مجلس وفاة السيد عبد العظيم الحسني - 15 شوال
.
.
مـدارس آيـات خلت من تلاوةٍ ومـنزلُ وحـيٍ مقفرُ العرصات
لآل رسـول الله بالخيفِ من منى وبـالبيت والـتعريبف والجمرات
ديـارُ عـليٍّ والـحسينِ وجعفرٍ وحـمزةَ والـسجاد ذي الـثفنات
مـنازل كـانت لـلرشاد وللتقى ولـلصوم والـتطهير والصلوات
ديـارٌ عـفاها جـور كـل منابذٍ ولـم تـعفُ لـلأيام والـسنوات
أفـاطم لـو خلت الحسين مجدَّلا وقـد مـات عطشاناً بشطِ فرات
إذن لـلطمت الـخدَّ فـاطم عنده وأجـريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي نـجوم سـماواتٍ بـأرض فـلاة
قـبور بـكوفانٍ وأخـرى بطيبة وأخـرى بـفخٍ نـالها صـلواتي
قبورٌ بجنب النهر من أرض كربلا مُـعـرَّسُهم فـيها بـشط فـرات
تـوفوا عـطاشى بالعراء فليتني تـوفيت فـيهم قـبل حين وفاتي
إلـى الله أشكو لوعةً عند ذكرهم سـقتني بـكأس الذُلِّ والفضعات
سـأبكيهمُ مـا حـج لـله راكبٌ ومـا نـاح قُمريٌ على الشجرات
سأبكيهم ما ذرَّ في الأفق شارقٌ ونادى منادي الخير للصلوات
ديارُ رسول الله أصبحن بلقعا وآل زيـادٍ تـسكن الحجرات
وآل زيادٍ في القصور مصونةٌ وآل رسـول الله في الفلوات
**
بخامس عشر شوال تتجدد الحسرة
في قلب ست النسا فاطم الزهرا
وياما انكوى بحسرات وجراحات كَثْرَة
واصعبها جرح الظامي المقطوع نحره
* *
غصّة مصابه ماتداويها العبرة
ولافيه مثل مصيبته وضيمه وصبره
نسَّاها كل اللي جرى ليها ويجرى
وياوالدة تطفِّي لجمرتها بجمرة
* *
ياوالدة تمسح مرار مصاب بمصاب
لحسين نسَّاها مصايب كلِّ لحباب
نسَّاها لولاد القضوا شتَّى واغراب
بالسيف والسم وفيه من بالسجن غاب
* *
وفيه من غيَّبوهم وهم أحيا بلتراب
وفيه من مضوا تشريد مجهولين لنساب
مثل القضى عمره في عتمة السرداب
عبد العظيم نسل الحسن بن داحي الباب
* *
هذا اللي شرَّف بلدة الري في خُرَاسان
وفيها لجل شانه ارتفع قبة وبنيان
وتِعْنى له لمحبين من أقصى البلدان
وزيارته تساوي إلى زيارة العطشان
* *
هذا اللي بتقواه وعلمه صار له شان
وحمله العِلِم واسرار آل النبي العدنان
جاهد لنشره ومارَهَب دولة العدوان
حتى قضى بغربة عن أهله ولوطان
* *
قضَّى العمر كله في تغريب وهضيمة
من بلدة لابلدة ومدينة لامدينة
وعنه عدو الله فلا غمَّضت عينه
ودس له الدسايس في الخفا نسل اللعينة
* *
إبن النبي والوصي والزهرا الأمينة
بسرداب مظلم عاش حتى حان حينه
ينشر عِلِم جده وعن الأعدا يصونه
صائم نهاره قائمٍ ليله بسكينة
* *
جور العدو زيَّد الى اوجاعه وغمّه
ومن الشدايد والكدر اعتلِّ جسمه
وامتد على فراش المرض ايقاسي همّه
ولحباب عنه مادروا ولاحضروا يمّه
* *
ومن قَرَب يومه المصطفى خبَّر بعلْمه
حكمة وارادة من الباري جلِّ اسمه
تصوّر نبي الله للموالي في حلمه
وقلَّه ابني يتوفى وبالبستان ادفنه
* *
مأجور في الأولاد ياسيْد النبيين
هذا قضى بغربة وهله عنه بعيدين
لكن لتشييعه حضر كلِّ المحبين
غير اللي ماحصَّل إله غسلٍ وتكفين
* *
ياقلب يتحمَّل يعد ماجرى لحسين
ولا النوح يشفي ولو نشفت دمعة العين
ونَّة ألم منه ومن انصاره الطيبين
تكفي نقيم الها العزا أيام وسنين
****
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله الذي ملَكَ فقَدَر،واُطيع فشكر،وعُصيَ فغفر،والصلاة والسلام على سيد البشر محمد وآله الميامين الغرر ،واللعن الدائم من ظلمهم وبحقهم استهان وكفر،ونسأله بجاههم ان يقينا من كل همٍ وخطر،ويكفينا مانخاف ونحذر،وان يقوينا ويوفقنا لما ينجينا من عذاب سقر .
نتقدم بالتعازي الى مقام الرسول الأعظم محمد المصطفى (ص)،والأئمة المعصومين (ع)،والى مقام ولي الله الأعظم وصاحب العصر والزمان الإمام المهدي المنتظر (عج)،والى علمائنا ومراجعنا الكرام،والعالم الشيعي،بذكرى وفاة السيد عبد العظيم الحسني رضوان الله عليه،سائلين
المولى العلي القدير أن يجعلنا من المتمسكين بولاية علي بن أبي طالب (ع) والأئمة الأطهار،وأن يوفقنا للسير على هدى الرسول وسيرته وسيرة عترته الطاهرة،وأن يجعلنا من أنصار الإمام الحجة المنتظر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء،وأن نُوَفق للسير على ما سار عليه هذا السيد الكريم
والعالم الرباني الجليل والمحدِّث الكبير وولي أهل البيت عليهم السلام،وأن نجعله قدوة لنا،رزقنا الله واياكم زيارته في الدنيا وشفاعته في الاخرة .
روى الشيخ الصدوق في ثواب الأعمال : أن رجلاً من أهل الري دخل على الإمام أبي الحسن الهادي (ع) فقال له الإمام (ع) : أين كنت ؟ .قال : زرت الحسين (ع).قال الإمام (ع) : أما أنك لو زرت قبر عبد العظيم عندكم لكنت كمن زار قبر الحسين صلوات الله عليه .
إنّ جَوَّ الاضطهاد والظّلم الّذي عاشه الإمام الهادي (ع)،قد جعل امكانيّة الانتفاع من الإمام محدودة جدّاً،ولكنّه مع ذلك استطاع بعض المشتاقين لمعارف القرآن وأهل البيت(ع)،ان يكسبوا من فيض الإمام الهادي (ع) بمقدار سعة وجودهم،وان يرتفعوا الى الدّرجات العالية من الإيمان والمعرفة.وعلى رأس اولئك شاه عبد العظيم الحسني (رض)،وقد كان من كبار العلماء والرواة عنهم،إذ كان موضع ثقتهم ومحط آمالهم وحامل اسرارهم وعلومهم .
فلنتعرف الى شيء من السيرة المباركة لهذا السيد الكريم،حتى نعرف قيمة هذه الشخصية ومقامها عند الله وعند أهل البيت (ع)،والتي تساوى ثواب زيارتها بثواب زيارة الإمام الحسين (ع) .حيث تُجمع كتب الرجال على أن شاه عبد العظيم الحسني (رض) من أغصان الشجرة النبوية الطيبة التي أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا .. فقد ذُكر انه لما توفي رحمه الله،وجُرِّد ليُغسََّل وُجِدَ في جيب قميصه رقعة ذَكر فيها نسبه الشريف،وجاء فيها: أنا أبو القاسم عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم آلاف التحية وأزكى السلام،وبهذا ينتهي نسبه الي الامام الحسن المجتبى بعد اربعة اظهر لذا فقد اشتهر بالحسني،اما كنيته فهي ابوالقاسم،ولد (رضوان الله عليه) في اليوم الرابع من شهر ربيع الثاني،سنة مائة وثلاثة وسبعون للهجرة،في مدينة الرسول (ص)،أيّام عهد الإمام الكاظم) ع)،وعاش في مدينة سامراء. وعاصر فترة امامة اربعة من الائمة المعصومين وهم الامام موسي الكاظم (ع) و الامام الرضا (ع) و الأمام الجواد (ع) والأمام اهادي (ع) . ويروي الشيخ عباس القمي (رض) في سفينة البحار: أن زوجته كانت خديجة بنت القسَم الزاهد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن أمير المؤمنين عليهم السلام،وقد ذكر غيره أن زوجته فاطمة بنت عُقبة بن قيس الحميَري،وكان له ولد إسمه (محمد) كان معروفاً بالزهد وكثرة العبادة،وكان جليل القدر عالماً .
اما ماذُكر عن صفاته رضوان الله عليه انه كان ذو ورع ودين،عابد زاهد معروف بالأمانة وصدق اللهجة،عالم بأمور الدين،قائل بالتوحيد والعدل ، قال المحدث القمي بشأنه : علو مقامه وجلالة شأنه أظهر من الشمس،فإنه من سلالة خاتم النبيين،وهو من أكابر المحدثين وأعاظم العلماء والزهَّاد وذوي الورع والتقوى،وهو من أصحاب الإمامين الجواد والهادي عليهما السلام،ومن أجلاء تلامذة الإمامين محمد الجواد وعلي الهادي،كان متوسلاً بهما أقصى درجات التوسل ومنقطعاً إليهما غاية الإنقطاع .
وقد روى أبو تراب الروياني قال: سمعت أبا حماد الرازي يقول: دخلت على علي بن محمد عليه السلام بسر من رأى فسألته عن أشياء من الحلال والحرام فأجابني فيها، فلما ودّعته قال لي: يا أبا حماد إذا أشكل عليك شيء من أمر دينك بناحيتك فسل عنه عبد العظيم بن عبد الله
الحسني، وأقرأه مني السلام .وهذا الحديث وأمثاله مما يروى في المكانة العلمية للسيد عبد العظيم (رض) لا يدل على جلالة الرجل وعلمه وموثوقيته ومكانته ومنزلته عند الأئمة المعصومين (ع)،وإحاطته بعلوم أهل البيت (ع) فقط،وإنما هو ايضاً نص منهم وتكليف بتعيينه (رض) نائب عنهم،في إدارة شؤون شيعتهم في بلاد الري واقليم فارس،بطريقة سرية،خوفاً على اتباع اهل البيت من التشتت والضياع،تحت جور الحكومة العباسية الباغية،
فاعتماد الأئمة من آل البيت (ع) للسيد عبد العظيم مرجعاً لشيعتهم في الري،حجة واضحة على مايتمتع به هذا العالم العلوي المبارك من غزارة العلم وتمام التقوى وسمو الاخلاق وسلامة الدين،مما اهله لاحتلال هذا الموقع العظيم وهذه المكانة الرفيعة، يقول الصّاحب بن عبّاد: كان عبد العظيم الحسني عارفاً بشؤون الدّين ومطلعاً على المسائل الدّينية واحكام القرآن،وقد ارتفع في مدارج الايمان والمعرفة الى الحدّ الّذي قال له الإمام الهادي (ع) : أنت وليّنا حقّاً .
يقول السيد عبد العظيم : دخلت على سيّدي عليّ بن محمّد الهادي بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع) فلَّما بصَرني قال لي : مرحباً بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّاً .
فهذا النص الشريف يؤكد على فضائل ومناقب هذا العالم الجليل،وانه ولي من أولياء الله وولي أهل البيت (ع)، ومن حمَلة علومهم ومعارفهم وأسرارهم،في مرحلة سياسية من أسوأ المراحل في تاريخ المسلمين وأئمة الهدى،في ظل السلطة العباسية الغاشمة،حيث الإقامة الجبرية التي فُرضَت على الأئمة المعصومين خصوصا الإمام الجواد والإمام الهادي والامام العسكري(ع)،منعت شيعتهم في بقية البلاد من التزود منهم،لذا فإن توجيه الإمام ابي الحسن الهادي (ع) بشأن زيارة قبر السيد عبد العظيم،كان له حكمة،خاصة وانه رضوان الله عليه كان قد توفي في عهد المتوكل العباسي (لع)،الذي وضع القيود على زيارة الإمام الحسين (ع)،وهدم وخرب المرقد الطاهر عشرات المرات،حتى سُوي مع الارض،ووضع المفارز العسكرية لإلقاء القبض على كل من يزوره،ومعاقبته بأشد ألوان العقوبات،فأراد الإمام (ع) أن يحفظ أتباعه وشيعته بهذا التوجيه،لئلا تنقطع شيعتهم عن قصد عتباتهم،وتبقى انوارهم متوقدة في قلوب محبيهم،فلايظلوا عن نهجهم .
ذُكر في بحار الانوار عن عمرو بن عثمان الرازي قال : سمعت أبا الحسن الأول (ع) يقول : من لم يقدر أن يزورنا فليزر صالحي موالينا ،يُكتب له ثواب زيارتنا،ومن لم يقدر على صِلَتَنا فليصل صالحي موالينا،يكتب له ثواب صلتنا .
ولكن هذا لايمنعنا من الجزم بعلو مقام السيد عبد العظيم ومنزلته وعلمه وجهاده ضد السلطات العباسية الظالمة،التي لاحقته طوال حياته، وكان وهو مُلاحق يروي عن أئمة الهدى وينشر علومهم ومعارفهم بين الناس،مما جعل ثواب زيارته مساوياً لثواب زيارة الحسين (ع)،
حيث اتخذ من مدينة الري مركز لعمله وجهاده في نشر منهج اهل البيت (ع)،والحفاظ عليه من الانطماس،وقد اخفى اسمه ونسبه طوال وجوده فيها،ولم يطَّلع عليه الانفر من خواص الشيعة،اتقاءً من عيون شياطين بني العباس (لع) .
فقد ضيَّق خلفاء بني العباس (لع) الخناق علي آل رسول الله (ص) وشيعتهم واصحاب الائمه،و كان المتوكل اشدهم عداءاً لاهل البيت (ع)،وعاني السادة والعلويون الكثير في ايام خلافته وساءت اوضاعهم،و لم ينجو السيد عبدالعظيم (ع) من عداوتهم وحقدهم،وعزموا علي
قتله عدة مرات ودسوا الدسائس والاكاذيب لذلك،و في هذه الظروف تشرف السيد عبدالعظيم الحسني (ع) بلقاء الامام الهادي (ع) وعرض عليه عقائده،فأقرها الامام (ع) وخاطبه قائلاً : انت من اصحابنا .ووصل للمتوكل (لع) خبر لقاء السيد عبدالعظيم (رض) بالإمام الهادي
(ع)،فأصدر الامر بمطاردته وإلقاء القبض عليه، فاختفي السيد عبدالعظيم (رض) عن انظار الجلاوزة درءاً للاخطار المحدقة به،و اخذ يجوب البلاد متخفياً،وينتقل من مدينة الي اخري،حتي وصل الي الري،واختارها لاقامته،والسبب في ذلك انه عندما وصل الاسلام الى ايران واعتنقه الايرانيون،اصبحت الري اهم مركز لتجمع المسلمين واكتسبت بذلك مكانة كبيرة،وسكانها من الشيعة والسنة ولكن الجنوب يختص بالشيعة .. ودخل السيد الري بهيئة مسافر مجهول،واتجه الى بيت احد من اصحاب اهل البيت (ع) في زقاق بحي رعاة الابل،وكان يقيم في
سرداب تحت منزل ذلك الرجل،لايخرج منه الا قليلاً،وهو متستراً لزيارة قبر حمزة بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)،وبقي لفترة على هذا الحال،يصوم النهار ويقضي الليل بالصلاه والدعاء والتهجد،ولم يعرفه سوى افراد قلائل من الشيعة،ويعلمون بتواجده في الري،ويزورونه
بالخفاء متسترين لينهلوا من علمه،وكانوا يجهدون في اخفاء خبره كي لا تتعرض حياته للخطر،وبعد فترة تعرف عليه الكثير من الاشخاص ،واصبح بيته مقصداً للشيعة،يذهبون اليه يتزودون من علومه ورواياته،ويشمون منه عبق عطر بيت النبوة (ع)،ويرون فيه خلفاً صالحاً من ائمتهم،و يحومون حوله كما تحوم الفراشة حول الشمعة،فاصبح محبوباً ومعززاً ومكرماً عند شيعة الري،يرجعون اليه في حل مسائلهم الشرعية و مشاكلهم الدينية،واعتبروا كلامه كلام الامام (ع)،باعتباره نائباً له عليهم،واستمر (رض) في جهاده المبارك حتى الايام الاخيرة
من حياته،حيث لازمه المرض واودع الداء جسمه الطاهر على الفراش،واوشك اتباع اهل البيت على الحرمان من طيب وجوده،فقد زادت المصائب المتتالية التي وواجهها الناس،والشدائد التي عاني منها الشيعة في ظل الحكم العباسي من آلامه و احزانه،وفي ليلة وفاته (رض)
رأى احد الموالين في منامه رسول الله (ص) يقول له : إن رجلاً من ولدي يُحمل من سكة الموالي،ويدُفن عند شجرة التفاح،في بستان عبد الجبار بن عبد الوهاب .وأشار الى المكان الذي دُفن فيه،فاتجه ذلك الرجل في السحَر الي البستان المذكور ليشتريه من صاحبه،حتي
يحظي بشرف دفن احد احفاد رسول الله (ص) في ارضه،فسأله صاحب البستان : لأي شيء تطلب الشجرة ومكانها .فأخبره بالرؤيا،فذكر عبد الجبار أنه كان رأى مثل هذه الرؤية،وأنه جعل موضع الشجرة مع جميع البستان،وقفاً على الشريف وأعيان الشيعة يُدفنون فيه، ليحظي بهذا الشرف،فعندما اصبح الصباح فارقت روح السيد عبدالعظيم الحسني (ع) الحياة،وكان ذلك في الخامس عشر من شهر شوال وقيل في الاول منه،سنة مائتان واثنان وخمسون للهجرة،وله من العمر تسعة وسبعون سنة،وذاع خبر وفاته بين الناس فلبسوا السواد حداداً عليه،وتجمعوا على داره يبكون و ينتحبون،وغسلوه و كفنوه وصلوا عليه و دفنوه عند شجرة التفاح التي اشار اليها رسول الله (ص) في الرؤيا،واودعوا في تلك التربه بضعة من عترة النبي (ص)،ليستظيء محبو اهل البيت من نوره،وليكون ملاذ لهم،وليحظوا بمزاره الذي برز منه الكرامات الباهرة،فمقام شاه عبد العظيم هو قطعة من ارض كربلا،وكربلا هي قطعة من الجنة .
فهذا السيد الشريف عاش طوال حياته مطارد،ومخفي الاسم والنسب،مع انه ينتمي لأطيب شجرة وأطهر نسب،وقضى نصف عمره في سرداب تحت الارض،حرصاً منه على دينه ودين أبائه،فبقي له ذكر حي،وصار لمرقده مشهد عظيم مهيب في مدينة الري،يقصده المحبون من كل العالم،ومدينة الري هذه علاوة على انها مركز كبير لتجمع المسلمين،كانت ايضاً بلاد جميلة خضراء خصبة موفورة النِّعم،تهفو اليها كثيراًً من النفوس،وهذا ماجعل اللعين عمر بن سعد يطمع في حكمها وارتضى مقابل ذلك ان يكون من مرتكبي فاجعة كربلا حيث قال بحقها :
أأترك ملك الري والري منيتي
ام ارجع مأثوماً بقتل حسينِ
يقول الرواة : انه في ليلة العاشر من المحرم،جاء برير لاهمداني الى الحسين (ع)،فقال : يابن رسول الله أتأذن لي أن آتي هذا الفاسق عمر بن سعد فأكلمه في أمر الماء،واعظه لعله يرجع عن غيه .فقال الحسين (ع) : افعل ما احببت . فاقبل حتى دخل على بن سعد (لع) فجلس معه ولم يسلم عليه،فغضب اللعين وقال : يا اخا همدان مالذي منعك من السلام علي ألست مسلماً اعرف الله ورسوله !. فقال له برير (رض) : لو كنت مسلماً ماخرجت على عترة نبيك محمد (ص)،تريد قتلهم وسبيهم،وبعد فهذا ماء الفرات يلوح بصفائه يشرب منه كلاب السواد وخنازيرها،وهذا الحسين بن فاطمة ونساؤه وعياله واطفاله يموتون عطشاً،قد حلت بينهم وبين ماء الفرات ان يشربوا منه وتزعم انك تعرف الله ورسوله ! .فقال (لع) : إني لأعلم علماً يقيناً ان كل من قاتلهم وغصب حقهم مخلد في النار ولامحالة،ولكن يابرير أتشير علي أن اترك ولاية الري فتصير لغيري،والله مااجد نفسي تجيبني الى ذلك ابداً ..
يقول الصادق (ع) : والله لقد اتى بعمر بن سعد بعد ما قُتل وانه لفي صورة قرد في عنقه سلسلة يعرف اهل الدار وهم لايعرفونه .
ضاعف الله في عذابه اشترى رضى المخلوق بسخط الخالق طلباً للأمارة وحباً للرئاسة واختار لنفسه خزي الدنيا ونكال الآخرة ولقد غلبت عليه الشقاوة بحيث ان الحسين بعدما بقي وحيداً فريداً دعاه وطلب منه جرعة من الماء فما رق قلبه ولم يرضى بأن يسقيه،واعظم من ذلك
ياموالي هو ما آمر به عمر بن سعد (لع)،بعد تقطيعهم لجسد ابن النبي بسهامهم وسيوفهم ورماحهم،وفصلهم الرأس عن الجسد،بان يمثّل به فتركب عشرة من الخيول المنعلة بالحديد فتجعله لها ميدان،فبالله اسألك يامحب ماحال اخته زينب في تلك الساعة،وقد كانت تحشمهم
لتغسيل جثته ..
بأبي أبي الضيم صال وماله
إلا المثقَّف والحسام نصيرُ
وبقلبهِ الهمَّ الذي لو بعضَهُ
بثبيرِ لم يثبت عليه ثبيرُ
حزناً على الدين الحنيفِ وغربة
وظماً وفقدَ أحبةٍ وهجيرُ
بنفسي شفاهاً ذابلات من الظمأ
ولم تحظى من ماء الفرات بقطرةِ
بنفسي عيوناً غابرات سواهراً
الى الماء منها نظرةً بعد نظرةِ
يقول الخطيب الحاج سعود الشملاوي :
بن سعد نادى لبو الحورا الزكية
بالعجل يافرسان نعلوا الأعوجية
بالعجل قوموا الأعوجية نعلوها
او ركبوا عليها او رضضوا جنازة اخوها
كسروا عظامه بالعوادي او هشموها
ابداً فلا اتبقوا من اضلوعه حنيِّة
لبوا نداه او بالعجل ركبت الفرسان
عشرة اعلى عشرة خيول خلوا الجسد ميدان
وزينب اتعاينهم وتجري الدمع غدران
كلما وطت فوقه تون ونة خفيِّة
كلما وطت فوقه ابنعلها تجر حسرة
وتهل دمعها من تراها اتدوس صدره
وتذهب ابمجراها او ترجع فوق ظهره
هشمت جسمه او مابقت منه بقية
نادت يخيل الأعوجية دستي حسين
او دستي على صدر النبي سيد الكونين
او دستي صدر اللي بسيفه شيد الدين
او دستي على صدر البتولة يادعية
خوية عسى ابعيد البلا صدرك يرضوه
ويبقى ثلاثة اعلى الوطية مايواروه
او راسك على راس الرمح ليزيد يودوه
والله اسافة يروح للطاغي هدية
وحنا عقب عينك ايسيرونا على اكوار
حسَّر بلا قنعة يشهرونا بلمصار
كنا كفر محنا من اسلالة المختار
ليته يجيني الموت قبل اغدي سبية
* * * *
( لطمية )
اليوم في خريسان حنَّة وماتم نياحة وعويل
لن أمير الري ودَّع وللقبر عزَّم يشيل
* *
اليوم في خريسان حنَّة وماتم النسل الحسن
قضى بالعلة من مقاسى الشدايد والمحن
بعد ماجاهد الأعدا وصان دينه وما وَهَن
هذا إبن النبي الهادي والوصي حامي الدخيل
* *
عاش في سرداب ضيِّق ينشر علوم الهدى
وفي الخفا الشيعة تزوره حذر من غدر العِدا
لن علاها الضيم والذل وبالخوف مقيَّدة
دولة العباس ياهي سقت شيعة علي الويل
* *
استباحوا دمِّ شيعة علي وأولاده جميع
الكلِّ منهم مات غيلة وحالهم حال فجيع
دولة العباس فاقت بني امية فهالصنيع
حسبهم رب البرية العادل ونعم الوكيل
* *
بس مافيه جرم يوازي واقعة يوم الطفوف
حين حاطت بالشهيد سهام ورماح وسيوف
وعْلى أيتامه وحريمه احرقوا ذيك لسجوف
وسيَّروهم بالعنا وراسه على رمحٍ طويل
* *
بيامصاب نعزي فاطم وكل رزية مؤلمة
والأشدّ مصيبة اللي قضى وهو يشكي الظما
وخلَّف اخته للمصايب وكل مصاب اشمعظمه
وان طال حزنش يابتولة البكا مايشفي الغليل
* * * *
( لطمية )
التموا على داره الخلق في ضجة وحْنين
يعزون بمصابه ويجروا دمعة العين
* *
التموا على داره لتشييعه ودفنه
ينادون ياملجانا وين تروح عنا
وانته ذرانا وعِزِّنا وسراج املنا
ضيّعتنا بعدك يشمامة الطيبين
* *
حرْمونا من نور النبوة والإمامة
وفيك العوض مولاي وافضالك علامة
جيت اوجانا الخير ياراعي الكرامة
وردناك تسلَم مادرينا يخوننا البين
* *
عشت العمر ياسيِّدي مطارد ومحصور
ومن جور عدوانك رحت بالضيم مقهور
وان كان من بعدك قلبنا صبَح مكسور
لكنّ نورك ما انطفى يانسل ياسين
* *
اتلحَّد بقبره ونِصبوا له مآتم
واهتزت ارض الري لمصيبة العالِم
وحنا بتعازينا نعظم أجر فاطم
ونذكر ابنها اللي اندفن من غير تكفين
* *
نسل الحسن عاش بمرار وضيق واحزان
بس ياهو مثل اللي سقوه الضيم ألوان
وسِلبوا حريمه عقب ماذبحوه عطشان
ايهون كل مصاب من نتذكَّر حسين
* * * *
.
.
مـدارس آيـات خلت من تلاوةٍ ومـنزلُ وحـيٍ مقفرُ العرصات
لآل رسـول الله بالخيفِ من منى وبـالبيت والـتعريبف والجمرات
ديـارُ عـليٍّ والـحسينِ وجعفرٍ وحـمزةَ والـسجاد ذي الـثفنات
مـنازل كـانت لـلرشاد وللتقى ولـلصوم والـتطهير والصلوات
ديـارٌ عـفاها جـور كـل منابذٍ ولـم تـعفُ لـلأيام والـسنوات
أفـاطم لـو خلت الحسين مجدَّلا وقـد مـات عطشاناً بشطِ فرات
إذن لـلطمت الـخدَّ فـاطم عنده وأجـريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي نـجوم سـماواتٍ بـأرض فـلاة
قـبور بـكوفانٍ وأخـرى بطيبة وأخـرى بـفخٍ نـالها صـلواتي
قبورٌ بجنب النهر من أرض كربلا مُـعـرَّسُهم فـيها بـشط فـرات
تـوفوا عـطاشى بالعراء فليتني تـوفيت فـيهم قـبل حين وفاتي
إلـى الله أشكو لوعةً عند ذكرهم سـقتني بـكأس الذُلِّ والفضعات
سـأبكيهمُ مـا حـج لـله راكبٌ ومـا نـاح قُمريٌ على الشجرات
سأبكيهم ما ذرَّ في الأفق شارقٌ ونادى منادي الخير للصلوات
ديارُ رسول الله أصبحن بلقعا وآل زيـادٍ تـسكن الحجرات
وآل زيادٍ في القصور مصونةٌ وآل رسـول الله في الفلوات
**
بخامس عشر شوال تتجدد الحسرة
في قلب ست النسا فاطم الزهرا
وياما انكوى بحسرات وجراحات كَثْرَة
واصعبها جرح الظامي المقطوع نحره
* *
غصّة مصابه ماتداويها العبرة
ولافيه مثل مصيبته وضيمه وصبره
نسَّاها كل اللي جرى ليها ويجرى
وياوالدة تطفِّي لجمرتها بجمرة
* *
ياوالدة تمسح مرار مصاب بمصاب
لحسين نسَّاها مصايب كلِّ لحباب
نسَّاها لولاد القضوا شتَّى واغراب
بالسيف والسم وفيه من بالسجن غاب
* *
وفيه من غيَّبوهم وهم أحيا بلتراب
وفيه من مضوا تشريد مجهولين لنساب
مثل القضى عمره في عتمة السرداب
عبد العظيم نسل الحسن بن داحي الباب
* *
هذا اللي شرَّف بلدة الري في خُرَاسان
وفيها لجل شانه ارتفع قبة وبنيان
وتِعْنى له لمحبين من أقصى البلدان
وزيارته تساوي إلى زيارة العطشان
* *
هذا اللي بتقواه وعلمه صار له شان
وحمله العِلِم واسرار آل النبي العدنان
جاهد لنشره ومارَهَب دولة العدوان
حتى قضى بغربة عن أهله ولوطان
* *
قضَّى العمر كله في تغريب وهضيمة
من بلدة لابلدة ومدينة لامدينة
وعنه عدو الله فلا غمَّضت عينه
ودس له الدسايس في الخفا نسل اللعينة
* *
إبن النبي والوصي والزهرا الأمينة
بسرداب مظلم عاش حتى حان حينه
ينشر عِلِم جده وعن الأعدا يصونه
صائم نهاره قائمٍ ليله بسكينة
* *
جور العدو زيَّد الى اوجاعه وغمّه
ومن الشدايد والكدر اعتلِّ جسمه
وامتد على فراش المرض ايقاسي همّه
ولحباب عنه مادروا ولاحضروا يمّه
* *
ومن قَرَب يومه المصطفى خبَّر بعلْمه
حكمة وارادة من الباري جلِّ اسمه
تصوّر نبي الله للموالي في حلمه
وقلَّه ابني يتوفى وبالبستان ادفنه
* *
مأجور في الأولاد ياسيْد النبيين
هذا قضى بغربة وهله عنه بعيدين
لكن لتشييعه حضر كلِّ المحبين
غير اللي ماحصَّل إله غسلٍ وتكفين
* *
ياقلب يتحمَّل يعد ماجرى لحسين
ولا النوح يشفي ولو نشفت دمعة العين
ونَّة ألم منه ومن انصاره الطيبين
تكفي نقيم الها العزا أيام وسنين
****
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله الذي ملَكَ فقَدَر،واُطيع فشكر،وعُصيَ فغفر،والصلاة والسلام على سيد البشر محمد وآله الميامين الغرر ،واللعن الدائم من ظلمهم وبحقهم استهان وكفر،ونسأله بجاههم ان يقينا من كل همٍ وخطر،ويكفينا مانخاف ونحذر،وان يقوينا ويوفقنا لما ينجينا من عذاب سقر .
نتقدم بالتعازي الى مقام الرسول الأعظم محمد المصطفى (ص)،والأئمة المعصومين (ع)،والى مقام ولي الله الأعظم وصاحب العصر والزمان الإمام المهدي المنتظر (عج)،والى علمائنا ومراجعنا الكرام،والعالم الشيعي،بذكرى وفاة السيد عبد العظيم الحسني رضوان الله عليه،سائلين
المولى العلي القدير أن يجعلنا من المتمسكين بولاية علي بن أبي طالب (ع) والأئمة الأطهار،وأن يوفقنا للسير على هدى الرسول وسيرته وسيرة عترته الطاهرة،وأن يجعلنا من أنصار الإمام الحجة المنتظر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء،وأن نُوَفق للسير على ما سار عليه هذا السيد الكريم
والعالم الرباني الجليل والمحدِّث الكبير وولي أهل البيت عليهم السلام،وأن نجعله قدوة لنا،رزقنا الله واياكم زيارته في الدنيا وشفاعته في الاخرة .
روى الشيخ الصدوق في ثواب الأعمال : أن رجلاً من أهل الري دخل على الإمام أبي الحسن الهادي (ع) فقال له الإمام (ع) : أين كنت ؟ .قال : زرت الحسين (ع).قال الإمام (ع) : أما أنك لو زرت قبر عبد العظيم عندكم لكنت كمن زار قبر الحسين صلوات الله عليه .
إنّ جَوَّ الاضطهاد والظّلم الّذي عاشه الإمام الهادي (ع)،قد جعل امكانيّة الانتفاع من الإمام محدودة جدّاً،ولكنّه مع ذلك استطاع بعض المشتاقين لمعارف القرآن وأهل البيت(ع)،ان يكسبوا من فيض الإمام الهادي (ع) بمقدار سعة وجودهم،وان يرتفعوا الى الدّرجات العالية من الإيمان والمعرفة.وعلى رأس اولئك شاه عبد العظيم الحسني (رض)،وقد كان من كبار العلماء والرواة عنهم،إذ كان موضع ثقتهم ومحط آمالهم وحامل اسرارهم وعلومهم .
فلنتعرف الى شيء من السيرة المباركة لهذا السيد الكريم،حتى نعرف قيمة هذه الشخصية ومقامها عند الله وعند أهل البيت (ع)،والتي تساوى ثواب زيارتها بثواب زيارة الإمام الحسين (ع) .حيث تُجمع كتب الرجال على أن شاه عبد العظيم الحسني (رض) من أغصان الشجرة النبوية الطيبة التي أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا .. فقد ذُكر انه لما توفي رحمه الله،وجُرِّد ليُغسََّل وُجِدَ في جيب قميصه رقعة ذَكر فيها نسبه الشريف،وجاء فيها: أنا أبو القاسم عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم آلاف التحية وأزكى السلام،وبهذا ينتهي نسبه الي الامام الحسن المجتبى بعد اربعة اظهر لذا فقد اشتهر بالحسني،اما كنيته فهي ابوالقاسم،ولد (رضوان الله عليه) في اليوم الرابع من شهر ربيع الثاني،سنة مائة وثلاثة وسبعون للهجرة،في مدينة الرسول (ص)،أيّام عهد الإمام الكاظم) ع)،وعاش في مدينة سامراء. وعاصر فترة امامة اربعة من الائمة المعصومين وهم الامام موسي الكاظم (ع) و الامام الرضا (ع) و الأمام الجواد (ع) والأمام اهادي (ع) . ويروي الشيخ عباس القمي (رض) في سفينة البحار: أن زوجته كانت خديجة بنت القسَم الزاهد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن أمير المؤمنين عليهم السلام،وقد ذكر غيره أن زوجته فاطمة بنت عُقبة بن قيس الحميَري،وكان له ولد إسمه (محمد) كان معروفاً بالزهد وكثرة العبادة،وكان جليل القدر عالماً .
اما ماذُكر عن صفاته رضوان الله عليه انه كان ذو ورع ودين،عابد زاهد معروف بالأمانة وصدق اللهجة،عالم بأمور الدين،قائل بالتوحيد والعدل ، قال المحدث القمي بشأنه : علو مقامه وجلالة شأنه أظهر من الشمس،فإنه من سلالة خاتم النبيين،وهو من أكابر المحدثين وأعاظم العلماء والزهَّاد وذوي الورع والتقوى،وهو من أصحاب الإمامين الجواد والهادي عليهما السلام،ومن أجلاء تلامذة الإمامين محمد الجواد وعلي الهادي،كان متوسلاً بهما أقصى درجات التوسل ومنقطعاً إليهما غاية الإنقطاع .
وقد روى أبو تراب الروياني قال: سمعت أبا حماد الرازي يقول: دخلت على علي بن محمد عليه السلام بسر من رأى فسألته عن أشياء من الحلال والحرام فأجابني فيها، فلما ودّعته قال لي: يا أبا حماد إذا أشكل عليك شيء من أمر دينك بناحيتك فسل عنه عبد العظيم بن عبد الله
الحسني، وأقرأه مني السلام .وهذا الحديث وأمثاله مما يروى في المكانة العلمية للسيد عبد العظيم (رض) لا يدل على جلالة الرجل وعلمه وموثوقيته ومكانته ومنزلته عند الأئمة المعصومين (ع)،وإحاطته بعلوم أهل البيت (ع) فقط،وإنما هو ايضاً نص منهم وتكليف بتعيينه (رض) نائب عنهم،في إدارة شؤون شيعتهم في بلاد الري واقليم فارس،بطريقة سرية،خوفاً على اتباع اهل البيت من التشتت والضياع،تحت جور الحكومة العباسية الباغية،
فاعتماد الأئمة من آل البيت (ع) للسيد عبد العظيم مرجعاً لشيعتهم في الري،حجة واضحة على مايتمتع به هذا العالم العلوي المبارك من غزارة العلم وتمام التقوى وسمو الاخلاق وسلامة الدين،مما اهله لاحتلال هذا الموقع العظيم وهذه المكانة الرفيعة، يقول الصّاحب بن عبّاد: كان عبد العظيم الحسني عارفاً بشؤون الدّين ومطلعاً على المسائل الدّينية واحكام القرآن،وقد ارتفع في مدارج الايمان والمعرفة الى الحدّ الّذي قال له الإمام الهادي (ع) : أنت وليّنا حقّاً .
يقول السيد عبد العظيم : دخلت على سيّدي عليّ بن محمّد الهادي بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع) فلَّما بصَرني قال لي : مرحباً بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّاً .
فهذا النص الشريف يؤكد على فضائل ومناقب هذا العالم الجليل،وانه ولي من أولياء الله وولي أهل البيت (ع)، ومن حمَلة علومهم ومعارفهم وأسرارهم،في مرحلة سياسية من أسوأ المراحل في تاريخ المسلمين وأئمة الهدى،في ظل السلطة العباسية الغاشمة،حيث الإقامة الجبرية التي فُرضَت على الأئمة المعصومين خصوصا الإمام الجواد والإمام الهادي والامام العسكري(ع)،منعت شيعتهم في بقية البلاد من التزود منهم،لذا فإن توجيه الإمام ابي الحسن الهادي (ع) بشأن زيارة قبر السيد عبد العظيم،كان له حكمة،خاصة وانه رضوان الله عليه كان قد توفي في عهد المتوكل العباسي (لع)،الذي وضع القيود على زيارة الإمام الحسين (ع)،وهدم وخرب المرقد الطاهر عشرات المرات،حتى سُوي مع الارض،ووضع المفارز العسكرية لإلقاء القبض على كل من يزوره،ومعاقبته بأشد ألوان العقوبات،فأراد الإمام (ع) أن يحفظ أتباعه وشيعته بهذا التوجيه،لئلا تنقطع شيعتهم عن قصد عتباتهم،وتبقى انوارهم متوقدة في قلوب محبيهم،فلايظلوا عن نهجهم .
ذُكر في بحار الانوار عن عمرو بن عثمان الرازي قال : سمعت أبا الحسن الأول (ع) يقول : من لم يقدر أن يزورنا فليزر صالحي موالينا ،يُكتب له ثواب زيارتنا،ومن لم يقدر على صِلَتَنا فليصل صالحي موالينا،يكتب له ثواب صلتنا .
ولكن هذا لايمنعنا من الجزم بعلو مقام السيد عبد العظيم ومنزلته وعلمه وجهاده ضد السلطات العباسية الظالمة،التي لاحقته طوال حياته، وكان وهو مُلاحق يروي عن أئمة الهدى وينشر علومهم ومعارفهم بين الناس،مما جعل ثواب زيارته مساوياً لثواب زيارة الحسين (ع)،
حيث اتخذ من مدينة الري مركز لعمله وجهاده في نشر منهج اهل البيت (ع)،والحفاظ عليه من الانطماس،وقد اخفى اسمه ونسبه طوال وجوده فيها،ولم يطَّلع عليه الانفر من خواص الشيعة،اتقاءً من عيون شياطين بني العباس (لع) .
فقد ضيَّق خلفاء بني العباس (لع) الخناق علي آل رسول الله (ص) وشيعتهم واصحاب الائمه،و كان المتوكل اشدهم عداءاً لاهل البيت (ع)،وعاني السادة والعلويون الكثير في ايام خلافته وساءت اوضاعهم،و لم ينجو السيد عبدالعظيم (ع) من عداوتهم وحقدهم،وعزموا علي
قتله عدة مرات ودسوا الدسائس والاكاذيب لذلك،و في هذه الظروف تشرف السيد عبدالعظيم الحسني (ع) بلقاء الامام الهادي (ع) وعرض عليه عقائده،فأقرها الامام (ع) وخاطبه قائلاً : انت من اصحابنا .ووصل للمتوكل (لع) خبر لقاء السيد عبدالعظيم (رض) بالإمام الهادي
(ع)،فأصدر الامر بمطاردته وإلقاء القبض عليه، فاختفي السيد عبدالعظيم (رض) عن انظار الجلاوزة درءاً للاخطار المحدقة به،و اخذ يجوب البلاد متخفياً،وينتقل من مدينة الي اخري،حتي وصل الي الري،واختارها لاقامته،والسبب في ذلك انه عندما وصل الاسلام الى ايران واعتنقه الايرانيون،اصبحت الري اهم مركز لتجمع المسلمين واكتسبت بذلك مكانة كبيرة،وسكانها من الشيعة والسنة ولكن الجنوب يختص بالشيعة .. ودخل السيد الري بهيئة مسافر مجهول،واتجه الى بيت احد من اصحاب اهل البيت (ع) في زقاق بحي رعاة الابل،وكان يقيم في
سرداب تحت منزل ذلك الرجل،لايخرج منه الا قليلاً،وهو متستراً لزيارة قبر حمزة بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)،وبقي لفترة على هذا الحال،يصوم النهار ويقضي الليل بالصلاه والدعاء والتهجد،ولم يعرفه سوى افراد قلائل من الشيعة،ويعلمون بتواجده في الري،ويزورونه
بالخفاء متسترين لينهلوا من علمه،وكانوا يجهدون في اخفاء خبره كي لا تتعرض حياته للخطر،وبعد فترة تعرف عليه الكثير من الاشخاص ،واصبح بيته مقصداً للشيعة،يذهبون اليه يتزودون من علومه ورواياته،ويشمون منه عبق عطر بيت النبوة (ع)،ويرون فيه خلفاً صالحاً من ائمتهم،و يحومون حوله كما تحوم الفراشة حول الشمعة،فاصبح محبوباً ومعززاً ومكرماً عند شيعة الري،يرجعون اليه في حل مسائلهم الشرعية و مشاكلهم الدينية،واعتبروا كلامه كلام الامام (ع)،باعتباره نائباً له عليهم،واستمر (رض) في جهاده المبارك حتى الايام الاخيرة
من حياته،حيث لازمه المرض واودع الداء جسمه الطاهر على الفراش،واوشك اتباع اهل البيت على الحرمان من طيب وجوده،فقد زادت المصائب المتتالية التي وواجهها الناس،والشدائد التي عاني منها الشيعة في ظل الحكم العباسي من آلامه و احزانه،وفي ليلة وفاته (رض)
رأى احد الموالين في منامه رسول الله (ص) يقول له : إن رجلاً من ولدي يُحمل من سكة الموالي،ويدُفن عند شجرة التفاح،في بستان عبد الجبار بن عبد الوهاب .وأشار الى المكان الذي دُفن فيه،فاتجه ذلك الرجل في السحَر الي البستان المذكور ليشتريه من صاحبه،حتي
يحظي بشرف دفن احد احفاد رسول الله (ص) في ارضه،فسأله صاحب البستان : لأي شيء تطلب الشجرة ومكانها .فأخبره بالرؤيا،فذكر عبد الجبار أنه كان رأى مثل هذه الرؤية،وأنه جعل موضع الشجرة مع جميع البستان،وقفاً على الشريف وأعيان الشيعة يُدفنون فيه، ليحظي بهذا الشرف،فعندما اصبح الصباح فارقت روح السيد عبدالعظيم الحسني (ع) الحياة،وكان ذلك في الخامس عشر من شهر شوال وقيل في الاول منه،سنة مائتان واثنان وخمسون للهجرة،وله من العمر تسعة وسبعون سنة،وذاع خبر وفاته بين الناس فلبسوا السواد حداداً عليه،وتجمعوا على داره يبكون و ينتحبون،وغسلوه و كفنوه وصلوا عليه و دفنوه عند شجرة التفاح التي اشار اليها رسول الله (ص) في الرؤيا،واودعوا في تلك التربه بضعة من عترة النبي (ص)،ليستظيء محبو اهل البيت من نوره،وليكون ملاذ لهم،وليحظوا بمزاره الذي برز منه الكرامات الباهرة،فمقام شاه عبد العظيم هو قطعة من ارض كربلا،وكربلا هي قطعة من الجنة .
فهذا السيد الشريف عاش طوال حياته مطارد،ومخفي الاسم والنسب،مع انه ينتمي لأطيب شجرة وأطهر نسب،وقضى نصف عمره في سرداب تحت الارض،حرصاً منه على دينه ودين أبائه،فبقي له ذكر حي،وصار لمرقده مشهد عظيم مهيب في مدينة الري،يقصده المحبون من كل العالم،ومدينة الري هذه علاوة على انها مركز كبير لتجمع المسلمين،كانت ايضاً بلاد جميلة خضراء خصبة موفورة النِّعم،تهفو اليها كثيراًً من النفوس،وهذا ماجعل اللعين عمر بن سعد يطمع في حكمها وارتضى مقابل ذلك ان يكون من مرتكبي فاجعة كربلا حيث قال بحقها :
أأترك ملك الري والري منيتي
ام ارجع مأثوماً بقتل حسينِ
يقول الرواة : انه في ليلة العاشر من المحرم،جاء برير لاهمداني الى الحسين (ع)،فقال : يابن رسول الله أتأذن لي أن آتي هذا الفاسق عمر بن سعد فأكلمه في أمر الماء،واعظه لعله يرجع عن غيه .فقال الحسين (ع) : افعل ما احببت . فاقبل حتى دخل على بن سعد (لع) فجلس معه ولم يسلم عليه،فغضب اللعين وقال : يا اخا همدان مالذي منعك من السلام علي ألست مسلماً اعرف الله ورسوله !. فقال له برير (رض) : لو كنت مسلماً ماخرجت على عترة نبيك محمد (ص)،تريد قتلهم وسبيهم،وبعد فهذا ماء الفرات يلوح بصفائه يشرب منه كلاب السواد وخنازيرها،وهذا الحسين بن فاطمة ونساؤه وعياله واطفاله يموتون عطشاً،قد حلت بينهم وبين ماء الفرات ان يشربوا منه وتزعم انك تعرف الله ورسوله ! .فقال (لع) : إني لأعلم علماً يقيناً ان كل من قاتلهم وغصب حقهم مخلد في النار ولامحالة،ولكن يابرير أتشير علي أن اترك ولاية الري فتصير لغيري،والله مااجد نفسي تجيبني الى ذلك ابداً ..
يقول الصادق (ع) : والله لقد اتى بعمر بن سعد بعد ما قُتل وانه لفي صورة قرد في عنقه سلسلة يعرف اهل الدار وهم لايعرفونه .
ضاعف الله في عذابه اشترى رضى المخلوق بسخط الخالق طلباً للأمارة وحباً للرئاسة واختار لنفسه خزي الدنيا ونكال الآخرة ولقد غلبت عليه الشقاوة بحيث ان الحسين بعدما بقي وحيداً فريداً دعاه وطلب منه جرعة من الماء فما رق قلبه ولم يرضى بأن يسقيه،واعظم من ذلك
ياموالي هو ما آمر به عمر بن سعد (لع)،بعد تقطيعهم لجسد ابن النبي بسهامهم وسيوفهم ورماحهم،وفصلهم الرأس عن الجسد،بان يمثّل به فتركب عشرة من الخيول المنعلة بالحديد فتجعله لها ميدان،فبالله اسألك يامحب ماحال اخته زينب في تلك الساعة،وقد كانت تحشمهم
لتغسيل جثته ..
بأبي أبي الضيم صال وماله
إلا المثقَّف والحسام نصيرُ
وبقلبهِ الهمَّ الذي لو بعضَهُ
بثبيرِ لم يثبت عليه ثبيرُ
حزناً على الدين الحنيفِ وغربة
وظماً وفقدَ أحبةٍ وهجيرُ
بنفسي شفاهاً ذابلات من الظمأ
ولم تحظى من ماء الفرات بقطرةِ
بنفسي عيوناً غابرات سواهراً
الى الماء منها نظرةً بعد نظرةِ
يقول الخطيب الحاج سعود الشملاوي :
بن سعد نادى لبو الحورا الزكية
بالعجل يافرسان نعلوا الأعوجية
بالعجل قوموا الأعوجية نعلوها
او ركبوا عليها او رضضوا جنازة اخوها
كسروا عظامه بالعوادي او هشموها
ابداً فلا اتبقوا من اضلوعه حنيِّة
لبوا نداه او بالعجل ركبت الفرسان
عشرة اعلى عشرة خيول خلوا الجسد ميدان
وزينب اتعاينهم وتجري الدمع غدران
كلما وطت فوقه تون ونة خفيِّة
كلما وطت فوقه ابنعلها تجر حسرة
وتهل دمعها من تراها اتدوس صدره
وتذهب ابمجراها او ترجع فوق ظهره
هشمت جسمه او مابقت منه بقية
نادت يخيل الأعوجية دستي حسين
او دستي على صدر النبي سيد الكونين
او دستي صدر اللي بسيفه شيد الدين
او دستي على صدر البتولة يادعية
خوية عسى ابعيد البلا صدرك يرضوه
ويبقى ثلاثة اعلى الوطية مايواروه
او راسك على راس الرمح ليزيد يودوه
والله اسافة يروح للطاغي هدية
وحنا عقب عينك ايسيرونا على اكوار
حسَّر بلا قنعة يشهرونا بلمصار
كنا كفر محنا من اسلالة المختار
ليته يجيني الموت قبل اغدي سبية
* * * *
( لطمية )
اليوم في خريسان حنَّة وماتم نياحة وعويل
لن أمير الري ودَّع وللقبر عزَّم يشيل
* *
اليوم في خريسان حنَّة وماتم النسل الحسن
قضى بالعلة من مقاسى الشدايد والمحن
بعد ماجاهد الأعدا وصان دينه وما وَهَن
هذا إبن النبي الهادي والوصي حامي الدخيل
* *
عاش في سرداب ضيِّق ينشر علوم الهدى
وفي الخفا الشيعة تزوره حذر من غدر العِدا
لن علاها الضيم والذل وبالخوف مقيَّدة
دولة العباس ياهي سقت شيعة علي الويل
* *
استباحوا دمِّ شيعة علي وأولاده جميع
الكلِّ منهم مات غيلة وحالهم حال فجيع
دولة العباس فاقت بني امية فهالصنيع
حسبهم رب البرية العادل ونعم الوكيل
* *
بس مافيه جرم يوازي واقعة يوم الطفوف
حين حاطت بالشهيد سهام ورماح وسيوف
وعْلى أيتامه وحريمه احرقوا ذيك لسجوف
وسيَّروهم بالعنا وراسه على رمحٍ طويل
* *
بيامصاب نعزي فاطم وكل رزية مؤلمة
والأشدّ مصيبة اللي قضى وهو يشكي الظما
وخلَّف اخته للمصايب وكل مصاب اشمعظمه
وان طال حزنش يابتولة البكا مايشفي الغليل
* * * *
( لطمية )
التموا على داره الخلق في ضجة وحْنين
يعزون بمصابه ويجروا دمعة العين
* *
التموا على داره لتشييعه ودفنه
ينادون ياملجانا وين تروح عنا
وانته ذرانا وعِزِّنا وسراج املنا
ضيّعتنا بعدك يشمامة الطيبين
* *
حرْمونا من نور النبوة والإمامة
وفيك العوض مولاي وافضالك علامة
جيت اوجانا الخير ياراعي الكرامة
وردناك تسلَم مادرينا يخوننا البين
* *
عشت العمر ياسيِّدي مطارد ومحصور
ومن جور عدوانك رحت بالضيم مقهور
وان كان من بعدك قلبنا صبَح مكسور
لكنّ نورك ما انطفى يانسل ياسين
* *
اتلحَّد بقبره ونِصبوا له مآتم
واهتزت ارض الري لمصيبة العالِم
وحنا بتعازينا نعظم أجر فاطم
ونذكر ابنها اللي اندفن من غير تكفين
* *
نسل الحسن عاش بمرار وضيق واحزان
بس ياهو مثل اللي سقوه الضيم ألوان
وسِلبوا حريمه عقب ماذبحوه عطشان
ايهون كل مصاب من نتذكَّر حسين
* * * *
