وهن : الأولى منعة بنت مالك بن نوفل الخزاعي ،الثانية سمراء بنت غيدر ،والثالثة لبنى بنت هاجر الخزاعية ،والرابعة سعدى بنت حبيب الكلابية ،والخامسة هالة بنت وهيب ،والسادسة فاطمة بنت عمر المخزومية رزق منهن عشرة أولاد وخمس بنات وهم : أبو طالب واسمه عبد مناف والزبير والمقوّم وعبد الله وأمهم فاطمة بنت عمر بن عائذ بن عمران ابن مخزوم – وتؤكد روايات اخرى أن عبد مناف وعبد الله هما الشقيقين الوحيدين منها - ،وحمزة وصفية وأمهما هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة ،والعباس وضرار وأمهما سعدى بنت خباب بن كلاب بن النحرير بن قاسط ،وأبو لهب واسمه عبد العزى وأمه لبنى بنت هاجر ابن عبد مناف بن ضاطر الخزاعي، والغيداق واسمه حجل وانما سمي الغيداق لأنه كان أجود قريش وأمه منعة بنت عمر بن مالك بن نوفل الخزاعي ،والحارث وعاتكة وبرَّى وأروى وأميمة وأمهم سمراء بنت غيدر، وفي رواية صفية بنت جندب بن حجير ابن ذياب بن حبيب بن صعصعة .
وكانوا معروفين بمكارم ألأخلاق، وجمال الوجوه والسخاء والشجاعة ،حتى أنهم كانوا مغبوطين عند زعماء العرب، وقد قال فيهم عامر بن مالك بن ملاعب ا|لأسنة : رجال كأنهم جمان جونٌ بهم تمنع مكة .ومعنى قوله : كأنهم جمان جون أي كأنهم لؤلؤ ابيض، فشبههم بهذا التشبيه لبياض وجوههم وملاحتها .
وحج أكتم ابن صيفي في جماعة من بني تميم فرأى بني عبداالمطلب يخترقون شوارع مكة فقال : يابني تميم إذا أراد الله أن ينشيء دولة عدل، أنبت لها مثل هؤلاء هم غرس الله لاغرس الرجال ،وقد مدحهم حذافة ابن غانم بقوله :
هم ملكوا البطحاء مجداً وسؤدداً
وهم نكلوا عنها غواة بني بكرِ
كهولهم خير الكهول ونسلهم
كنسل ملوك لايبور ولايزري
الحمزة سيد الشهداء :
أبوه عبد المطلب واسمه شيبة الحمد، سيد البطحاء وساقي الحجيج ،وأمه هالة بنت وهيب بن عبد مناف ابن زهرة .
الحمزة كنز الوفاء ،ورمز الفضيلة ،وطود الإباء، وذروة المعالي ،وسنام العزة وذؤابة الشرف ،ويكفيه فخراً الألقاب العظيمة الشأن، التي لقب بها كسيد الشهداء وأسد الله وأسد رسوله .
قال بعض المتبحرين : هو حمزة بن عبد المطلب وماأدراك ماحمزة وماهو ؟ وهل تعلم ماذا عني نبي العظمة من وصفه بأسد الله وأسد رسوله ؟ وهل أنه أراد الشدة والبسالة فحسب؟! .. لا لأنه (ص) أفصح من نطق بالضاد ،وكلامه فوق كلام البلغاء ،فلو كان يريد خصوص الشجاعة لكان حق التعبير يأتي بلفظ الأسد مجرداً عن الإضافة الى الله سبحانه والى رسوله ،كما هو المطرد في التشبيه به نظماً ونثراً ،وحيث أضافه الرسول الى ذات الجلالة والرسالة فلابد أن يكون لغاية هناك أخرى ،وليست هي إلا إفادة أن مافيه من كر وإقدام وبطش وتنمر مخصوص في نصرة كلمة الله العليا ودعوة الرسول (ص)، وهذا أربى من غيره وأرقى، فكان سلام الله عليه من عُمُد الدين ،وأعلام الهداية ،ولذلك وجب عليه الإعتراف بفضله ،وبما حباه المولى سبحانه من النزاهة التي لاينالها أحد من الشهداء وكان ذلك من مكملات الإيمان ومتممات العقائد الحقة .
كفاه بسد الشهداء وصفا
عن الأوصاف والرتب العظام
هو البطل المحامي يوم بدر
وأحد عن هدى خير الأنام
وأن له (رضوان الله عليه) المرتبة السامية عند الله عزو وجل والمنزلة الرفيعة عند رسول الله، وهو أهل أن يفخر به الرسول الأعظم ويباهي به ،وطالما نوه بمدحه عند أصحابه (ص) ،وأمام أهل بيته (ع)، وقد وردت الأحاديث الكثيرة عنه (ص) في إطراء عمه ،وفي مواقف عديدة ،وقد افتخر به الإمام أمير المؤمنين (ع) في مواقف كثيرة وندبه، وكذلك الحسن والحسين وعل بن الحسين (ع) واليك ماجاء في هذا الشأن .
فضائل الحمزة (ع) :
قال الله عز وجل من قائل ( ولا تَحْسَبنَّ الّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ أمواتاً بَلْ أحياءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرْزَقُون )
قال ابن أبي الحديد روى ابن عباس ان النبي قال إنما إخوانكم لما أُصيبوا بأحد جعلت أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة فتأكل من ثمارها ،وتأوي الى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مطعمهم ومشربهم ،ورأوا حسن منقلبهم، قالوا ليت أخواننا يعلمون مما أكرمنا الله ،ومما نحن فيه ،لئلا يزهدوا في الجهاد ،ويكلوا عند الحرب ،فقال الله تعالى لهم انا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وكان المقتولون في أحد سبعين ،سيدهم وأفضلهم وأكرمهم عند الله ،حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وهو معروف بهذا اللقب في السماوات كما قال رسول الله (ص) : أتاني جبرئيل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ..
أسد الله حمزة وكفاه
مفخراً وهو جامع كل فخر
آزر المصطفى ببأس شديدٍ
وثباتٍ مافرّ في يوم كرِِّّ
وكان النبي (ص يفتخر به ويقول : ( خير أعمامي حمزة وخير أخواني علي ابن ابي طالب )
وقال : ( يامعشر الأنصار يامعشر بني هاشم يامعشر بني عبد المطلب أنا محمد رسول الله( ص) إلا أني خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي أنا وعلي وحمزة وجعفر ) .
وقال (ص) في مرض موته لفاطمة : وشهيدنا سيد الشهداء وهو حمزة ابن عبد المطلب عم أبيك . قالت : يارسول الله هو سيد الشهداء الذين قتلوا معه ؟ . قال : لا بل سيد الشهداء الأولين والآخرين ماخلا الأنبياء والأوصياء .. ويحشر حمزة يوم القيامة وهو راكب على ناقة رسول الله العضباء ، كما قال (ص) : أنا على البراق وعمي حمزة على ناقتي العضباء ..
وهو مدفون بأحد وقبره هناك معروف ،وكان الناس يأخذون من تربة قبره ويصلون عليها ،ويسبحون بها، إلى أن قتل سيد شباب أهل الجنة ،فصار سيد الشهداء لقباً للحسين ،وصاروا يأخذون من تربته ويصلون عليها ،ويسبحون بها ..
وكم من بقعة قفر كأحد
غدت بنزيلها مأوى الكرام
فياأحداً تهنيك المعالي
بضمك جسم حمزة ذي اللمقام
ثوى بك سيد حسدتك فيه
كواكبا في سما الدنيا سوامي
ثوى بك حمزة المفضال حاوي
مكارم لم تكن لسوى الإمام
وجاء في كتاب الأرض والتربة الحسينية للعلامة الشيخ محد الحسيين كاشف الغطاء (رحمه الله) قال : وقعت الحرب الهائلة بين المسلمين وقريش في أحد، وأنهار فيها أعظم ركن للإسلام وأقوى حامية من حماته، وهو حمزة ابن عبد المطلب عم رسول الله (ص) ،وأخوه من الرضاعة، فعظمت مصيبته على النبي (ص) ،وعلى عموم المسلمين، ولاسيما وقد مثلت به بنو أمية أعني هندا أم معاوية (لع) تلك المثلة الشنيعة ، فقطعت أعضاءه واستخرجت كبده، فلاكتها ثم لفظتها، وأمر النبي (ص) نساء المسلمين بالنياحة عليه في كل مأنم .. واتسع الأمر في تكريمه الى أن صاروا يأخذون تراب قبره فيتبركون به ويسجدون عليه لله تعالى ،ويعملون المسبحات منه ،وتنص بعض المصادر أن فاطمة بنت رسول الله (ص) جرت على ذلك، أو لعلها أول من ابتدأ بهذا العمل في حياة أبيها رسول الله (ص)، ولعل بعض المسلمين اقتدى بها .. الى أن قال رحمه الله : ويؤيد مافي البحار للمجلسي (قدس الله سره ) ونصه : عن محمد بن براهيم الثقفي عن أبيه عن الصادق جعفر ابن محمد (ع) قال : إن فاطمة بنت رسول الله (ص) كانت سبحتها من خط صوف مفتل، معقود عليه عدد التكبيرات ،وكانت تديرها بيدها ،تكبر وتسبح ،حتى قتل حمزة بن عبد المطلب ،فاستعملت تربته وعملت منها التسابيح، فاستعملها الناس، فلما قتل الحسين صلوات الله عليه عدل الأمر اليه ،فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل والمزية .. أما أول من صلى عليها من المسلمين بل من أئمة المسلمين فالذي استفدته من الآثار، وتلقيته من حملة أخبار أهل البيت (ع) ،ومهرة الحديث من أساتيذي الأساطين، الذين تخرجت عليهم برهة من العمر ،هو أن زين العابدين علي بن الحسين (ع) بعد أن فرغ من دفن أبيه وأهل بيته وأنصاره، أخذ قبضة من التربة التي وضع عليها الجسد الشريف، الذي بضعته السيوف، كلحم على وضم، فشد تلك التربة في صرة ،وعمل منها سجادة ومسبحة ،وهي السبحة التي كان يديرها بيده حين أدخلوه بالشام على يزيد (لع)، فسأله : ماهذه التي تديرها بيدك ؟. فروى له عن جده رسول الله (ص) خبراً محصله : أن من يحمل السبحة صباحاً ويقرأ الدعاء المخصوص ،لايزال يكتب له ثواب التسبيح وإن لم يسبح .. ولما رجع الإمام (ع) هو وأهل بيته الى المدينة صار يتبرك بتلك التربة ويسجد عليها، ويعالج بعض مرضى عائلته بها، فشاع هذا عند العلويين وأتباعهم ..
له تربة فيها الشفاء وقبة
يجاب بها الداع إذا مسه الضر
وذرية ذرية منه تسعة
أئمة حق لاثمان ولاعشر
وكان علي (ع) يفتخر به في موارد عديدة منها يوم الشورى قال : هل فيكم أحد عمه حمزة سيد الشهداء قالوا : اللهم لا .. وفي يوم فتح البصرة لما صرح بفضل سبعة من ولد عبد المطلب قال : لاينكر فضلهم إلا كافر ولايجحده إلا جاحد وهم النبي محمد ووصيه والسبطان والمهدي وسيد الشهداء حمزة والطيار في الجنان جعفر .. وافتخر به في كتاب كتبه الى معاوية (لع) يقول (ع) : حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيد الشهداء وخصه رسول الله بسبعين تكبيرة الى أن قال : ومنا النبي ومنكم المكذب ومنا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف .
وقال الإمام المجتبى في بعض خطبه : وكان ممن استجاب لرسول الله (ص) عمه حمزة وابن عمه جعفر فقتلا شهيدين ،في قتلى كثيرة معهما من أصحاب رسول الله (ص) فجعل حمزة سيد الشهداء .
وكذا افتخارالحسين (ع) وانتدابه له في موارد عديدة قال : أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي . وافتخر به زين العابدين (ع) يوم خطب في جامع دمشق بقوله : ومنا أسد الله وأسد رسوله ..
وجلالة قدره فوق أن تحصى ولقد أكرمه الله تعالى بكرامات عديدة منها المنازل الرفيعة والدرجات العالية ومنها الشفاعة المقبولة في يوم القيامة لمحبي حمزة . ينحي حمزة يوم القيامة جهنم عن محبيه وينجيهم منها ومحبوه كثر . حتى ورد في الخبر أنه ليرى يوم القيامة الى جانب الصراط خلق كثير ،لايعرف عددهم إلا الله هم كانوا محبي حمزة، وكثير منهم أصحاب الذنوب والآثام ،فتحول حيطان من النار بينهم وبين سلوك الصراط والعبور الى الجنة ،فيقولون : ياحمزة قد ترى مانحن فيه . فيقول حمزة لرسول الله ولعلي (ع) : قد تريان أوليائي كيف يستغيثون بي . فيقول النبي لعلي : أعِن عمك على إغاثة أوليائه واستنقاذهم من النار .فيأتي علي بالرمح الذي كان يقاتل به حمزة أعداء الله في الدنيا فيناوله إياه ويقول : ياعم ذود الجحيم عن أوليائك برمحك هذا كما كنت تذود به عن أولياء الله في الدنيا أعداء الله .فيتناول الرمح بيده، ويزج به الحيطان فينحيها مسيرة خمسمائة عام ،ثم يقول لأوليائه والمحبين الذين كانوا في الدنيا : اعبروا فيعبرون على الصراط آمنين سالمين ويردون الجنة غانمين ظافرين ..
وقال أبو عبد الله الصادق (ع) : إذا كا ن يوم القيامة وجمع الله الخلائق كان نوح أول من يدعى به فيقال له : هل بلغت .فيقول : نعم فيقال له : من يشهد لك .فيقول : محمد ابن عبد الله . ثم يخرج نوح (ع) ويتخطى الناس حتى يأتي الى محمد (ص) وهو على كثيب المسك ومعه علي (ع) ،فيقول نوح لمحمد : ان الله سألني هل بلغت فقلت نعم فقال من يشهد لك قلت محمد . فيقول محمد : ياجعفر وياحمزة اذهبا واشهدا أنه قد بلغ .. قال ابو عبد الله : فحمزة وجعفر هما الشاهدان للأنبياء بما بلغوا . فقال الراوي : فأين علي ؟ . قال : إنه أعظم منزلة من ذلك ..
ومانال (رضي الله عنه) هذه المرتبة العظمى ،وماحاز هذه الدرجة العلياء، إلا بطاعته لربه الأعلى ،ونصرة نبيه المصطفى، ولم يزل يجهد في حفظ ابن أخيه والمدافعة عنه في مواطن كثيرة ..
فكم أردى بذابله شجاعاً
وجدّل فارساً بشبا الحسام
ولا يلوي إذا ماكرَّ جيداً
على شيءٍ حذا من حمامِ
هو الأسد الهجوم بكل هيجا
إذا نكص الفوارس في الزحام
إسلام حمزة ونصرته للنبي (ص) :
قال الإمام الصادق (ع) : ان رسول الله (ص) كان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن فإذا قام من الليل يصلي جاء أبو جهل والمشركون يستمعون قراءته فإذا قال بسم الله الرحمن الرحيم وضعوا أصابعهم في آذانهم وهربوا فإذا فرغ من ذلك جاءوا فاستمعوا وكان أبو جعل يقول إن ابن أبي كبشة ليردد اسم ربه إنه ليحبه فقال الصادق (ع) : صدق وإن كان كذوبا .. فانزل الله ( وإِذَا ذَكَرتَ ربَّكَ بالقُرآنِ وحدَه ولّوْا علَى أدبَارهُم نفُورا ) . وهو ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ..
دخل النبي (ص) المسجد وافتتح الصلاة، فقال أبو جهل : من يقوم الى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته .فقام ابن الزبعري وتناول فرثاً ودماً وألقى ذلك عليه ،فجاء أبو طالب وقد سل سيفه فلما رأوه جعلوا ينهضون ونهزمون ،فقال : والله لئن قام أحد طلبته بسيفي .ثم قال : يابن اخي من ألقى ذلك عليك ؟. قال : هذا عبد الله . فأخذ أبو طالب الفرث والدم وألقى عليه .. وأقبل حمزة متوشحاً بقوسه راجعاً من قنص له ،فوجد النبي في دار اخته صفية واخته تبكي، فقال : ماشأنك ؟ فقالت : ذل الحمى ياأبا عمارة ،لو لقيت مالقي ابن أخيك محمد آنفاً من ابي الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالساً فآذاه وسبه وبلغ منه مايكره . فانصرف حمزة مغضباً، ودخل المسجد ولقي أبا الحكم ،يعني ابا جهل ،وضربه وشج راسه شجة منكرة . ثم عاد حمزة الى النبي (ص) وقال : عزّ عليَّ ماصُنع بك .. وفي رواية وجده جالساً حزيناً باكياً كئيباً، فاخذه وضمه الى صدره وقبله وقال : ياابن اخي كيف حالك ؟ .فقال : ياعماه أتسأل عمن أصبح يتيماً ليس له والد ولاوالدة .فسلى خاطره وسكن غضبه وفورته .. وجلس الحسين عند ابن اخيه القاسم وقال : ياابن اخي يعز على عمك ان تدعوه فلايجيبك أو يجيبك فلاينفعك ..
رآه خضيباً بالدماء فدعى أيا
سرورو فؤادي من عليك تجاسرا
عليّ عزيز انني لنداك لم
أجب وعلى دفع الردى لست قادرا
رجوت بأني فيك ابلغ منيتي
وربع المعالي فيك يصبح عامرا
وجاء في كتاب السيرة الحلبية قال حدث ابن اسحاق قال : حدثني به رجل من أسلم أن أبا جهل مر برسول الله (ص) عند الصفا وقيل عند الحجون فآذاه وشتمه ونال منه مايكرهه .وقيل أنه صب التراب على رأسه وقيل ألقى عليه فرثاً ووطيء برجله على عاتقه فلم يكلمه رسول الله .ومولاة لعبد الله ابن جدعان في سكن لها تسمع ذلك وتبصره، ثم انصرف ابو جهل الى نادي قريش ،أي محل تحدثهم في المسجد ،فجلس معهم فلم يلبث حمزة أن أقبل متوشحاً بسيفه، راجعاً من قنصه، أي من صيده ،وكان من عادته إذا رجع من قنصه لايدخل الى أهله إلا بعد أن يطوف بالبيت، فمر على تلك المرأة فأخبرته الخبر قالت له : ياابا عمارة لو رأيت مالقي ابن اخيك محمد آنفاً من أبي الحكم ابن هشام (تعني أبا جهل ) وجده هاهنا جالساً فآذاه وسبه وبلغ منه مايكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد (ص) . وقيل الذي اخبرته مولاة اخته صفية بنت عبد المطلب قالت له : انه صب التراب على رأسه وألقى عليه فرثاً ووطيء على عاتقه فقال لها حمزة : أنتي رأيتي هذا الذي تقولين . قالت : نعم .
وفي رواية فلما رجع حمزة من صيده إذا إمرأتان تمشيان خلفه فقالت إحداهما : لو علم ماذا صنع أبو جهل بابن أخيه أقصر عن مشيته .فالتفت اليهما فقال : ماذاك ؟ قالت : أبو جهل فعل بمحمد كذا وكذا --- ولامانع من تعدد الأخبار من المرأتين والمولاتين - فاحتمل حمزة الغضب ودخل المسجد، فرأى أبا جهل جالساً في القوم فاقبل نحوه حتى قام على رأسه ،ورفع القوس وضربه فشجه شجة منكرة .. وفي رواية وجلد به الأرض ،ثم قال : أتشتمه فأنا على دينه أقول مايقول فرد عليَّ ذلك إن استطعت .. وفي لفظ ان حمزة لما قام على رأس ابو جهل بالقوس صار ابو جهل يتضرع اليه ويقول : سفّه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آبائنا .قال : ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله .
وكان الحمزة أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة، ولما رأت قريش عز رسو ل الله بمن معه، كفوا عن بعض ماكانوا ينالوان منه، واقبلوا على بعض اصحابه بلأذية، وكانت قريش تهاب حمزة وتخاف سطوته ..
هو الأسد الهجوم بكل هيجا
إذا نكس الفوارس في الزحام
فما وحشي إن قايست كفواً
لحمزة في النزاع وفي الصدام
ولكن القضا الجاري إذا ما
تحتم لم يكن عنه بحامي
موقفه في بدر :
جاء في كتاب السيرة الحلبية لما نزل رسول الله (ص) واصحابه في بدر قال : وبنى (ص) حوضاً على القليب الذي نزل به فملأه ماء ،ثم قذفوا فيه الآنية الى أن قال : ثم ان الأسود ابن عبد الله المخزومي وهو أخو أبي سلمة بن عبد الأسد ،وكان رجلاً شرساً سيء الخلق، شديد العداوة لرسول الله (ص)، وجاء انه أول من يعطى كتابه بشماله ،كما ان اخاه أبا سلمة اول من يعطى كتابه بيمينه قال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم او لأهدمنه أو لأموتن دونه. فلما خرج خرج اليه حمزة ابن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه، اي أسرع قطعها فطارت ،وهو دون الحوض ،فوقع على ظهره تشخب رجله دماً، ثم حبا الى الحوض حتى اقتحم فيه، وشرب منه وهدمه برجله الصحيحة ،يريد أن تبر يمينه، فأتبعه حمزة حتى قتله في الحوض ..
في المعركة
قال الراوي : لما برز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن الصفين ودعا للمبارزة ،فخرج اليه فتية من الأنصار ثلاثة أخوة أشقاء ،هم معوذ ومعاذ وعوف بنو عفرا، فقال عتبة : من أنتم ؟ فانتسبوا لنعرفكم .فقالوا : نحن بنو عفرا أنصار الله وأنصار رسول الله (ص) .قال : أكفاء كرام ارجعوا إنا لسنا وإياكم نريد إنما نريد الأكفاء من قريش .فبعث إليهم رسول الله (ص) ارجعوا فرجعوا الى مصافهم وقال لهم خيراً، وكره (ص) أن تكون الشوكة لغير بني عمه في اول قتال ،وعند ذلك نادى مناديهم : يامحمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا .فقال النبي (ص) الى عبيدة ابن الحارث بن عبد المطلب وكان له سبعون سنة : قم ياعبيدة .فقام بين يديه بالسيف، ثم نظر الى حمزة ابن عبد المطلب فقال له : قم ياعم ،ثم نظر إلى علي (ع) فقال له : قم ياعلي .وكان أضغر القوم ،وقال : فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفيء نور الله بأفواهها ويأبى الله إلا أن يتم نوره . ثم قال رسول الله (ص) : عبيدة عليك بعتبة وقال لحمزة : عليك بشيبة وقال لعلي :عليك بالوليد ابن عتبة. فمروا حتى انتهوا الى القوم ،فقال عتبة : أنتم انتسبوا لنعرفكم .لأنهم مقنعين لايعرفون من السلاح ،فقال عبيدة : أنا عبيدة ابن الحارث ابن عبد المطلب. فقال : كفؤ كريم فمن هذان .فقال : حمزة ابن عبد المطلب وعلي ابن أبي طالب .فقال : كفوان كريمان لعن الله من أوقفنا وإياكم هذا الموقف .عني بذلك أبو جهل لأن أبو جهل كان يشجع قريشاً ويحرضهم على القتال وعتبة كان يمنعهم . فقال شيبة لحمزة : من أنت ؟ فقال : أنا حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله .فقال له شيبة : لقد لقيت أسد الحلفاء فانظر كيف تكون صولتك ياأسد الله. فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه، ففلق هامته ،وضرب عبيدة عتبة على ساقه فقطعها وسقطا جميعاً ،وحمل حمزة على شيبة فتضاربا بالسيفين حتى تثلما، ثم اعتنقا وتصارعا ،وأما أمير المؤمنين (ع) لما وصل إلى الوليد ماأمهله فقال :
تباً وتعساً لك ياابن عتبة
اسقيك من كأس المنايا شربة
فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه، فقال أمير المؤمنين (ع) : فأخذ يمينه المقطوعة بيساره فضرب بها هامتي فظننت أن السماء وقعت على رأسي ثم انهزم صائحاً نحو أبيه .فركض أمير المؤمنين (ع) من خلفه حتى قتله ،فنظر المسلمون الى حمزة وشيبة وقد اعتنق كل واحد منهما الآخر، فصاحوا : ياعلي أما ترى الكلب قد انهز عمك أي أنعبه .فحمل عليه علي (ع) ثم قال : ياعم طأطيء رأسك .وكان حمزة أطول من شيبة فأدخل حمزة رأسه في صدره، فضربه أمير المؤمنين (ع) على رأسه فطيرنصفه، ثم جاء الى عتبة وبه رمق فقتله، وحمل عبيدة بين حمزة وعلي حتى أتوا به إلى رسول الله (ص) ،فنظر إليه النبي واستعبر وبكى ،فقال عبيدة : بأبي أنت وأمي يارسول الله ألست شهيداً ؟ قال : بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي ،فأنشأ عبيدة يقول :
فإن قطعوا رجلي فإني مسلم
وأرجو به عيشاً من الله عاليا
فألبسني الرحمن من فضل منه
لباساً من الإسلام غطى المساويا
كان عبيدة أول شهيد من أهل بيت رسول الله (ص) في بدر، وكان علي بن الحسين الأكبر أول شهيد من أهل بيته في كربلا ..
جمع الصفات الغر وهي تراثه
عن كل غطريف وشهم أصيد
في بأس حمزة في شجاعة حيدر
بإبا الحسين وفي مهابة أحمد
وتراه في خلق وطيب خلائق
وبليغ نطق كالنبي محمد
وقتل حمزة سلام الله عليه طعيمة بن عدي أخا المطعم بن عدي .
موقفه في أحد :
لما اختلف اصحاب رسول الله في ملاقاة الأعداء في المدينة أو خارجها ،جاء في السيرة الحلبية أن الأنصار قالوا : يارسول الله ماعلينا، عدوا لنا أتانا في دارنا أي في ناحية من نواحيها فكيف وأنت نبياً ،ووافقهم حمزة بن عبد المطلب وقال للنبي (ص) : والذي أنزل عليك الكتاب لاأطعم طعام حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة ..... الخ
في المعركة :
قال الراوي : وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتالاً شديداً ومر سباع بن عبد العزى فقال له حمزة : معلم اقبل ياابن مقطعة البظور، لأن أمه أم أنمار مولاة شريق والد الأخنس كانت ختانة بمكة وفي البخار ياسباع يابن أم أنمار مقطعة البظور أتحاد الله ورسوله ؟ أي تحاربهما وتعاندهما ،وفيه أنهم لما اصطفوا للقتال خرج سباع، فقال : هل من مبارز ؟ فخرج اليه حمزة فشد عليه فلما التقيا ضربه حمزة فقتله ، وفي رواية فكان كأمس الذاهب، وكان تمام واحد وثلاثين قتلهم حمزة وفيه انه قتل من كفار قريش يوم أحد ثلاثة وعشرين رجلاً ،شعراً ينسب لأمير المؤمنين (ع) ..
الحمد لله رب الخالق الصمد
فليس يشركه في حكمه أحد
هو الذي عرف الكفار منزلهم
والمؤمنون سجزيهم بما وعد
قوم وقوا الرسول واحتسبوا
شم العرانين منهم حمزة الأسد
السبب في قتل حمزة على يد وحشي
جاء في السيرة الحلبية لما أخذت قريش في تجهيز الجيش في خروجهم لواقعة أحد قال : ودعا جبير بن مطعم بن عدي غلاماً له حبشياً يقال له وحشي، وكان يقذف بحربة له قذف الحبشة ،فلما يخطيء بها ،فقال له : اخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عم محمد (ص) بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق .لأن حمزة هو القاتل له في يوم بدر .. وقيل إن وحشي كان غلاماً لطعيمة وان ابنة سيده طعيمة قالت له : ان قتلت محمداً أو حمزة أو علياً في أبي فإني لاأدري في القوم كفؤاً له غيرهم فأنت عتيق .
وفي رواية وكانت هند أم معاوية عليهما اللعنة قد أعطت وحشياً عهداً : لأن قتلت محمداً أو علياً أو حمزة لأعطينك رضاك .وكان وحشي عبداً لجبير بن مطعم حبشياً. فقال وحشي: اما محمداً فلا أقدر عليه وأما علي فرأيته رجلاً حذراً كثير الإلتفات فلم أطمع فيه فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هداً فمر بي فوطا على جرف نهر فسقط .. الخ وجاء أن وحشياً جعل له على قتل حمزة ان يعتق فلم يوف له بذلك فندم على ماصنع .
عداوة هند بنت عتبة
قال الراوي : ولما تجهز الجيش خرج معهم النساء بالدفوف ،وفي كلام سبط ابن الجوزي : وساروا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور والبغايا هذا كلامه .وخرج من نساء قريش خمسة عشرة إمرأة مع أزواجهن، ومنهن هند زوج أبي سفيان، وأم حكيم بنت طارق مع زوجها عكرمة ،وسلافة مع زوجها طلحة ابن أبي طلحة ،وأم مصعب بن عمير، يبكين قتلى بدر وينحن عليهن ،ويحرضن على القتال وعدم الهزيمة والفرار، ولما وصلوا أي كفار قريش ومن معهم للأبواء، أرادوا نبش قبر أمه (ص) والمشير عليهم بذلك هند بنت عتبة زوج أبي سفيان لعنهما الله فقالت : لو بحثتم قبر أم محمد فإن أُسر منكم أحد فديتم كل إنسان بأرب من آرابها أي جزء من أجزائها. فقال بعض قريش : لافتح هذا البا ب وإلا نبش بنو بكر موتانا عند مجيئهم .
وجاء في السيرة الحلبية قوله : فلما التقتا الناس وحميت الحرب قامت هند في النسوة اللاتي معها ،وأخذن الدفوف ضربن بها خلف الرجال ويقلن :
ويهاً بني عبد الدار
ويهاً حماة الأدبار
ضرباً بكل بتار
ويهاً هي كلمة إغراء وتحريض كما تقول : دونك يافلان ،والأدبار تعني الأعقاب، أي الذين يحمون أعقاب الناس ،والبتار السيف القاطع، ويقلن :
نحن بنات طارق
نمشي على النمارق
مشي القطا النوازق
والمسك في المفارق
والدر في المخالق
إن تقبلوا نعانق
أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
قال وكان رسول الله (ص) إذا سمع ذلك أي تحريض هند بما ذكر يقول : اللهم بك أحول أي أمنع وبك أصول وبك أقاتل حسبي الله ونعم الوكيل ..
قال الراوي : ولما انهزم المشركون كانت هند بنت عتبة في وسط العسكر وكلما انهزم رجل من قريش دفعت اليه ميلاً ومكحلة وقالت له : إنما أنت إمرأة فاكتحل بهذا .
مصرع الحمزة (ع) :
جاء في مناقب ابن شهر آشوب وقال وحشي : قال لي ابن مطعم : ان علياً قتل عمي يوم بدر فإن قتلت محمداً أو حمزة أو علياً فأنت حر.. وفي مغازي الواقدي أن هنداً رأت وحشياً الحبشي يعدو قبلها أي أمامها فقالت له : إنما نفذ حكمك علي إذا ثأرت بأبي وأخي وعمي من علي او حمزة أو محمد .فقال : لا أطمع في محمد لشوكته وحذره ولافي علي لبسالته وبصارته ولعلي أصيب من حمزة غرة فارزخه .قالت : ان تقتله فقد أدركت ثأري. وقد كان عُلِّم رمي الحراب بالحبشة، وكان حمزة يحمل حملاته كالليوث، ثم يرجع موقفه ،فكمن له وحشي تحت شجرة .. قال الصادق (ع) : فرزخه وحشي فوق الثدي فسقط وشدوا عليه فقتلوه فأخذ وحشي الكبد فشد بها الى هند فأخذتها فطرحتها في فيها فصارت مثل الداغصة فلفظتها ..
وفي رواية قال وحشي غلام جبير بن مطعم : اني انظر حمزة يهد الناس بسيفه وقد عثر فانكشف الدرع عن بطنه فهززت حربتي حتى رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنيته بالمثلثة وهو موضع تحت السرة وفوق العانة ..
وفي رواية فقال : وحشي اما محمد فلا أقدر عليه وأما علي فرأيته رجلاً كثير الإلتفات فلم أطمع فيه فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هداً فمر بي فوطاً على جرف نهر فسقط فأخذت حربتي فهززتها ورميت فوقعت في خاصرته فخرجت من مثانته فسقط ..
قال وحشي : فامهلته حتى إذا مات جئته فأخذت حربتي، ثم تنحيت الى العسكر ،ولم يكن لي في شيء حاجة غيره ،وفي لفظ آخر : فأتيته فشققت بطنه وأخذت كبده وأتيت بها الى هند وقلت لها : هذه كبد حمزة فأخذتها في فيها فلاكتها فجعلها الله في فيها كالصخرة فلفظتها ..
وجاء في السيرة الحلبية : ثم ان هند زوج أبي سفيان (لع) والنسوة الاتي خرجن معها صرن يمثلن بقتلى المسلمين يجدعن من آذانهم وأنوفهم واتخذن من ذلك قلائد، وبقرت أي شقت هند بطن سيدنا حمزة واخرجت كبده فلاكتها ،فلم تستطع أن تستسيغها أي تبتلعها، فلفظتها من فيها لأنها نذرت ان قدرت على حمزة لتأكلن من كبده، ولما بلغ رسول الله (ص) أنها أخرجت كبد حمزة قال : هل أكلت منه شيئاً ؟ قالوا : لا .قال : ان الله قد حرم على النار ان تذوق من لحم حمزة شيئاً ابداً، أي ولو أكلت منه أي استقر في جوفها لم تمسها النار .وفي رواية : لو دخل بطنها لم تمسها النار. لأن حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيء من جسده النار ..
وفي رواية : ان وحشياً هو الذي بقر بطن حمزة واخرج كبده وجاء بها الى هند وقال لها : ماذا لي إن مثلت قاتل أبيك قالت : سلبي فقال : هذه كبد حمزة ،فاعطته ثيابها وحليها ووعدته اذا وصلت الى مكة تدفع له عشرة دنانير ،وجاء بها الى مصرع حمزة، فجدعت انفه واذنيه وفي لفظ : فقطعت مذاكيره وجذعت انفه وقطعت اذنيه ،ثم جعلت ذلك كالسوار في يديها وقلائد في عنقها ،واستمرت كذلك حتى قدمت مكة .. وفي لفظ آخر : ثم ان هند لعنها الله جاءت الى حمزة فقطعت اصابعه واصطلمت اذنيه ،وجدعت انفه ،وشدتها في عنقها مدة، وقطعت يديه ورجليه ومذاكيره . وأغلب الروايات تؤكد أنها هي من بقرت بطن حمزة ومثلت به تلك المثلة الشنيعة ،وفاءاً بنذرها وإشفاءاً لغليلها ،وأنها أغرت ذاك العبد بالمال والوصال . شعراً :
وشفت صدرها منه بغي
وفيه مثلت بنت اللئام
لقد صنعت صنيعا| قد تبرأ
لخسته العدو لدى الخصام
لقد عظمت مصيبته وجلّت
على الإسلام مع خير الأنام
ومن ذلك اليوم لقبت بآكلة الأكباد ،والى هذا اشارت الحوراء زينب (ع) في خطبتها بمحضر يزيد (لع) : وكيف يرتجي مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء ونبت لحمه بدم الشهداء .
فيا لله من هذه الشجرة الخبيثة ،التي لم يزالوا يجهدون في قطع الشجرة الطيبة ،
ابو سفيان صنع برسول الله (ص) ماصنع، وأورد عليه ماأورد ،وزوجته هند قتلت حمزة وأرادت أن تأكل كبده، فأبى الله أن يدخل شيئاً من حمزة النار ،وابنها معاوية قاتل علياً وفرح بقتله وأمر بتزيين الشام ،وقتل ولده الحسن الزكي (ع) ، ولما بلغه قتل الحسن (ع) سر اللعين في محضر من الناس ، وابنه يزيد قتل الحسين (ع) وسبى نسائه وعياله وحمل رأسه الى الشام ،يقول الكعبي :
ماكفاها أكل الكبود بأحد
عن حسين في كربلا إذ أتاها
وفي زيارة الحسين (ع) : اللهم ان هذا يوم تبركت به بنو أمية وابن آكلة الأكباد ..
ولما لفظت هند كبد الحمزة بعث الله ملكا فحملها وردها الى موضعها، لئلا يفرق بين كبد الحمزة وبدنه ،وفرق بين رأس الحسين(ع) وجسده ،بقي جسده في أرض كربلاء ،وحمل رأسه على الرمح اربعين صباحا طاف به البلدان ..
في مناقب ابن شهر آشوب : ورأى الحليس ابن علقمة ابا سفيان (لع) ،وهو يشد الرمح في شدق حمزة فقال : انظروا الى من يزعم انه سيد قرش مايصنع بعمه الذي صار لحماً .وابو سفيان يقول : ذق ياعقق ..
وفي السيرة الحلبية : ومر الحليس سيد الأحابيش بأبي سفيان (لع) ،وهو يضرب بزج الرمح في شدق حمزة ويقول : ذق عقق، أي ذق طعم مخالفتك لنا وتركك الذي كنت عليه ياعاق قومه ،جعل اسلامه عقوقاً. فقال الحليس : يابني كنانة هذا سيد قرش فعل بابن عمه ماترون. فقال ابو سفيان (لع) : اكتمها عني فإنها زلة .
وقوف رسول الله على حمزة
قال الراوي : فلما سكن القتال يوم أحد قال رسو الله (ص) : من له علم بعمي حمزة فقال له الحارث بن الصمت : إني أعرف موضعه فجاء حتى وقف على حمزة ،فكره أن يرجع الى رسول الله (ص) فيخبره فقال (ص) : لأمير المؤمنين (ع) : ياعلي اطلب عمك . فجاء علي (ع) فوقف على حمزة فكره أن يرجع الى رسول الله (ص) ويفجعه به . فجاء رسول الله (ص) بنفسه ،حتى وقف عليه فرآه وقد شقوا بطنه وأخرجوا كبده ،وجدعوا أنفه وقطعوا يديه ورجليه وأذنيه، اختنق بعبرته وبكى وقال : اللهم لك الحمد وأنت المستعان واليك المشتكى . ثم قال : لن أصاب بمثل حمزة أبداً والله ما وقفت موقفاً قط أغيظ عليّ من هذا المكان – الموقف – .. نعم وقف بعد ذلك موقفاً أغيظ على قلبه من ذلك الموقف، متى ليلة الحادي عشر من المحرم حين وقف على ولده الحسيين (ع) ،وقد قطع الشمر رأسه وقطع الجمال يديه ،ورضت الخيل صدره وظهره ..
أحسين هل وافاك جدك زائراً
فرآك مقطوع الوتين معفر
فألقى (ص) على حمزة بردة كانت عليه فكانت إذا مدها على رأسه بدت رجلاه وإذا مدها على رجليه بدى رأسه فمدها على رأسه وألقى على رجليه الحشيش، فعل ذلك (ص) لئلا تصهره الشمس ولئلا ترى أخته جسده .. ياليته حضر الحسين (ع) بكربلا ومد عليه ردائه لئلا تصهره الشمس ولاتراه زينب عرياناً مكبوباً على وجهه ..
عاري اللباس قطيع الرأس منخمد
الأنفاس في جندل كالجمر مضطرم
ثم قال (ص) : لولا أني أحذر نساء بني عبد المطلب لتركته حتى تأكله السباع والطيور ويحشر يوم القيامة من بطون السباع والطيور .
فعند ذلك صاح إبليس بالمدينة : ألا قتل محمد . فلم يبقى أحد من نساء المهاجرين والأنصار إلا خرج .وخرجت فاطمة وصفية ،ولما انتهتا إلى رسو ل الله (ص) ونظرتا اليه قال (ص) لعلي (ع) : أما عمتي فاحبسها وأما فاطمة فدعها .فلما دنت فاطمة من رسول الله (ص) ورأته قد شج في وجهه وأدمي فوه إدماءا،ً صاحت وجعلت تمسح الدم وتقول : إشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله (ص)، فكان النبي (ص) يتناول مايسيل من الدم فيرميه في الهواء ،فلا يتراجع منه شيء، قال الصادق (ع) : والله لو سقط منه شيء على الأرض لنزل العذاب .
لما كان رحمة للعالمين مارضي أن ينزل العذاب على أمته.. والحسين (ع) أيضاً رحمة الله الواسعة ،وما أراد أن ينزل العذاب على أهل الكوفة ،لما رمي بسهم محدد مسموم في نحر الرضيع، كان يأخذ الدم ويرمي به الى السماء ولم يسقط من ذلك الدم قطرة ..
فالتقى من ما هما من منحر الطفل دماً
ورماه صاعداً يشكو الى رب السما
وينادي ياحكيماً أنت خير الحكما
أفجع القوم بذبح الطفل قلب الوالدين
وأتت فاطمة بالماء وغسلت وجه أبيها وكريمته المباركة، ورأت فاطمة أباها وقد شج جبينه وأدمي فوه وكسرت رباعيته .. لكن سكينة رأت أباها وقد قطع الشمر رأسه .
ثم وقف رسول الله (ص) على شهداء أحد وفيهم حمزة وقال : زملوهم بدمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماً فاللون لون الدوم والريح ريح المسك ،المقتولون في سبيل الله أحياء عند ربهم ليسوا كالأموات تجهيزهم غير تجهيز الأموات ، لايغسلون ولايكفنون ، رسول الله ماغسل شهداء أحد ولاكفنهم .. كذلك الحسين (ع) لايحتاج الى الغسل والكفن، لأن دمه هو غسله وثيابه كفنه ،ولكن ماتركوا عليه ثيابه سلبوه ذلك الثوب العتيق وتركوه عرياناً ..
غسلوه بدم الطعن وما
كفنوه غير بوغاء الثرى
وكان حمزة بن عبد المطلب أول من جيء به الى النبي (ص) فصلى عليه رسول الله (ص)، وكبر أربعاً وقال : رأيت الملائكة تغسل عمي حمزة .ثم جمعوا الشهداء فكان كلما أتى بشهيد وضع على جنب حمزة فصلى عليه وعلى الشهيد، حتى صلى عليه سبعين مرة ،لأن الشهداء سبعون، ثم قال لأهل القتلى : احفروا واوسعوا وأحسنوا وادفنوا الثلاثة والاثنين في القبر .. النبي (ص) صلى على الحمزة سبعين مرة ،أما حصل لللحسين أحد ينادي الصلاه على الغريب ؟ . نعم نادى ابن سعد (لع) : هلموا ودوسوا صدر الحسين ..
ثم أمر النبي(ص) بحمزة أن تمد عليه بردته وهو في القبر ،وكانت قصيرة وكانوا إذا خمروا رأسه، بدت رجلاه وإذا خمروا بها رجلاه انكشف وجهه، فبكى المسلمون وقالوا : يارسول الله عم رسول الله يقتل فلا يوجد له ثوب . فقال : بلى .. فلما دفن القتلى انصرف رسول الله (ص) الى المدينة ،وخرجت نساء أهل المدينة ،لأن إبليس صاح : ألا قد قتل محمد .فخرجن النساء باكيات صارخات ،فأخبرن بأن النبي (ص) حي ولم يصبه شيء، فحلفن أن لايرجعن لخدورهن حتى يرين رسول الله (ص)، وهن واقفات حتى دخل رسول الله (ص)، فلما رأينه ولولن وبكين ،ثم دخلن خدورهن .. والى هذا أشار بشير ابن حذلم في قوله : ياأهل يثرب لامقام لكم بها . يعني لو كنتم صادقين في دعواكم ان لانسكن بيوتنا حتى نرى النبي (ص) فيحق الآن ان لاتسكنوا المدينة لأن الحسين (ع) قد قتل .. فمر النبي (ص) ببعض بيوتات الأنصار، فسمع بكاء النوائح على قتلاهن، فترقرقت عينا رسول الله (ص) وبكى ، ثم قال: لكن حمزة لابواكي له اليوم .فلما سمعه سعد بن معاذ قال : لاتبكين إمرأة حميمها حتى تأتي فاطمة فتسعدها في البكاء على حمزة .. ومن أسعد فاطمة (ع) في البكاء على الحسين (ع) ،أسعدها ألف نبي وألف صديق وألف شهيد وألف ألف من الكروبين ،وهم يسعدونها في البكاء على الحسين (ع) ،ولما لم يكن لحمزة نوائح ناحت عليه نساء المهاجرين ،والحسين كانت له نوائح لكن إن دمعت من إحداهن عين قرع رأسها بالرمح ..
إذا انتحبت وكزت بالرماح
فتبدي دموعاً وتخفي انتحابا
هذا آخر ماوصلنا من السيرة الفاخرة للمجاهد العظيم حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله
آملين من المولى القبول والمغفرة .
* * * *
نسألكم الدعاء
جمع وتأليف : محمد علي الناصري
.
.
المقدمة :
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين ،ولاإله سواه،الذي أكرم بعض خلقه بتقواه،وبشرهم بعظيم ثوابه ورضاه،وقال في محكم كتابه : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ، وصلى الله على محمد خير خلقه ،وسيد رسله، وخاتم الأنبياء، والمرسلين ، والسلام على أهل بيته الأزكياء،الذين أكرمهم بالشهادة،وحببهم الى عباده الأتقياء .
وبعد – فإني أقدم للقراء الكرام باقة فوّاحة ، من حياة فرد من أفراد بيت الرسول الأعظم (ص)، عزيز عليه شأنه،وعظيم عنده مكانه، هو من خير أعمامه،ومن قد نصره الله بإسلامه،أعني بذلك سيد الشهداء،أسد الله وأسد رسوله (حمزة) الهجوم،وأعتذر عن التقصير وأسأل الله قبول ا؟لأعمال إنه على كل شيء قدير ،وبلإجابة جدير ،وصلى الله على محمد وآله أهل آية التطهير .
المؤلف
عبد المطلب وأولاده :
الحمزة ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .. الى آخره ،
كان عبد المطلب قد تزوج بستة أزواج، وأن نسائه كن بنات أشراف قومهن وهن : الأولى منعة بنت مالك بن نوفل الخزاعي ،الثانية سمراء بنت غيدر ،والثالثة لبنى بنت هاجر الخزاعية ،والرابعة سعدى بنت حبيب الكلابية ،والخامسة هالة بنت وهيب ،والسادسة فاطمة بنت عمر المخزومية رزق منهن عشرة أولاد وخمس بنات وهم : أبو طالب واسمه عبد مناف والزبير والمقوّم وعبد الله وأمهم فاطمة بنت عمر بن عائذ بن عمران ابن مخزوم – وتؤكد روايات اخرى أن عبد مناف وعبد الله هما الشقيقين الوحيدين منها - ،وحمزة وصفية وأمهما هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة ،والعباس وضرار وأمهما سعدى بنت خباب بن كلاب بن النحرير بن قاسط ،وأبو لهب واسمه عبد العزى وأمه لبنى بنت هاجر ابن عبد مناف بن ضاطر الخزاعي، والغيداق واسمه حجل وانما سمي الغيداق لأنه كان أجود قريش وأمه منعة بنت عمر بن مالك بن نوفل الخزاعي ،والحارث وعاتكة وبرَّى وأروى وأميمة وأمهم سمراء بنت غيدر، وفي رواية صفية بنت جندب بن حجير ابن ذياب بن حبيب بن صعصعة .
وكانوا معروفين بمكارم ألأخلاق، وجمال الوجوه والسخاء والشجاعة ،حتى أنهم كانوا مغبوطين عند زعماء العرب، وقد قال فيهم عامر بن مالك بن ملاعب ا|لأسنة : رجال كأنهم جمان جونٌ بهم تمنع مكة .ومعنى قوله : كأنهم جمان جون أي كأنهم لؤلؤ ابيض، فشبههم بهذا التشبيه لبياض وجوههم وملاحتها .
وحج أكتم ابن صيفي في جماعة من بني تميم فرأى بني عبداالمطلب يخترقون شوارع مكة فقال : يابني تميم إذا أراد الله أن ينشيء دولة عدل، أنبت لها مثل هؤلاء هم غرس الله لاغرس الرجال ،وقد مدحهم حذافة ابن غانم بقوله :
هم ملكوا البطحاء مجداً وسؤدداً
وهم نكلوا عنها غواة بني بكرِ
كهولهم خير الكهول ونسلهم
كنسل ملوك لايبور ولايزري
الحمزة سيد الشهداء :
أبوه عبد المطلب واسمه شيبة الحمد، سيد البطحاء وساقي الحجيج ،وأمه هالة بنت وهيب بن عبد مناف ابن زهرة .
الحمزة كنز الوفاء ،ورمز الفضيلة ،وطود الإباء، وذروة المعالي ،وسنام العزة وذؤابة الشرف ،ويكفيه فخراً الألقاب العظيمة الشأن، التي لقب بها كسيد الشهداء وأسد الله وأسد رسوله .
قال بعض المتبحرين : هو حمزة بن عبد المطلب وماأدراك ماحمزة وماهو ؟ وهل تعلم ماذا عني نبي العظمة من وصفه بأسد الله وأسد رسوله ؟ وهل أنه أراد الشدة والبسالة فحسب؟! .. لا لأنه (ص) أفصح من نطق بالضاد ،وكلامه فوق كلام البلغاء ،فلو كان يريد خصوص الشجاعة لكان حق التعبير يأتي بلفظ الأسد مجرداً عن الإضافة الى الله سبحانه والى رسوله ،كما هو المطرد في التشبيه به نظماً ونثراً ،وحيث أضافه الرسول الى ذات الجلالة والرسالة فلابد أن يكون لغاية هناك أخرى ،وليست هي إلا إفادة أن مافيه من كر وإقدام وبطش وتنمر مخصوص في نصرة كلمة الله العليا ودعوة الرسول (ص)، وهذا أربى من غيره وأرقى، فكان سلام الله عليه من عُمُد الدين ،وأعلام الهداية ،ولذلك وجب عليه الإعتراف بفضله ،وبما حباه المولى سبحانه من النزاهة التي لاينالها أحد من الشهداء وكان ذلك من مكملات الإيمان ومتممات العقائد الحقة .
كفاه بسد الشهداء وصفا
عن الأوصاف والرتب العظام
هو البطل المحامي يوم بدر
وأحد عن هدى خير الأنام
وأن له (رضوان الله عليه) المرتبة السامية عند الله عزو وجل والمنزلة الرفيعة عند رسول الله، وهو أهل أن يفخر به الرسول الأعظم ويباهي به ،وطالما نوه بمدحه عند أصحابه (ص) ،وأمام أهل بيته (ع)، وقد وردت الأحاديث الكثيرة عنه (ص) في إطراء عمه ،وفي مواقف عديدة ،وقد افتخر به الإمام أمير المؤمنين (ع) في مواقف كثيرة وندبه، وكذلك الحسن والحسين وعل بن الحسين (ع) واليك ماجاء في هذا الشأن .
فضائل الحمزة (ع) :
قال الله عز وجل من قائل ( ولا تَحْسَبنَّ الّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ أمواتاً بَلْ أحياءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرْزَقُون )
قال ابن أبي الحديد روى ابن عباس ان النبي قال إنما إخوانكم لما أُصيبوا بأحد جعلت أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة فتأكل من ثمارها ،وتأوي الى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مطعمهم ومشربهم ،ورأوا حسن منقلبهم، قالوا ليت أخواننا يعلمون مما أكرمنا الله ،ومما نحن فيه ،لئلا يزهدوا في الجهاد ،ويكلوا عند الحرب ،فقال الله تعالى لهم انا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وكان المقتولون في أحد سبعين ،سيدهم وأفضلهم وأكرمهم عند الله ،حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وهو معروف بهذا اللقب في السماوات كما قال رسول الله (ص) : أتاني جبرئيل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ..
أسد الله حمزة وكفاه
مفخراً وهو جامع كل فخر
آزر المصطفى ببأس شديدٍ
وثباتٍ مافرّ في يوم كرِِّّ
وكان النبي (ص يفتخر به ويقول : ( خير أعمامي حمزة وخير أخواني علي ابن ابي طالب )
وقال : ( يامعشر الأنصار يامعشر بني هاشم يامعشر بني عبد المطلب أنا محمد رسول الله( ص) إلا أني خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي أنا وعلي وحمزة وجعفر ) .
وقال (ص) في مرض موته لفاطمة : وشهيدنا سيد الشهداء وهو حمزة ابن عبد المطلب عم أبيك . قالت : يارسول الله هو سيد الشهداء الذين قتلوا معه ؟ . قال : لا بل سيد الشهداء الأولين والآخرين ماخلا الأنبياء والأوصياء .. ويحشر حمزة يوم القيامة وهو راكب على ناقة رسول الله العضباء ، كما قال (ص) : أنا على البراق وعمي حمزة على ناقتي العضباء ..
وهو مدفون بأحد وقبره هناك معروف ،وكان الناس يأخذون من تربة قبره ويصلون عليها ،ويسبحون بها، إلى أن قتل سيد شباب أهل الجنة ،فصار سيد الشهداء لقباً للحسين ،وصاروا يأخذون من تربته ويصلون عليها ،ويسبحون بها ..
وكم من بقعة قفر كأحد
غدت بنزيلها مأوى الكرام
فياأحداً تهنيك المعالي
بضمك جسم حمزة ذي اللمقام
ثوى بك سيد حسدتك فيه
كواكبا في سما الدنيا سوامي
ثوى بك حمزة المفضال حاوي
مكارم لم تكن لسوى الإمام
وجاء في كتاب الأرض والتربة الحسينية للعلامة الشيخ محد الحسيين كاشف الغطاء (رحمه الله) قال : وقعت الحرب الهائلة بين المسلمين وقريش في أحد، وأنهار فيها أعظم ركن للإسلام وأقوى حامية من حماته، وهو حمزة ابن عبد المطلب عم رسول الله (ص) ،وأخوه من الرضاعة، فعظمت مصيبته على النبي (ص) ،وعلى عموم المسلمين، ولاسيما وقد مثلت به بنو أمية أعني هندا أم معاوية (لع) تلك المثلة الشنيعة ، فقطعت أعضاءه واستخرجت كبده، فلاكتها ثم لفظتها، وأمر النبي (ص) نساء المسلمين بالنياحة عليه في كل مأنم .. واتسع الأمر في تكريمه الى أن صاروا يأخذون تراب قبره فيتبركون به ويسجدون عليه لله تعالى ،ويعملون المسبحات منه ،وتنص بعض المصادر أن فاطمة بنت رسول الله (ص) جرت على ذلك، أو لعلها أول من ابتدأ بهذا العمل في حياة أبيها رسول الله (ص)، ولعل بعض المسلمين اقتدى بها .. الى أن قال رحمه الله : ويؤيد مافي البحار للمجلسي (قدس الله سره ) ونصه : عن محمد بن براهيم الثقفي عن أبيه عن الصادق جعفر ابن محمد (ع) قال : إن فاطمة بنت رسول الله (ص) كانت سبحتها من خط صوف مفتل، معقود عليه عدد التكبيرات ،وكانت تديرها بيدها ،تكبر وتسبح ،حتى قتل حمزة بن عبد المطلب ،فاستعملت تربته وعملت منها التسابيح، فاستعملها الناس، فلما قتل الحسين صلوات الله عليه عدل الأمر اليه ،فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل والمزية .. أما أول من صلى عليها من المسلمين بل من أئمة المسلمين فالذي استفدته من الآثار، وتلقيته من حملة أخبار أهل البيت (ع) ،ومهرة الحديث من أساتيذي الأساطين، الذين تخرجت عليهم برهة من العمر ،هو أن زين العابدين علي بن الحسين (ع) بعد أن فرغ من دفن أبيه وأهل بيته وأنصاره، أخذ قبضة من التربة التي وضع عليها الجسد الشريف، الذي بضعته السيوف، كلحم على وضم، فشد تلك التربة في صرة ،وعمل منها سجادة ومسبحة ،وهي السبحة التي كان يديرها بيده حين أدخلوه بالشام على يزيد (لع)، فسأله : ماهذه التي تديرها بيدك ؟. فروى له عن جده رسول الله (ص) خبراً محصله : أن من يحمل السبحة صباحاً ويقرأ الدعاء المخصوص ،لايزال يكتب له ثواب التسبيح وإن لم يسبح .. ولما رجع الإمام (ع) هو وأهل بيته الى المدينة صار يتبرك بتلك التربة ويسجد عليها، ويعالج بعض مرضى عائلته بها، فشاع هذا عند العلويين وأتباعهم ..
له تربة فيها الشفاء وقبة
يجاب بها الداع إذا مسه الضر
وذرية ذرية منه تسعة
أئمة حق لاثمان ولاعشر
وكان علي (ع) يفتخر به في موارد عديدة منها يوم الشورى قال : هل فيكم أحد عمه حمزة سيد الشهداء قالوا : اللهم لا .. وفي يوم فتح البصرة لما صرح بفضل سبعة من ولد عبد المطلب قال : لاينكر فضلهم إلا كافر ولايجحده إلا جاحد وهم النبي محمد ووصيه والسبطان والمهدي وسيد الشهداء حمزة والطيار في الجنان جعفر .. وافتخر به في كتاب كتبه الى معاوية (لع) يقول (ع) : حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيد الشهداء وخصه رسول الله بسبعين تكبيرة الى أن قال : ومنا النبي ومنكم المكذب ومنا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف .
وقال الإمام المجتبى في بعض خطبه : وكان ممن استجاب لرسول الله (ص) عمه حمزة وابن عمه جعفر فقتلا شهيدين ،في قتلى كثيرة معهما من أصحاب رسول الله (ص) فجعل حمزة سيد الشهداء .
وكذا افتخارالحسين (ع) وانتدابه له في موارد عديدة قال : أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي . وافتخر به زين العابدين (ع) يوم خطب في جامع دمشق بقوله : ومنا أسد الله وأسد رسوله ..
وجلالة قدره فوق أن تحصى ولقد أكرمه الله تعالى بكرامات عديدة منها المنازل الرفيعة والدرجات العالية ومنها الشفاعة المقبولة في يوم القيامة لمحبي حمزة . ينحي حمزة يوم القيامة جهنم عن محبيه وينجيهم منها ومحبوه كثر . حتى ورد في الخبر أنه ليرى يوم القيامة الى جانب الصراط خلق كثير ،لايعرف عددهم إلا الله هم كانوا محبي حمزة، وكثير منهم أصحاب الذنوب والآثام ،فتحول حيطان من النار بينهم وبين سلوك الصراط والعبور الى الجنة ،فيقولون : ياحمزة قد ترى مانحن فيه . فيقول حمزة لرسول الله ولعلي (ع) : قد تريان أوليائي كيف يستغيثون بي . فيقول النبي لعلي : أعِن عمك على إغاثة أوليائه واستنقاذهم من النار .فيأتي علي بالرمح الذي كان يقاتل به حمزة أعداء الله في الدنيا فيناوله إياه ويقول : ياعم ذود الجحيم عن أوليائك برمحك هذا كما كنت تذود به عن أولياء الله في الدنيا أعداء الله .فيتناول الرمح بيده، ويزج به الحيطان فينحيها مسيرة خمسمائة عام ،ثم يقول لأوليائه والمحبين الذين كانوا في الدنيا : اعبروا فيعبرون على الصراط آمنين سالمين ويردون الجنة غانمين ظافرين ..
وقال أبو عبد الله الصادق (ع) : إذا كا ن يوم القيامة وجمع الله الخلائق كان نوح أول من يدعى به فيقال له : هل بلغت .فيقول : نعم فيقال له : من يشهد لك .فيقول : محمد ابن عبد الله . ثم يخرج نوح (ع) ويتخطى الناس حتى يأتي الى محمد (ص) وهو على كثيب المسك ومعه علي (ع) ،فيقول نوح لمحمد : ان الله سألني هل بلغت فقلت نعم فقال من يشهد لك قلت محمد . فيقول محمد : ياجعفر وياحمزة اذهبا واشهدا أنه قد بلغ .. قال ابو عبد الله : فحمزة وجعفر هما الشاهدان للأنبياء بما بلغوا . فقال الراوي : فأين علي ؟ . قال : إنه أعظم منزلة من ذلك ..
ومانال (رضي الله عنه) هذه المرتبة العظمى ،وماحاز هذه الدرجة العلياء، إلا بطاعته لربه الأعلى ،ونصرة نبيه المصطفى، ولم يزل يجهد في حفظ ابن أخيه والمدافعة عنه في مواطن كثيرة ..
فكم أردى بذابله شجاعاً
وجدّل فارساً بشبا الحسام
ولا يلوي إذا ماكرَّ جيداً
على شيءٍ حذا من حمامِ
هو الأسد الهجوم بكل هيجا
إذا نكص الفوارس في الزحام
إسلام حمزة ونصرته للنبي (ص) :
قال الإمام الصادق (ع) : ان رسول الله (ص) كان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن فإذا قام من الليل يصلي جاء أبو جهل والمشركون يستمعون قراءته فإذا قال بسم الله الرحمن الرحيم وضعوا أصابعهم في آذانهم وهربوا فإذا فرغ من ذلك جاءوا فاستمعوا وكان أبو جعل يقول إن ابن أبي كبشة ليردد اسم ربه إنه ليحبه فقال الصادق (ع) : صدق وإن كان كذوبا .. فانزل الله ( وإِذَا ذَكَرتَ ربَّكَ بالقُرآنِ وحدَه ولّوْا علَى أدبَارهُم نفُورا ) . وهو ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ..
دخل النبي (ص) المسجد وافتتح الصلاة، فقال أبو جهل : من يقوم الى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته .فقام ابن الزبعري وتناول فرثاً ودماً وألقى ذلك عليه ،فجاء أبو طالب وقد سل سيفه فلما رأوه جعلوا ينهضون ونهزمون ،فقال : والله لئن قام أحد طلبته بسيفي .ثم قال : يابن اخي من ألقى ذلك عليك ؟. قال : هذا عبد الله . فأخذ أبو طالب الفرث والدم وألقى عليه .. وأقبل حمزة متوشحاً بقوسه راجعاً من قنص له ،فوجد النبي في دار اخته صفية واخته تبكي، فقال : ماشأنك ؟ فقالت : ذل الحمى ياأبا عمارة ،لو لقيت مالقي ابن أخيك محمد آنفاً من ابي الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالساً فآذاه وسبه وبلغ منه مايكره . فانصرف حمزة مغضباً، ودخل المسجد ولقي أبا الحكم ،يعني ابا جهل ،وضربه وشج راسه شجة منكرة . ثم عاد حمزة الى النبي (ص) وقال : عزّ عليَّ ماصُنع بك .. وفي رواية وجده جالساً حزيناً باكياً كئيباً، فاخذه وضمه الى صدره وقبله وقال : ياابن اخي كيف حالك ؟ .فقال : ياعماه أتسأل عمن أصبح يتيماً ليس له والد ولاوالدة .فسلى خاطره وسكن غضبه وفورته .. وجلس الحسين عند ابن اخيه القاسم وقال : ياابن اخي يعز على عمك ان تدعوه فلايجيبك أو يجيبك فلاينفعك ..
رآه خضيباً بالدماء فدعى أيا
سرورو فؤادي من عليك تجاسرا
عليّ عزيز انني لنداك لم
أجب وعلى دفع الردى لست قادرا
رجوت بأني فيك ابلغ منيتي
وربع المعالي فيك يصبح عامرا
وجاء في كتاب السيرة الحلبية قال حدث ابن اسحاق قال : حدثني به رجل من أسلم أن أبا جهل مر برسول الله (ص) عند الصفا وقيل عند الحجون فآذاه وشتمه ونال منه مايكرهه .وقيل أنه صب التراب على رأسه وقيل ألقى عليه فرثاً ووطيء برجله على عاتقه فلم يكلمه رسول الله .ومولاة لعبد الله ابن جدعان في سكن لها تسمع ذلك وتبصره، ثم انصرف ابو جهل الى نادي قريش ،أي محل تحدثهم في المسجد ،فجلس معهم فلم يلبث حمزة أن أقبل متوشحاً بسيفه، راجعاً من قنصه، أي من صيده ،وكان من عادته إذا رجع من قنصه لايدخل الى أهله إلا بعد أن يطوف بالبيت، فمر على تلك المرأة فأخبرته الخبر قالت له : ياابا عمارة لو رأيت مالقي ابن اخيك محمد آنفاً من أبي الحكم ابن هشام (تعني أبا جهل ) وجده هاهنا جالساً فآذاه وسبه وبلغ منه مايكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد (ص) . وقيل الذي اخبرته مولاة اخته صفية بنت عبد المطلب قالت له : انه صب التراب على رأسه وألقى عليه فرثاً ووطيء على عاتقه فقال لها حمزة : أنتي رأيتي هذا الذي تقولين . قالت : نعم .
وفي رواية فلما رجع حمزة من صيده إذا إمرأتان تمشيان خلفه فقالت إحداهما : لو علم ماذا صنع أبو جهل بابن أخيه أقصر عن مشيته .فالتفت اليهما فقال : ماذاك ؟ قالت : أبو جهل فعل بمحمد كذا وكذا --- ولامانع من تعدد الأخبار من المرأتين والمولاتين - فاحتمل حمزة الغضب ودخل المسجد، فرأى أبا جهل جالساً في القوم فاقبل نحوه حتى قام على رأسه ،ورفع القوس وضربه فشجه شجة منكرة .. وفي رواية وجلد به الأرض ،ثم قال : أتشتمه فأنا على دينه أقول مايقول فرد عليَّ ذلك إن استطعت .. وفي لفظ ان حمزة لما قام على رأس ابو جهل بالقوس صار ابو جهل يتضرع اليه ويقول : سفّه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آبائنا .قال : ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله .
وكان الحمزة أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة، ولما رأت قريش عز رسو ل الله بمن معه، كفوا عن بعض ماكانوا ينالوان منه، واقبلوا على بعض اصحابه بلأذية، وكانت قريش تهاب حمزة وتخاف سطوته ..
هو الأسد الهجوم بكل هيجا
إذا نكس الفوارس في الزحام
فما وحشي إن قايست كفواً
لحمزة في النزاع وفي الصدام
ولكن القضا الجاري إذا ما
تحتم لم يكن عنه بحامي
موقفه في بدر :
جاء في كتاب السيرة الحلبية لما نزل رسول الله (ص) واصحابه في بدر قال : وبنى (ص) حوضاً على القليب الذي نزل به فملأه ماء ،ثم قذفوا فيه الآنية الى أن قال : ثم ان الأسود ابن عبد الله المخزومي وهو أخو أبي سلمة بن عبد الأسد ،وكان رجلاً شرساً سيء الخلق، شديد العداوة لرسول الله (ص)، وجاء انه أول من يعطى كتابه بشماله ،كما ان اخاه أبا سلمة اول من يعطى كتابه بيمينه قال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم او لأهدمنه أو لأموتن دونه. فلما خرج خرج اليه حمزة ابن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه، اي أسرع قطعها فطارت ،وهو دون الحوض ،فوقع على ظهره تشخب رجله دماً، ثم حبا الى الحوض حتى اقتحم فيه، وشرب منه وهدمه برجله الصحيحة ،يريد أن تبر يمينه، فأتبعه حمزة حتى قتله في الحوض ..
في المعركة
قال الراوي : لما برز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن الصفين ودعا للمبارزة ،فخرج اليه فتية من الأنصار ثلاثة أخوة أشقاء ،هم معوذ ومعاذ وعوف بنو عفرا، فقال عتبة : من أنتم ؟ فانتسبوا لنعرفكم .فقالوا : نحن بنو عفرا أنصار الله وأنصار رسول الله (ص) .قال : أكفاء كرام ارجعوا إنا لسنا وإياكم نريد إنما نريد الأكفاء من قريش .فبعث إليهم رسول الله (ص) ارجعوا فرجعوا الى مصافهم وقال لهم خيراً، وكره (ص) أن تكون الشوكة لغير بني عمه في اول قتال ،وعند ذلك نادى مناديهم : يامحمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا .فقال النبي (ص) الى عبيدة ابن الحارث بن عبد المطلب وكان له سبعون سنة : قم ياعبيدة .فقام بين يديه بالسيف، ثم نظر الى حمزة ابن عبد المطلب فقال له : قم ياعم ،ثم نظر إلى علي (ع) فقال له : قم ياعلي .وكان أضغر القوم ،وقال : فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفيء نور الله بأفواهها ويأبى الله إلا أن يتم نوره . ثم قال رسول الله (ص) : عبيدة عليك بعتبة وقال لحمزة : عليك بشيبة وقال لعلي :عليك بالوليد ابن عتبة. فمروا حتى انتهوا الى القوم ،فقال عتبة : أنتم انتسبوا لنعرفكم .لأنهم مقنعين لايعرفون من السلاح ،فقال عبيدة : أنا عبيدة ابن الحارث ابن عبد المطلب. فقال : كفؤ كريم فمن هذان .فقال : حمزة ابن عبد المطلب وعلي ابن أبي طالب .فقال : كفوان كريمان لعن الله من أوقفنا وإياكم هذا الموقف .عني بذلك أبو جهل لأن أبو جهل كان يشجع قريشاً ويحرضهم على القتال وعتبة كان يمنعهم . فقال شيبة لحمزة : من أنت ؟ فقال : أنا حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله .فقال له شيبة : لقد لقيت أسد الحلفاء فانظر كيف تكون صولتك ياأسد الله. فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه، ففلق هامته ،وضرب عبيدة عتبة على ساقه فقطعها وسقطا جميعاً ،وحمل حمزة على شيبة فتضاربا بالسيفين حتى تثلما، ثم اعتنقا وتصارعا ،وأما أمير المؤمنين (ع) لما وصل إلى الوليد ماأمهله فقال :
تباً وتعساً لك ياابن عتبة
اسقيك من كأس المنايا شربة
فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه، فقال أمير المؤمنين (ع) : فأخذ يمينه المقطوعة بيساره فضرب بها هامتي فظننت أن السماء وقعت على رأسي ثم انهزم صائحاً نحو أبيه .فركض أمير المؤمنين (ع) من خلفه حتى قتله ،فنظر المسلمون الى حمزة وشيبة وقد اعتنق كل واحد منهما الآخر، فصاحوا : ياعلي أما ترى الكلب قد انهز عمك أي أنعبه .فحمل عليه علي (ع) ثم قال : ياعم طأطيء رأسك .وكان حمزة أطول من شيبة فأدخل حمزة رأسه في صدره، فضربه أمير المؤمنين (ع) على رأسه فطيرنصفه، ثم جاء الى عتبة وبه رمق فقتله، وحمل عبيدة بين حمزة وعلي حتى أتوا به إلى رسول الله (ص) ،فنظر إليه النبي واستعبر وبكى ،فقال عبيدة : بأبي أنت وأمي يارسول الله ألست شهيداً ؟ قال : بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي ،فأنشأ عبيدة يقول :
فإن قطعوا رجلي فإني مسلم
وأرجو به عيشاً من الله عاليا
فألبسني الرحمن من فضل منه
لباساً من الإسلام غطى المساويا
كان عبيدة أول شهيد من أهل بيت رسول الله (ص) في بدر، وكان علي بن الحسين الأكبر أول شهيد من أهل بيته في كربلا ..
جمع الصفات الغر وهي تراثه
عن كل غطريف وشهم أصيد
في بأس حمزة في شجاعة حيدر
بإبا الحسين وفي مهابة أحمد
وتراه في خلق وطيب خلائق
وبليغ نطق كالنبي محمد
وقتل حمزة سلام الله عليه طعيمة بن عدي أخا المطعم بن عدي .
موقفه في أحد :
لما اختلف اصحاب رسول الله في ملاقاة الأعداء في المدينة أو خارجها ،جاء في السيرة الحلبية أن الأنصار قالوا : يارسول الله ماعلينا، عدوا لنا أتانا في دارنا أي في ناحية من نواحيها فكيف وأنت نبياً ،ووافقهم حمزة بن عبد المطلب وقال للنبي (ص) : والذي أنزل عليك الكتاب لاأطعم طعام حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة ..... الخ
في المعركة :
قال الراوي : وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتالاً شديداً ومر سباع بن عبد العزى فقال له حمزة : معلم اقبل ياابن مقطعة البظور، لأن أمه أم أنمار مولاة شريق والد الأخنس كانت ختانة بمكة وفي البخار ياسباع يابن أم أنمار مقطعة البظور أتحاد الله ورسوله ؟ أي تحاربهما وتعاندهما ،وفيه أنهم لما اصطفوا للقتال خرج سباع، فقال : هل من مبارز ؟ فخرج اليه حمزة فشد عليه فلما التقيا ضربه حمزة فقتله ، وفي رواية فكان كأمس الذاهب، وكان تمام واحد وثلاثين قتلهم حمزة وفيه انه قتل من كفار قريش يوم أحد ثلاثة وعشرين رجلاً ،شعراً ينسب لأمير المؤمنين (ع) ..
الحمد لله رب الخالق الصمد
فليس يشركه في حكمه أحد
هو الذي عرف الكفار منزلهم
والمؤمنون سجزيهم بما وعد
قوم وقوا الرسول واحتسبوا
شم العرانين منهم حمزة الأسد
السبب في قتل حمزة على يد وحشي
جاء في السيرة الحلبية لما أخذت قريش في تجهيز الجيش في خروجهم لواقعة أحد قال : ودعا جبير بن مطعم بن عدي غلاماً له حبشياً يقال له وحشي، وكان يقذف بحربة له قذف الحبشة ،فلما يخطيء بها ،فقال له : اخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عم محمد (ص) بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق .لأن حمزة هو القاتل له في يوم بدر .. وقيل إن وحشي كان غلاماً لطعيمة وان ابنة سيده طعيمة قالت له : ان قتلت محمداً أو حمزة أو علياً في أبي فإني لاأدري في القوم كفؤاً له غيرهم فأنت عتيق .
وفي رواية وكانت هند أم معاوية عليهما اللعنة قد أعطت وحشياً عهداً : لأن قتلت محمداً أو علياً أو حمزة لأعطينك رضاك .وكان وحشي عبداً لجبير بن مطعم حبشياً. فقال وحشي: اما محمداً فلا أقدر عليه وأما علي فرأيته رجلاً حذراً كثير الإلتفات فلم أطمع فيه فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هداً فمر بي فوطا على جرف نهر فسقط .. الخ وجاء أن وحشياً جعل له على قتل حمزة ان يعتق فلم يوف له بذلك فندم على ماصنع .
عداوة هند بنت عتبة
قال الراوي : ولما تجهز الجيش خرج معهم النساء بالدفوف ،وفي كلام سبط ابن الجوزي : وساروا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور والبغايا هذا كلامه .وخرج من نساء قريش خمسة عشرة إمرأة مع أزواجهن، ومنهن هند زوج أبي سفيان، وأم حكيم بنت طارق مع زوجها عكرمة ،وسلافة مع زوجها طلحة ابن أبي طلحة ،وأم مصعب بن عمير، يبكين قتلى بدر وينحن عليهن ،ويحرضن على القتال وعدم الهزيمة والفرار، ولما وصلوا أي كفار قريش ومن معهم للأبواء، أرادوا نبش قبر أمه (ص) والمشير عليهم بذلك هند بنت عتبة زوج أبي سفيان لعنهما الله فقالت : لو بحثتم قبر أم محمد فإن أُسر منكم أحد فديتم كل إنسان بأرب من آرابها أي جزء من أجزائها. فقال بعض قريش : لافتح هذا البا ب وإلا نبش بنو بكر موتانا عند مجيئهم .
وجاء في السيرة الحلبية قوله : فلما التقتا الناس وحميت الحرب قامت هند في النسوة اللاتي معها ،وأخذن الدفوف ضربن بها خلف الرجال ويقلن :
ويهاً بني عبد الدار
ويهاً حماة الأدبار
ضرباً بكل بتار
ويهاً هي كلمة إغراء وتحريض كما تقول : دونك يافلان ،والأدبار تعني الأعقاب، أي الذين يحمون أعقاب الناس ،والبتار السيف القاطع، ويقلن :
نحن بنات طارق
نمشي على النمارق
مشي القطا النوازق
والمسك في المفارق
والدر في المخالق
إن تقبلوا نعانق
أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
قال وكان رسول الله (ص) إذا سمع ذلك أي تحريض هند بما ذكر يقول : اللهم بك أحول أي أمنع وبك أصول وبك أقاتل حسبي الله ونعم الوكيل ..
قال الراوي : ولما انهزم المشركون كانت هند بنت عتبة في وسط العسكر وكلما انهزم رجل من قريش دفعت اليه ميلاً ومكحلة وقالت له : إنما أنت إمرأة فاكتحل بهذا .
مصرع الحمزة (ع) :
جاء في مناقب ابن شهر آشوب وقال وحشي : قال لي ابن مطعم : ان علياً قتل عمي يوم بدر فإن قتلت محمداً أو حمزة أو علياً فأنت حر.. وفي مغازي الواقدي أن هنداً رأت وحشياً الحبشي يعدو قبلها أي أمامها فقالت له : إنما نفذ حكمك علي إذا ثأرت بأبي وأخي وعمي من علي او حمزة أو محمد .فقال : لا أطمع في محمد لشوكته وحذره ولافي علي لبسالته وبصارته ولعلي أصيب من حمزة غرة فارزخه .قالت : ان تقتله فقد أدركت ثأري. وقد كان عُلِّم رمي الحراب بالحبشة، وكان حمزة يحمل حملاته كالليوث، ثم يرجع موقفه ،فكمن له وحشي تحت شجرة .. قال الصادق (ع) : فرزخه وحشي فوق الثدي فسقط وشدوا عليه فقتلوه فأخذ وحشي الكبد فشد بها الى هند فأخذتها فطرحتها في فيها فصارت مثل الداغصة فلفظتها ..
وفي رواية قال وحشي غلام جبير بن مطعم : اني انظر حمزة يهد الناس بسيفه وقد عثر فانكشف الدرع عن بطنه فهززت حربتي حتى رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنيته بالمثلثة وهو موضع تحت السرة وفوق العانة ..
وفي رواية فقال : وحشي اما محمد فلا أقدر عليه وأما علي فرأيته رجلاً كثير الإلتفات فلم أطمع فيه فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هداً فمر بي فوطاً على جرف نهر فسقط فأخذت حربتي فهززتها ورميت فوقعت في خاصرته فخرجت من مثانته فسقط ..
قال وحشي : فامهلته حتى إذا مات جئته فأخذت حربتي، ثم تنحيت الى العسكر ،ولم يكن لي في شيء حاجة غيره ،وفي لفظ آخر : فأتيته فشققت بطنه وأخذت كبده وأتيت بها الى هند وقلت لها : هذه كبد حمزة فأخذتها في فيها فلاكتها فجعلها الله في فيها كالصخرة فلفظتها ..
وجاء في السيرة الحلبية : ثم ان هند زوج أبي سفيان (لع) والنسوة الاتي خرجن معها صرن يمثلن بقتلى المسلمين يجدعن من آذانهم وأنوفهم واتخذن من ذلك قلائد، وبقرت أي شقت هند بطن سيدنا حمزة واخرجت كبده فلاكتها ،فلم تستطع أن تستسيغها أي تبتلعها، فلفظتها من فيها لأنها نذرت ان قدرت على حمزة لتأكلن من كبده، ولما بلغ رسول الله (ص) أنها أخرجت كبد حمزة قال : هل أكلت منه شيئاً ؟ قالوا : لا .قال : ان الله قد حرم على النار ان تذوق من لحم حمزة شيئاً ابداً، أي ولو أكلت منه أي استقر في جوفها لم تمسها النار .وفي رواية : لو دخل بطنها لم تمسها النار. لأن حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيء من جسده النار ..
وفي رواية : ان وحشياً هو الذي بقر بطن حمزة واخرج كبده وجاء بها الى هند وقال لها : ماذا لي إن مثلت قاتل أبيك قالت : سلبي فقال : هذه كبد حمزة ،فاعطته ثيابها وحليها ووعدته اذا وصلت الى مكة تدفع له عشرة دنانير ،وجاء بها الى مصرع حمزة، فجدعت انفه واذنيه وفي لفظ : فقطعت مذاكيره وجذعت انفه وقطعت اذنيه ،ثم جعلت ذلك كالسوار في يديها وقلائد في عنقها ،واستمرت كذلك حتى قدمت مكة .. وفي لفظ آخر : ثم ان هند لعنها الله جاءت الى حمزة فقطعت اصابعه واصطلمت اذنيه ،وجدعت انفه ،وشدتها في عنقها مدة، وقطعت يديه ورجليه ومذاكيره . وأغلب الروايات تؤكد أنها هي من بقرت بطن حمزة ومثلت به تلك المثلة الشنيعة ،وفاءاً بنذرها وإشفاءاً لغليلها ،وأنها أغرت ذاك العبد بالمال والوصال . شعراً :
وشفت صدرها منه بغي
وفيه مثلت بنت اللئام
لقد صنعت صنيعا| قد تبرأ
لخسته العدو لدى الخصام
لقد عظمت مصيبته وجلّت
على الإسلام مع خير الأنام
ومن ذلك اليوم لقبت بآكلة الأكباد ،والى هذا اشارت الحوراء زينب (ع) في خطبتها بمحضر يزيد (لع) : وكيف يرتجي مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء ونبت لحمه بدم الشهداء .
فيا لله من هذه الشجرة الخبيثة ،التي لم يزالوا يجهدون في قطع الشجرة الطيبة ،
ابو سفيان صنع برسول الله (ص) ماصنع، وأورد عليه ماأورد ،وزوجته هند قتلت حمزة وأرادت أن تأكل كبده، فأبى الله أن يدخل شيئاً من حمزة النار ،وابنها معاوية قاتل علياً وفرح بقتله وأمر بتزيين الشام ،وقتل ولده الحسن الزكي (ع) ، ولما بلغه قتل الحسن (ع) سر اللعين في محضر من الناس ، وابنه يزيد قتل الحسين (ع) وسبى نسائه وعياله وحمل رأسه الى الشام ،يقول الكعبي :
ماكفاها أكل الكبود بأحد
عن حسين في كربلا إذ أتاها
وفي زيارة الحسين (ع) : اللهم ان هذا يوم تبركت به بنو أمية وابن آكلة الأكباد ..
ولما لفظت هند كبد الحمزة بعث الله ملكا فحملها وردها الى موضعها، لئلا يفرق بين كبد الحمزة وبدنه ،وفرق بين رأس الحسين(ع) وجسده ،بقي جسده في أرض كربلاء ،وحمل رأسه على الرمح اربعين صباحا طاف به البلدان ..
في مناقب ابن شهر آشوب : ورأى الحليس ابن علقمة ابا سفيان (لع) ،وهو يشد الرمح في شدق حمزة فقال : انظروا الى من يزعم انه سيد قرش مايصنع بعمه الذي صار لحماً .وابو سفيان يقول : ذق ياعقق ..
وفي السيرة الحلبية : ومر الحليس سيد الأحابيش بأبي سفيان (لع) ،وهو يضرب بزج الرمح في شدق حمزة ويقول : ذق عقق، أي ذق طعم مخالفتك لنا وتركك الذي كنت عليه ياعاق قومه ،جعل اسلامه عقوقاً. فقال الحليس : يابني كنانة هذا سيد قرش فعل بابن عمه ماترون. فقال ابو سفيان (لع) : اكتمها عني فإنها زلة .
وقوف رسول الله على حمزة
قال الراوي : فلما سكن القتال يوم أحد قال رسو الله (ص) : من له علم بعمي حمزة فقال له الحارث بن الصمت : إني أعرف موضعه فجاء حتى وقف على حمزة ،فكره أن يرجع الى رسول الله (ص) فيخبره فقال (ص) : لأمير المؤمنين (ع) : ياعلي اطلب عمك . فجاء علي (ع) فوقف على حمزة فكره أن يرجع الى رسول الله (ص) ويفجعه به . فجاء رسول الله (ص) بنفسه ،حتى وقف عليه فرآه وقد شقوا بطنه وأخرجوا كبده ،وجدعوا أنفه وقطعوا يديه ورجليه وأذنيه، اختنق بعبرته وبكى وقال : اللهم لك الحمد وأنت المستعان واليك المشتكى . ثم قال : لن أصاب بمثل حمزة أبداً والله ما وقفت موقفاً قط أغيظ عليّ من هذا المكان – الموقف – .. نعم وقف بعد ذلك موقفاً أغيظ على قلبه من ذلك الموقف، متى ليلة الحادي عشر من المحرم حين وقف على ولده الحسيين (ع) ،وقد قطع الشمر رأسه وقطع الجمال يديه ،ورضت الخيل صدره وظهره ..
أحسين هل وافاك جدك زائراً
فرآك مقطوع الوتين معفر
فألقى (ص) على حمزة بردة كانت عليه فكانت إذا مدها على رأسه بدت رجلاه وإذا مدها على رجليه بدى رأسه فمدها على رأسه وألقى على رجليه الحشيش، فعل ذلك (ص) لئلا تصهره الشمس ولئلا ترى أخته جسده .. ياليته حضر الحسين (ع) بكربلا ومد عليه ردائه لئلا تصهره الشمس ولاتراه زينب عرياناً مكبوباً على وجهه ..
عاري اللباس قطيع الرأس منخمد
الأنفاس في جندل كالجمر مضطرم
ثم قال (ص) : لولا أني أحذر نساء بني عبد المطلب لتركته حتى تأكله السباع والطيور ويحشر يوم القيامة من بطون السباع والطيور .
فعند ذلك صاح إبليس بالمدينة : ألا قتل محمد . فلم يبقى أحد من نساء المهاجرين والأنصار إلا خرج .وخرجت فاطمة وصفية ،ولما انتهتا إلى رسو ل الله (ص) ونظرتا اليه قال (ص) لعلي (ع) : أما عمتي فاحبسها وأما فاطمة فدعها .فلما دنت فاطمة من رسول الله (ص) ورأته قد شج في وجهه وأدمي فوه إدماءا،ً صاحت وجعلت تمسح الدم وتقول : إشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله (ص)، فكان النبي (ص) يتناول مايسيل من الدم فيرميه في الهواء ،فلا يتراجع منه شيء، قال الصادق (ع) : والله لو سقط منه شيء على الأرض لنزل العذاب .
لما كان رحمة للعالمين مارضي أن ينزل العذاب على أمته.. والحسين (ع) أيضاً رحمة الله الواسعة ،وما أراد أن ينزل العذاب على أهل الكوفة ،لما رمي بسهم محدد مسموم في نحر الرضيع، كان يأخذ الدم ويرمي به الى السماء ولم يسقط من ذلك الدم قطرة ..
فالتقى من ما هما من منحر الطفل دماً
ورماه صاعداً يشكو الى رب السما
وينادي ياحكيماً أنت خير الحكما
أفجع القوم بذبح الطفل قلب الوالدين
وأتت فاطمة بالماء وغسلت وجه أبيها وكريمته المباركة، ورأت فاطمة أباها وقد شج جبينه وأدمي فوه وكسرت رباعيته .. لكن سكينة رأت أباها وقد قطع الشمر رأسه .
ثم وقف رسول الله (ص) على شهداء أحد وفيهم حمزة وقال : زملوهم بدمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماً فاللون لون الدوم والريح ريح المسك ،المقتولون في سبيل الله أحياء عند ربهم ليسوا كالأموات تجهيزهم غير تجهيز الأموات ، لايغسلون ولايكفنون ، رسول الله ماغسل شهداء أحد ولاكفنهم .. كذلك الحسين (ع) لايحتاج الى الغسل والكفن، لأن دمه هو غسله وثيابه كفنه ،ولكن ماتركوا عليه ثيابه سلبوه ذلك الثوب العتيق وتركوه عرياناً ..
غسلوه بدم الطعن وما
كفنوه غير بوغاء الثرى
وكان حمزة بن عبد المطلب أول من جيء به الى النبي (ص) فصلى عليه رسول الله (ص)، وكبر أربعاً وقال : رأيت الملائكة تغسل عمي حمزة .ثم جمعوا الشهداء فكان كلما أتى بشهيد وضع على جنب حمزة فصلى عليه وعلى الشهيد، حتى صلى عليه سبعين مرة ،لأن الشهداء سبعون، ثم قال لأهل القتلى : احفروا واوسعوا وأحسنوا وادفنوا الثلاثة والاثنين في القبر .. النبي (ص) صلى على الحمزة سبعين مرة ،أما حصل لللحسين أحد ينادي الصلاه على الغريب ؟ . نعم نادى ابن سعد (لع) : هلموا ودوسوا صدر الحسين ..
ثم أمر النبي(ص) بحمزة أن تمد عليه بردته وهو في القبر ،وكانت قصيرة وكانوا إذا خمروا رأسه، بدت رجلاه وإذا خمروا بها رجلاه انكشف وجهه، فبكى المسلمون وقالوا : يارسول الله عم رسول الله يقتل فلا يوجد له ثوب . فقال : بلى .. فلما دفن القتلى انصرف رسول الله (ص) الى المدينة ،وخرجت نساء أهل المدينة ،لأن إبليس صاح : ألا قد قتل محمد .فخرجن النساء باكيات صارخات ،فأخبرن بأن النبي (ص) حي ولم يصبه شيء، فحلفن أن لايرجعن لخدورهن حتى يرين رسول الله (ص)، وهن واقفات حتى دخل رسول الله (ص)، فلما رأينه ولولن وبكين ،ثم دخلن خدورهن .. والى هذا أشار بشير ابن حذلم في قوله : ياأهل يثرب لامقام لكم بها . يعني لو كنتم صادقين في دعواكم ان لانسكن بيوتنا حتى نرى النبي (ص) فيحق الآن ان لاتسكنوا المدينة لأن الحسين (ع) قد قتل .. فمر النبي (ص) ببعض بيوتات الأنصار، فسمع بكاء النوائح على قتلاهن، فترقرقت عينا رسول الله (ص) وبكى ، ثم قال: لكن حمزة لابواكي له اليوم .فلما سمعه سعد بن معاذ قال : لاتبكين إمرأة حميمها حتى تأتي فاطمة فتسعدها في البكاء على حمزة .. ومن أسعد فاطمة (ع) في البكاء على الحسين (ع) ،أسعدها ألف نبي وألف صديق وألف شهيد وألف ألف من الكروبين ،وهم يسعدونها في البكاء على الحسين (ع) ،ولما لم يكن لحمزة نوائح ناحت عليه نساء المهاجرين ،والحسين كانت له نوائح لكن إن دمعت من إحداهن عين قرع رأسها بالرمح ..
إذا انتحبت وكزت بالرماح
فتبدي دموعاً وتخفي انتحابا
هذا آخر ماوصلنا من السيرة الفاخرة للمجاهد العظيم حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله
آملين من المولى القبول والمغفرة .
* * * *
نسألكم الدعاء

تعليق